أ.د. أحمد محمد وهبان

الديمقراطية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز السعيد(4)

البحــــــث
المقدمة :
الإشكالية
المبحث الأول : ماهية الديمقراطية
المطلب الأول : تعريف ومضمون الديمقراطية
الفرع الأول : تعريف الديمقراطية
الفرع الثاني : مضمون الديمقراطية
المطلب الثاني : تطور مفهوم الديمقراطية
الفرع الأول : المفهوم التقليدي
الفرع الثاني: المفهوم المعاصر
المطلب الثالث : مبادئ وأهداف الديمقراطية
الفرع الأول : أهداف الديمقراطية
الفرع الثاني : مبادئ الديمقراطية
المبحث الثاني : صور من التطبيقات الديمقراطية
المطلب الأول : الديمقراطية المباشرة
المطلب الثاني : الديمقراطية الغير المباشرة ( النيابية)
المطلب الثالث : الديمقراطية الشعبية
المبحث الثالث : مميزات الديمقراطية
المطلب الأول : تطور التمثيل الشعبي
الفرع الأول : مضمون الإنتخاب
الفرع الثاني : أنواع النظم إنتخابية
المطلب الثاني: المعارضة السياسية
الفرع الأول : الأحزاب السياسية
الفرع الثاني : الجماعات الضاغطة

الخاتمة

المــقــدمة
قيل عن الديمقراطية الكثير فقد أضحت مرادفا لحقوق الإنسان وحرياته
الأساسية وبقدر ما تبدو هذه الحقوق والحريات مكبوته أو مسلوبه أو معدلة
بقدر ما تشتد الحاجة الكيانية إلى الديمقراطية وهي تتمحور في حدها الأدنى
حول إعتبار الإنسان قيمة في ذاته وحقه فرد أو جماعة في التعبير عن ٍايه
وفي المشاركة في وضع القرار السياسي والإقتصادي والإجتماعي من أجل تحقيق
تقدمه وسعادته ونهضة الوطن ورقيه.
إن الديمقراطية لا تعني إغتضاب حقوق
المجتمع ولا تعني السلبية والإهمال والتسيب وإنما نعني الحوار الديمقراطي
المتكافئ فهو صمام الأمان في مواجهة تحديات المستقبل .
فما هي المفاهيم التي عرفتها الديمقراطية ؟ وصور التي اكتسبتها عبر مختلف مراحل تطورها ؟ وما مدى نجاعتها في تسير نظم الحكم .

المبحث الأول : ماهية الديمقراطية
المطلب الأول : تعريف ومضمون الديمقراطية
الفرع الأول : تعريف الديمقراطية

الشائع في الفقه أن كلمة الديمقراطية تجد أصلها الإغريقي القديم وهي تتكون
من مقطعين يونانيين ” Demod ” ومعناها ” الشعب” و”Kartod” ومعناها “
السلطة ” وبالتالي فالديمقراطية هي سلطة الشعب أو حكم الشعب حسب التعبير
الحديث(1) .
وقد ظهر الكثير من التعريفات لهذا المصطلح فقد عرفها
الرئيس الأمريكي السابق ” أبراهام لتكون في إحدى خطبه بأنها : حكم الشعب
بواسطة الشعب ومن أجل العب وتدل كلمة الشعب على أن يكون الحكم ملكا للشعب
ويختص به وتشير عبارة الشعب إلى إشراك المواطنين في وضع السياسة وممارسة
الرقابة على ممثليهم أو نوابهم وتعني عبارة من أجل الشعب أن الحكومة في
خدمة الشعب ليس مجرد درعا لهذه الحكومة وذهب ” لورد برايس” إلى أن
الديمقراطية شكل من أشكال الحكم تكون فيه السلطة الحاكمة في الدول ممثلة
قانونيا في أعضاء الجماعة ككل وليس في طبقة أو طبقات معينة، وعرفها ” جون
نسيوارت ” قبله بأنها شكل من أشكال الحكم يمارس فيه الشعب كله أو القسم
الأكبر منه سلطة الحكم من خلال نواب ينتخبونه بأنفسهم بصورة دورية وعرفها
” سيالي” بأنها الحكم الذي يشـارك فيه كل فرد من أفراد المجتمع .
الفرع الثاني: مضمون الديمقراطية
إن مضمون الديمقراطية السياسي والدستوري بالديمقراطية يكمن في المشاكل
الفعلية والمباشرة و المستمرة للمواطنين في تحديد إختيارات وسياسة البلاد
وفي تطبيقها ضمان الحريات الفردية والجماعية العامة وهي سياسة تسمح
للمواطنين بمراقبة السلطة الحاكمة والتعبير عن رفضهم لسياستها عند الحاجة
وبعزلها إن إستدعى الأمر ذلك ويمتد ضمان الحريات إلى حرية الإعلام الذي
يجب أن يعبر عن كافة الآراء والإتجاهات التعددية السياسية فعن طريقها يصبح
ممكن تعدد الإختيارات والبدائل والحلول لمختلف المشاكل ، العمل برأي
(1) – د/ سعيد بوشعير، ( القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنة )، ح2 ،ط5 ، الجزائر ، ديوان المطبوعات الجامعية ، 2003، ص 49
الأغلبية الذي يجب أن إليه غير أن ذلك لا يعني إضطهاد ومحو وجهة نظر الأقل بل لابد
من إحترام رأيها كمعارضة وهي ضرورية للديمقراطية فهي تحقق التوازن و تسمح
بمراقبة الأغلبية وتطبق تطرفها إذ أمكن ذلك ويمكن القول أن كل أغلبية ليس
لها معارضة دليل على قمع للآراء وإنعدام حرية التعبير تعدد المؤسسات
الممارسة للسلطة من أجل منع الإستبدال لا يجب تركيز ،كامل السلطة السياسية
بيد شخص واحد أو هيئة واحدة بل يجب توزيع السلطة على مؤسسات متعددة تراقب
بعضها وتمنع إستحواذ إحداها على السلطة وفي هذا الإطار يلعب مبدأ الفصل
بين السلطات دور أساسي على المستوى الدستوري لتحقيق هذه الغاية .
المطلب الثاني : تطور المفهوم الديمقراطي
لقد عرف مصطلح الديمقراطية تداولا واسعا ومدلولات متعددة ومتعارضة أحيانا
حتى أصبح شعارا يرفع على كل الجبهات وإشارة يجعلها كل من يبحث عن شرعية
الحكم أو شرعية المعارضة مما أدى إلى الصعوبة في إيجاد معنى واضح ودقيق
للديمقراطية في أكثر الدراسات دقة وأدقها تحليلا حيث ورد في قاموس السياسة
أن الديمقراطية هي المصطلح الأكثر تقديرا والأكثر غموضا من بين المصطلحات
السياسية في العالم المعاصر….. إن الكلمة اليونانية القديمة تعني الحكم
بواسطة الشعب ، إن الديمقراطية في ذاتها تعني أكثر قليلا من أن السلطة
السياسية وبمعنى عام هي بأيدي البالغين من السكان وأن ما من فئة صغيرة لها
الحق أن تحكم ، أما الدكتور ” ناجي علوش” فيعرف الديمقراطية على أنها حكم
الشعب أي حكم العامة لا الأباطرة ولا القياصرة ولا رجال الدين وهو الحكم
الذي يعبر عن إرادة الشعب ويخدم مصالحة .
غير أن الوقوف على المعنى الحقيقي للديمقراطية يقتضي معرفة الظروف و الملابسات التي صاحبت نشأة هذا المفهوم وتطوره (1)
الفرع الأول : المفهوم التقليدي
فقد ارتبطت نشأة الديمقراطية بتطور المجتمعات والنظم السياسية التي إنتقلت
من الحكم بمقتضى العادات والتقاليد إلى الحكم بمقتضى القانون بدأ من قانون
حمورابي ليصبح مهما في مرحلة ثانية البحث عن صيغ حكم عادلة ، ولقد كانت
آخر مراحل هذا التطور مرحلة
(1) – العلجة مناع “دروس في الفقه الدستوري والنظم السياسية ” ،المركز الجامعي خميس مليانة ، 2009

الديمقراطي في قلب المنظمة الأرستقراطية والملكية التي كانت تسود أوربا
قبل الثورة الفرنسية وقد أفضى هذا التطور إلى المنظومة الديمقراطية
الرأسمالية التي سندتها الثورات الفرنسية والأمريكية بقوة إعلامية هائلة .
إن الديمقراطية في مفهومها القديم تحمل في جوهرها مثلا أعلى هو المساواة
وأن النظام والمؤسسات والعلاقات التي تلقب بالديمقراطية هي تلك التي تعظم
المساواة بين البشر في فرض الحياة لقد كانت الديمقراطية بهذا المفهوم سلاح
الفقراء والضعفاء لينتزعوا حقوقهم السياسية والإجتماعية من الصفات
المتميزة وهي بذات المفهوم تعود بجذورها إلى ” سقراط ” و” أفلاطون” و”
أرسطو” وإلى التطبيق الأثيني والمدن الإغريقية والرومانية القديمة .
غير أن الديمقراطية الليبرالية التي تعتبر الأساس الفلسفي للديمقراطية
الغربية والتي تبلورت في القرنين السابع والثامن عشر تؤكد على أن
الديمقراطية هي شكل من أشكال أنظمة الحكم ولا تتعلق بالمضمون الإجتماعي
وأن جوهرها هو الحرية وليست المساواة التي لا تدخل فيها إلا بمعنى
المساواة السياسية بين المواطنين فمنذ القرن الثامن عشر والديمقراطية تموج
بين مفهومين متناغمين الأول بتأثير ” مونتسكيو” والثاني بتأثير من ” روسو”
.
ــ “فمونتيكيو” تعتبر السلطة السياسية شرا لا بد منه ويعتبر الشعب
مجموعة أفراد أو تجمعات خاصة يجب حمايتها وحماية مصالحها من تعديات السلطة
فأصبح غاية المؤسسات هو ضمان أعضاء المجتمع المدني ضد السلطة على الأصول
الشرعية التي تحد من نطاق السلطة وأفضل نظام هو ذلك يؤمن هذا التقليد عن
طريق تنظيم عملي للوظيفة الحكومية كالفصل بين السلطات فحرية المواطنين لا
تنتج إلا عن المقاومة العنيدة لإمتداد السلطة .
ــ أما ” روسو ” فيذهب
إلى ضرورة البحث عن تعريف إيجابي لا سلبي للحرية السياسية من خلال
المشاركة في السلطة شريطة أن تكون هذه المشاركة ناتجة عن الرضا ولم تفرضها
القوة أو الدعاية ومن هنا يكون المواطن الذي يشارك في سماه ” روسو”
الإدارة الجماعية أكثر من المواطن الذي يقاوم قرارات السلطة السياسية وإن
كان هناك من يرى عدم إمكانية المشاركة الفعلية للمواطنين والجماعات في
ممارسة السلطة كما أشار إلى ذلك “شوفاليه” بقوله : بما أنه جلي أن المجتمع
لا يستطيع في الحقيقة والوقائع أن يواجه نفسه بنفسه وأن الجماعة التي
تديره تبقى في الحقيقة والواقع متميزه عن الجماعة الواسعة التي تطيع ،فإن
الدولة في الحقيقة والواقع تستمر في كونها هو وهم مع استمرارها كونها نحن
في حقل التجريد .
(1) – نفس المرجع
الفرع الثاني : المفهوم الحديث للديمقراطية
لقد ساد في الوقت الحالي المفهوم الليبرالي للديمقراطية لكن هذا المفهوم
يحاول أن يأخذ بعين الإعتبار بعض جوانب المفهوم الإشتراكي خاصة الجانب
الإقتصادي والإجتماعي ، فلم تعد الديمقراطية ذات مضمون سياسي فقط بل أصبح
لها مضمون إقتصادي واجتماعي حتى في الفكر الليبرالي .
أ‌- المضمون
الإقتصادي والإجتماعي : أي أن يكون للديمقراطية غاية اجتماعية تتمثل في
التحرير الإنسان من الحاجة والقيود واللمسات الإقتصادية لذا يتم توجيه
الإقتصاد من أجل توزيع أفضل للدخل الوطني للثروة الوطنية واشتراك العمال
والأجراء لتسيير المؤسسات الإقتصادية والاجتماعية إلى جانب قيام الدولة
لضمان حد أدنى من المستوى المعيشي لكافة المواطنين من خلال الضمان
الإجتماعي والمنح المختلفة ومن خلال توفير التعليم والصحة والنقل والسكن
إلى غير ذلك من الإمكانيات التي تسمح لأي مواطن أن شارك في الحياة
السياسية بشكل فعال(1) .
ب‌- المضمون السياسي والدستوري : يتجلى المضمون السياسي للديمقراطية الليبرالية أساسا فيما يلي :
1) المشاركة الفعلية والمباشرة والمستمرة للمواطنين في تحديد إختيارات وسياسة البلاد وفي تطبيقاتها .
2)
ضمان الحريات الفردية والجماعية الخاصة والعامة لأنها وسيلة تسمح للمواطن
بمراقبة السلطة الحاكمة والتعبير عن رفضهم لسياستها عند الحاجة وبعزلها
الأمر ذلك وباختيار أحسن الحلول للبلاد من بين عدة بدائل ويمتد ضمان
الحريات إلى حرية حرية الإعلام الذي يعبر عن كافة الآراء والإتجاهات.
3) التعددية السياسية في أي الليبرالي أنه يستحيل ممارسة الشعب لسيادته بدون تعددية سياسية .
رفض
الهيمنة الإيديولوجية فالديمقراطية ترفض كل إيديولوجيا أو مذهب سياسي أو
غيره يرفض نفسه بإعتباره دائما وخالدا وثابتا ولا يقبل الإختلاف مثلما
يزعم ذلك
(1) – د/ الأمين شريط،( لوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية المقارنة، ط2، الجزائر ديوان المطبوعات الجامعية، 2002، ص 122

الفكر الماركسي بل كل شيء منظور ونسبي .
4)
الحل بٍاي الأغلبية التي يجب أن تنصاع إليه الأقلية ويمكن القول أم كل
الأغلبية التي ليس لها معارض دليلا على قمع للآراء وإنعدام لحرية التعبير .
5)
تعدد المؤسسات الممارسة للسلطة حيث لا يجب تركيز كامل السلطة السياسية بيد
شخص واحد أو هيئة واحدة بل يجب توزيع السلطات على مؤسسات متعدده تراقب
بعضها البعض وتمـنع إستحواذ إحداها على السلطة من أجل(1) منع الإستبداد .

(1) – نفس المرجع ، ص185

المطلب الثالث : مبادئي وأهداف الديمقراطية
الفرع الأول : أهداف الديمقراطية
تسعى الديمقراطية في مختلف أشكالها وصورها إلى تحقيق العدل وهي بهذا
المبدأ لا تختلف عن الشرائع السماوية وهي منهج ضرورة يقتضيه التعايش
السلمي بين أفراد المجتمع وجماعته وتصل المعاصره إلى ذلك من خلال تقييد
الديمقراطية بدستور يراعي الشروط التي تتراضى عليها القوى الفاعله في
المجتمع من مساواة وحرية وحكم للقانون أي ضمان حق المشاركة السياسية
الفعالة لكل أفراد الشعب أو الأكثرية منه على الأقل في عملية إتخاذ
القرارات الجماعية الملزمة وذلك وفق شرعية دستورية تنبثق من الإرادة
للمواطنين وتقوم على مبادئ ديمقراطية تتجسد في مؤسسات دستورية تصون
الحريات البلدان وبالتالي فإن من أهم متطلبات المنهج الديمقراطي يتمثل في
تحقيق مشاركة سياسية فعالة للأفراد في المجتمع دون إستنثناء وعلى قدم
المساواة وما دام المنهج الديمقراطي دستوري فهذا يعني أن ممارسة
الديمقراطية مقيدة بدستور وليست منفلته من عقالها .
يمارس الشعب فيها
سلطات مطلقة لا تضبطها شرعية إلا هبة ولا نجد من غلوانها قيم إنسانية
وإنما يمارس الشعب سلطاته بموجب دستور تقيده ثوابت المجتمع وتضبطه مبادئ
الديمقراطية ومؤسساتها(1) .
الفرع الثاني : مبادئ الديمقراطية
للديمقراطية مبادئ أساسية هي بمثابة حد أدنى لأية ممارسة ديمقراطية حادة وهي :
1. الإيمان والإلتزام بأن الإنسان قيمته في ذاته وأن إنسانية هي منتهى كل سياسة وحماية وترقية وتنميه.
2.
حرية التعبير فالحرية قيمته أساسية وشرط لاكتمال إنسانية وهي وسلة للتعبير
عن فرح الوجود وعن حاجات النفس والجسد وهي بالتالي وسيلة مشاركة الإنسان
في هموم الآخرين وإهتماماتهم وسبيل التفاهم على الغايات والوسائل التي
تحقق السعادة.

(1) – د/ عبد القادر رزيق المخادمي ،( أخر الدواء…. الديمقراطية ) ، الجزائر، دار لفجر للنشر والتوزيع ، 2004، ص39

3.
القبول بالتنوع والتعدد إنه التنوع في إطار الوحدة أو الوحدة التي تشتمل
بالضرورة على التنوع والتعدد لا تنبع من طبيعة هذا الكون والوجود فحسب بل
يذيع أيضا من ممارسة الحرية .
4. حكم الأغلبية فلا يعقل أن ينبثق نظام
عن إرادة أناس أحرار وأن يكون مع ذلك وفقا على قلة قليلة أو في مصلحتها
وقد يثور جدلا حول مضمون هذا المبدأ أهل هو حق الأغلبية بأن تحكم نتيجة
تصويت أو إستفتاء أو يكتفي بأن يكون الحكم متوجها إلى مصالح الأغلبية
مراعيا لها مستلهما أفكارها.
5. ضمان التصحيح والإرتقاء ذلك أن الكون
قائم على التنوع على الحركة والتعبير أي على جدلية التناقض المستمر،
الجمود حالة منافية لطبيعة الكون المؤسس على هذه الجدلية وإذا كان الأمر
كذلك الأمر فلا مناص إلى أن التجميد للمجتمع يكون في حدود شروط معينة حتى
ولو كان ذلك بقرار من الأغلبيية وهنا تأتي ضرورة التصحيح والإرتقاء فكيف
يتم ذلك ؟ ثمة من يعوا إلى الإقرار بمبدأ التناوب على السلطة كسبيل لتلاقي
الجمود وتصحيح الأخطاء وكفالة التقدم والترقي ، وثمة من يكتفي بإقرار حق
المعرضة دون أن يمتد ذلك إلى إمكانية تداول السلطة بين عدة أطراف والحق أن
الأمر يبقي مرهونا بظروف المجتمع وحاجاته وشروط العمل السياسية فيه مع
التأكيد أن أحدا في نهاية المطاف لا يستطيع أن يقيد جدل التناقضات لأن
صيرورة القانون الطبيعي هي من القوة والحتمية بحيث تدفع بالبعض إلى
المطالبة ليس بإقرار حتى المعارضة والتناوب على السلطة فحسب بل بتكريس حق
الثورة كتسريع لجدل التناقضات أي لحـركة التاريخ (1).

(1) – نفس المرجع ، ص185

المبحث الثاني : صور من التطبيقات الديمقراطية
المطلب الأول :الديمقراطية المباشرة
المقصود بالديمقراطية المباشرة تلك الصورة من الديمقراطية التي يباشر فيها
الشعب السلطة بنفسه دون وساطة من نواب أو ممثلين فتصدر القرارات بإتفاق
الشعب بنفسه أو أغلبيته ،إن الشعب هو أساس و مصدر السلطة و من الطبيعي أن
يتولى بنفس شؤون الحكم دون الوساطة أو إنابة أي أن يمارس الشعب بنفسه جميع
إختصاصات الحكم :التشريعية و التنفيذية و القضائية بمعنى أن يصبح الشعب هو
الهيئة الحاكمة و المحكومة في الوقت نفسه .
و الديمقراطية المباشرة هي
أقدم صور الديمقراطية ظهورا إذا عرفت في بعض الدول المدنية في اليونان
القديمة و في أوائل تاريخ روما و في جميع الأحوال كان عدد الذين يتمتعون
بالحقوق السياسية قليلا قياسا إلى عدد السكان فالشعب هو صاحب السلطة و هو
الذي يباشر بنفسه غير أن الشعب ليس جميع أفراد دولة المدنية بل هم
المواطنين الأحرار فقط و هم أولائك الأفراد الذين لهم حق المباشرة الحقوق
السياسية من خلال إشتراكهم في الجمعية الشعبية التي تمثل السلطة العليا في
المدينة و التي تسمو على ما عداها لأنها لم تكن إلا للشعب مجتمعا (1)
لذا
كانت سلطتها مطلقة لا حدود لها بما تقرره هي من قيود ، فقد كان للجمعية
الشعبية التي كانت تجتمع عدة مرات في السنة وضع القوانين و إعلان الحرب و
الإشراف على الميزانية كما كان لها حق الإشراف على الإدارة و الجيش و
إنتظام المجلس الذي يتولى مباشرة الوطنية التنفيذية و إدارة الأملاك
العامة و إعتماد السفراء فضلا من حقها في إختيار القضاة بالإنتخاب أو
القرعة(2) و في عالم اليوم لم يبق من الديمقراطية المباشرة ما يلفت النظر
إلا القليل ففي سويسرا مازلت ثلاثة مقاطعا ترجيليه من “نتر
فالد”،و”غلاريس”و ابنزيل” .
نأخذ ببعض أثار هذا النظام القديم و تتحقق
الديمقراطية المباشرة في هذه المقاطعات في اجتماع المواطنين في جمعية
عمومية وسط إحتفال شعبي كبير إذ يستعد المواطنون السلطة فيقومون بإدارة
الشؤون العامة مباشرة من وضع للقوانين أو تعديلها أو إلغائها و فرض
الضرائب و النـظر في الميـزانية و القـروض العامة و إنتخاب عدد من
المـواطنين لإعداد
(1) – د/ محمد كاظم المشهداني ( القانون الدستوري ، الدولة – الحكومة- الدستور)، د.م، المكتب العربي الحديث ، 2007، ص78
(2) – نفس المرجع ، ص79

مشروعات القوانين و تولي بعض الإختصاصات الإدارية و إنتخابه غير هم لمباشرة الوظيفة القضائية .
و فيما يتعلق بالوظيفة التشريعية فإن دور الشعب في المقاطعات السويسرية
الثلاث يقتصر على إقرار أو رفض مشروعات القوانين التي يقوم مجلس الولاية
بتحضيرها و يتم ذلك دون مناقشة جدلية على الأغلب لأن الأمر يتعلق بمسائل
فنية و قانونية يصعب على الجمهور فهمها (1).
و من المؤلم أن نظام
الديمقراطية المباشرة هو أقرب النظم إلى الديمقراطية المثالية و هو الذي
يؤكد على أن الشعب هو صاحب السلطة و هي من حقه لا تمارس إلا بواسطته و
يباشر جميع إختصاصتها دون نائب أو وسيط إلا أن التطبيق يتعذر من الناحية
العلمية في الدول الحديثة و ذلك لإتساع رقعتها الجغرافية و كثرة عدد
مواطنيها عكس ما كان عليه الحال في المدن اليونانية القديمة التي كانت
صغيرة المساحة قليلة السكان ممن لهم حق مباشرة الحقوق السياسية لأن باقي
أفراد الشعب كان رازخا في سلاسل العبودية محروما من حقوقه السياسية يعمل و
يكدح من أجل إعاشة المواطنين الذين بوسعهم التفرع لممارسة الشؤون العامة .

(1) – نفس المرجع ، ص81
المطلب الثاني : الديمقراطية غير المباشرة أو النيابية
و في هذه الحالة يمثل الشعب بواسطة نواب منتخبين عنه يمثلونه و يباشرون
بإسمه السيادة القومية و التشريع و إدارة شؤون البلاد و إختيار الحكومة و
سحب الثقة منها و إسقاطها و يجري إنتخابهم دوريا كل فترة زمنية معينة
محددة طبقا لنص الدستور المطبق و هذه الديمقراطية هي السائدة اليوم في
أغلب دول العالم
و هذه الديمقراطية هي المعمول بها ألان في كثير من
الدول الأوربية و الأسيوية و الأمريكية و كل الدول العربية تقريبا التي
تطبق و تعمل في كنف الدساتير و قد إنتقد أحدهم بقوله: يعيب البعض على
الديمقراطية أن نظمها تأتي بحكم مستواهم عادي أو أقل من العادي و أن حكم
الغالبية هو حكم لا يشجع على التعاون مع الذكاء و العبقرية و أن الجماعة
الحاكمة تدفعها العاطفة أو أكثر العقل و المنطق و بوجه نشاطها أفكار و
بيانات محددة لا تقوم على علم صحيح و فضلا عن ذلك فالنظام الديمقراطي لا
يقوم على سياسة علمية بل على مؤتمرات الأحزاب و الدعايات الإنتخابية
بتفضيل نفر على أخر للأهواء شخصية أو حزبيه أو لصالح عصبة مالية أو لتدعيه
قوة سياسة قد تعمل ضد مصالح الشعب و بما لا يتفق و الدستور (1).
و من
المنطق يتضح لنا هذا النوع يواجه اليوم مصاعب جمة في السياستين الداخلية و
الخارجية ففي السياسة الداخلية يترتب على تضخم عدد السكان و الناخبين و
تعدد الأحزاب مع كثرة عدد الأنصار و إصطدام التيارات و النازعات فيها إلى
تعقد الديمقراطية و فواتير الفرص منها و قد تصبح الأحزاب السياسية و هي
وسيلة للحكم هدفه و غايته كما تعاقب بالأحزاب في الحكم و اختلاف البرامج و
قصور الأمر على تولي بعض الأنصار المناصب إلى عجز في تنفيذ الإصلاحات و
إتجاهات متباينة في البرامج أيضا يتضح ضعف الديمقراطية في السياسة للدفاع
عن مصالح البلاد في المنظمات الدولية و ممثلوا البلاد بدورهم لا يستطعون و
هم على شفا التهديد بفقدان حزبهم الأغلبية في الإنتخابات اتخاذ القرارات
الحازمة في السياسة الخارجية من ناحية أخرى إشتهرت الحكومات التي تتبع هذا
النوع من الديمقراطية لعجزها عن إختيار الكفاءات الصالحة فالحريته تتحكم
في اختيار و يفضل الإخلاص للحزب على الكفاءة و يصدها تبعا لتبذيرها إلى
طائل و راح فيها بالمناصب و الأصوات بالخدمات الحكومية و بمقاعد النواب و
كراسي الحكم.
(1) – د/ عبد القادر رزيق المخادمي ، المرجع السابق، ص78
يضاف
إلى ما تقدم أنه في حالتنا هذه أن نصف عدد النواب زائد واحد و يستطيعون
التحكم في الباقيين و فرض الرأي عليهم و يترتب على ذلك و إصدار رأيهم و
رأي من إنتخبوهم من أفراد الشعب و هو ما يعرف بالديكتاتورية الأغلبية (1)
و من القواعد العامة في القانون أن كل ما يترتب على الباطل فهو باطل و
سنرى بعد ذلك أن هناك معايير أربعة تمكن من خلالها الحكم على برلمان من
البرلمانات لأنه يمثل بالفعل إيرادات الشعب و يعبر عنها بصدق و فعالية.
و رغم كل هذه العيوب فإن هذا النوع من الديمقراطية هو السائد بين معظم دول
العالم لأن الأعداد الغفيرة من المواطنين الذين تتكون منهم الدول الآن
تمنع إمكان تجمعه في مكان واحد حتى يمكن أخذ رأيهم في سياسة الدولة و طرق
تطبيق هذه السياسة و قد حاولت هذه الديمقراطية الخروج من مأزقها بالأخذ
بفكرة الإستفتاء الشعبي في بعض المشكلات الهامة إلا أن هذا الإستفتاء قد
وجهت له أيضا الكثير من الإنتقدات كما تعرضنا إلى ذلك سابقا .

(1) –نفس المرجع، ص80

المطلب الثالث : الديمقراطية الشعبية
و هي ديمقراطية جديدة بدأت نشأتها في النصف الأول من القرن العشرين بقيام
إتحاد الجمهوريات الإشتراكية السوفيتية ثم بقيام عدة دول تدين بالمذهب
الشيوعي فيما بعد و هي تقوم على أساس سلطات الطبقة العاملة و يرى أنصار
هذا النوع من الديمقراطية الغربية لا تحتوي على حركات حقيقية فهي لا توفر
الضمانات للشعب الكادح بينما الديمقراطية الشعبية تأخذ بمبدأ من لا يعمل و
لا يأكل و أن المفروض أن السلطة السياسية و الاقتصادية يتغيب و أن ستبعد
البرجوازية المشعلة من الحكم و هي تطبق حاليا في الصين و كوريا الشمالية و
فيتنام و بعض الدول أمريكا الجنوبية وروسيا و بعض دول أوربا الشرقية
و يرى أنصار هذا النظام أن كفالة الحرية تتحقق في ظل نظام إقتصادي و
اجتماعي سليم خالي من الإستغلال و التحكم و توفير العمل للأفراد و أ، مبدأ
الفصل بين السلطات يؤدي إلى تفتيت السيادة كوحدة لا تقبل التجزئة و هي ملك
للشعب يستخدمه بالكيفية التي تحقق مصالحه و لذلك يرمي الفكر الماركسي أنه
ليس هناك ما يمنع تفويض سلطة الشعب إلى جمعية نيابية لها الحق في أن تفوض
جزءا من سلطاتها إلى هيئة تنفيذية و لكن بشرط أن تكون الرفاهية للشعب أولا
و أخيرا.
و هي نوع من الديمقراطية النيابية الذي أدخلت عليه بعض
المظاهر الديمقراطية المباشرة بحيث يوجد إلى جانب الهيئات المنتجة الممثلة
للشعب مشاركة مباشرة للشعب في ممارسة السلطة عبر عدة وسائل أهمها :
أ‌-
الإعتراض الشعبي: و يقصد به حق المجموعة من المواطنين في الإعتراض خلال
مدة معينة في القوانين التي وافق عليها النواب و بقي سريا متوقفا على عدم
الإعتراض عليها لمدة محددة من الدستور(1).
ب‌- الإقتراع الشعبي : و
نعني به السماح لعدد من الناخبين بإقتراح قانونه و تقديمه للبرلمان
لمناقشة بحيث تختلف شروط صياغة الإقتراح أو شروط تحديد الفكرة التي يمكن
ان يدور حولها و طبيعة الموقف التي يتخذه البرلمان بشأنها من رفض أو
موافقة و ما يتبعه من إجراءات بإختلاف الدساتير و النظم السياسية .

(1) – أ / العلجة مناع ،” دروس في الفقه الدستوري والنظم السياسية ” ، المركز الجامعي بخميس مليانة ، 2009.

ت‌-
الإستفتاء الشعبي : و يراد به الإحتكام إلى الشعب بشأن أمر معين قد يكون
مشروع أو إقتراح قانون أو موضوعا هاما سياسة الدولة بحيث لا يمكن أن يكتسي
القوة الإلزامية ما لم يحض بموافقة الشعب و قد يكون الإستفتاء دستوريا إذا
تعلق بالدستور أو تشريعا إذا تعلق بالقانون و قد يكون سياسيا إذا تعلق
بأمر من أمور الدولة(1)

Leave a Comment