الديمقراطيه تعريفها وحكمها
كاتب الموضوع الأصلي: ماجد سعد الشهراني1
تعريف “الديموقراطية”:
عرفها عبد الغني الرحّال في كتابه (الإسلاميون وسراب الديموقراطية) بقوله: “حكم الشعب بالشعب” ومعناها: الشعب مصدر السلطة, وذكر أن أول من عبر عن “الديموقراطية” هو أفلاطون, فبيّن أن مصدر السيادة هي الإرادة المتحدة لا الموسعة ، وقال بهذا التعريف محمد قطب في كتابه (مذاهب فكرية معاصرة), وعرّفها بهذا التعريف صاحب كتاب (الديموقراطية في الإسلام), وغيره.
تطور “الديموقراطية”:
قامت الثورة الفرنسية وكان شعارها “الحرية،الإخاء، المساواة” ثم أدخلت فرنسا “الديموقراطية” في دستورها بعنوان حقوق الإنسان في المادة الثالثة “الأمة مصدر السيادة ومستودعها وكل هيئة وكل شخص يتولى الحكم إنما يستمد الحكم منها” ثم أدخلت ذلك في دستورها الصادر عام 1791م فنصّ على أن السيادة ملك للأمة, ولا تقبل التجزئة, ولا التنازل عنها, ولا التملك بالتقادم.
وصارت “الديموقراطية” يُنَص عليها في دساتير بعض الدول العربية والإسلامية، وعلى سبيل المثال: مصر في دستورها الأول عام 1923م وفي عام 1956م وفي عام 1971م فيه مادة تنص على “أن السيادة للشعب, وهو مصدر السلطات, وتكون على الوجه المبيّن في الدستور”. وهذه المادة موجودة في دساتير الدول العربية والإسلامية إلا القليل ، وهذه المادة نفسها موجودة في دستور بلادنا اليمن، ففي المادة الرابعة: “الشعب مالك السلطة ومصدرها, ويمارسها بشكل مباشر عن طريق الاستفتاء والانتخابات العامة, كما يزاولها بطريقة غير مباشرة عن طريق الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية وعن طريق المجالس المحلية المنتخبة”أهـ.
ومن هنا يُعْلَم أن “الديموقراطية” تشريع من دون الله.
فلا يخفى على كل مسلم أن هذا هو الكفر الأكبر والشرك الأكبر والظلم العظيم ، قال الله تعالى عن لقمان الحكيم: ]يا بني لا تشرك بالله إنّ الشرك لظلم عظيم[ لقمان. وأي شرك أكبر من تعطيل عبودية الله.
تقوم “الديموقراطية” على ثلاث نقاط:
1- التشريع:
فلا شرع إلا للـ”ديموقراطية”, والله أحكم الحاكمين, الذي له الملك كله, والأمر كله, والقادر على كل شيء, أحكامه معطلة عند “الديموقراطيين”, فلا يجوز له أن يشرِّع لعباده، والتشريع هو سنّ القوانين، ولهذا وُضِعت دساتير لتعميق “الديموقراطية” وحمايتها.
2- القضاء:
وهو أنه لا يُسمح لأي حاكم أن يقضي إلا بتشريع الدستور, وإلا كان معاقباً ولا قبول له أبداً، والدليل على هذا ما تقوله المادة (147) من الدستور اليمني: “القضاء سلطة مستقلة قضائياً ومالياً وإدارياً، وتتولى المحاكم الفصل في جميع المنازعات والجرائم، والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون”. فتأمّل قول المادة: “لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون”.
3- التنفيذ:
أي أنه لا ينفّذ أي حكم إلا ما كان خاضعاً للدستور، ومعنى هذا تجميد جميع الأحكام الشرعية، فإلى الله المشتكى. وانظر المادة (104) من الدستور التي تقول: “يمارس السلطة التنفيذية نيابة عن الشعب رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ضمن الحدود المنصوص عليها في الدستور”.
وإذا علمنا أن “الديموقراطية” منهج حياة في نظر واضعيها والمدافعين عنها؛ تأكد لنا جيداً وبكل وضوح: أنها لا تقبل التنازل أو التغيير, فهي أحكام دولية ثابتة، اتفقت عليها دول كبرى، وصارت نظاماً عالمياً ومنهج حياة، ولا مانع في نظر حماة “الديموقراطية” من تغيير مادة أو كلمة من المادة لمصلحة “الديموقراطية” لا للإحاطة بـ”الديموقراطية” كما هو الواقع في أيامنا، ]والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون[.
وهنا يبرز سؤال مهم وهو:
ما حكم الإسلام فيمن يؤمن بـ”الديموقراطية” ويعمل من أجل تطبيقها, بدون أي تأويل يرجع للشرع؟
الجــواب: قال الله تعالى: ]ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين[ آل عمران، فجعل سبحانه من يريد غير الإسلام, وإن لم يصل إلى ما أراد, ولم يفعل ما أراد, أنه خاسر يوم القيامة، وقد قال الله في خسارة هذا : ]ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين[ المؤمنون.
وقال الله : ]أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون[ المائدة، فبيّن سبحانه أنه لا يوجد إلا حكمان: حكمه سبحانه, وحكم أحد من خلقه، وبيّن سبحانه أن حكم غيره هو حكم جاهلي, لا يمكن أن يرتفع عن هذا الحكم الرباني، فهو حكم جاهلي مهما قالوا: إنه حضاري و”ديموقراطي”، فـ”الديموقراطية” جاهلية. وقال سبحانه: ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون[, ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون[, ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون[ المائدة.
وإذا كان سبب نزول هذه الآيات هو أن أهل الكتاب, أنكروا حكم الزاني, الذي شرعه الله في كتابهم, ورضوا بحُكْمٍ أحدثوه, فحَكَمَ الله عليهم بالكفر والظلم والفسق، فما بالك بمن يصادر أحكام الله مستهزئاً بها أو مستنكراً لها؟ أفلا يكون كفره أشد, وظلمه أعظم, وفسقه أكبر؟ ، وقد قال الله:] إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً[ النساء، وقال تعالى:]أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقُضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم [ الشورى، وقال تعالى: ]ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيداً[ النساء.
سؤال آخـــر وهو:
هل يمكن أن يكون هناك تقارب بين الإسلام و”الديموقراطية”؟
الجواب:
لا, وذلك لأمور:
1- أن المشرِّع في الإسلام هو الله وحده لا شريك له، قال سبحانه:]ولا يشرك في حكمه أحدًا[ الكهف، وقال الله سبحانه وتعالى:] إن الحكم إلا لله[ يوسف, وقال سبحانه:]ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين [ الأعراف. والأمر هنا: الحكم، وقال سبحانه: ]بل لله الأمر جميعاً[ الرعد.
ونبينا r مشرِّع بأمر الله, لا استقلالاً، قال الله تعالى: ]ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين[ الحاقة, وأخبر الله عنه بقوله: ]إن أتبع إلا مايوحى إليّ[ الأنعام،الأحقاف، وقال الله له:]قل إنما أنذركم بالوحي[ الأنبياء، وقال سبحانه تنزيهاً لنبيه r: ]وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى[النجم، وقال الله مخاطباً نبيه:]وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزل إليهم[ النحل، وقال سبحانه: ]وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول[ النساء, وجعل سبحانه طاعة رسوله, هي عين طاعته سبحانه, فقال: ]من يطع الرسول فقد أطاع الله[ النساء، بل جعل سبحانه المسلم غير مهتدٍ, حتى يطيع رسول الله r, فقال: ]وإن تطيعوه تهتدوا[ النور، وبين الله سبحانه أن أعظم حسرة على العبد يوم القيامة, عدم طاعته لرسول اللهr, فقال:] ويوم يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلاً لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني[ الفرقان، وأما “الديموقراطية” فالمشرِّع فيها هو المخلوق الجاهل -مهما بلغ من العلم- لأنه إن علم شيئا فقد جهل أشياء.
2- لا يجوز التقارب بين الإسلام و”الديموقراطية” ولو في أمور جزئية, لأن الإسلام شامل كامل لكل قضايا الحياة، قال تعالى:]فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً[ النساء، فإذا كان إيماننا لا يتم إلا بتحكيم رسولنا r, دل هذا على أن كل مسلم مطالب بقبول الحق في كل مسألة، فقد قال الله: ]فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر[النساء، فقوله سبحانه: ]في شيء[ يشمل كل مسألة وقع فيها التنازع، لأنه نكرة في سياق الشرط, وقوله سبحانه: ]إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر[ دليل على أن من لم يرد محاكمته ومنازعته إلى كتاب الله وسنة رسولهr كاذب في دعوى الإيمان الواجب.
3- لو تقاربنا معهم, لن ننجو من عذاب الله، قال الله: ] ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً[ الجاثية، أي لن يردوا عنا غضب الله، وسخطه, والخزي بين يديه, وسوء العذاب في الدنيا والآخرة. وإذا كنا سنتعرض لسخط الله من أجل طاعتنا لهم؛ فالسلامة والخير كل الخير أننا نرضي ربنا, لأن طاعة المخلوق في معصية الله, ثمرتها الذل والهوان، قال الله تعالى:] ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون[ هود. فإذا كان مجرد الركون إليهم يؤدي بدون تأخّر إلى مس النار، فما بالك بمن يقبل شيئا من أحكامهم؟.
4- لو أطعناهم في بعض الأمور الجزئية, ورفضنا أن نطيعهم في الأمور الكلية, لن يرضوا عنا، ولن يكونوا معنا، ولن يدعونا من الأذى أبداً, حتى نقبل دينهم كله, ونترك ديننا كله، قال سبحانه: ]ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير[ البقرة.
وهذا الذي جعل بعض المسلمين وبالذات بعض الحكام يَقْبَلُوْنَ تشريعات من اليهود والنصارى، يقولون: سنطيعهم في بعض الأمور، وقد قال الله في كتابه الكريم: ]إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم[ محمد.
5- كما أنه لا يجوز لنا أن نقبل الكفر والشرك، فـ”الديموقراطية” كفر وشرك وإجرام، فكيف يجوز للمسلم أن يتناقض؟ ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: “إذا رأيتموني أردّ حديث رسول الله r, فاشهدوا أن عقلي قد ذهب”. والذي يقبل أن يكون في تقارب مع “الديموقراطية” يكون بدون عقل سديد.
6- نحن نختلف تماماً عن أهل “الديموقراطية” من يهود ونصارى وغيرهم من ملل الكفر، لأنهم كفروا بالله ورسولهr , بخلاف المسلمين, فإنهم يعيشون في بلاد الإسلام, وبين أيديهم القرآن والسنة والعلماء الناصحون المخلصون والدعاة إلى الله, فليس لهم أي مبرر في سعيهم وراء “الديموقراطية”, قال الله تعالى: ]قل آمنوا به أولا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدًا[ الإسراء، وقال سبحانه: ]يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم[ آل عمران، وقال سبحانه: ]يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقبلوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين [ آل عمران، والشاهد من الآية قوله: ]بل الله مولاكم وهو خير الناصرين[.
7- وبالمقابل أيضا يجب أن نثبت على الإسلام, كما ثبتوا هم على الكفر والباطل.
فإذا كانوا يصرون على كفرهم, وهم على باطل, فكيف لانُصِرّ على الحق وهو معنا؟ قال الله تعالى: ]إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون[ النساء.
فالله معنا حافظ، وناصر، ومدافع، وولي، ومكرم لنا في الدنيا والآخرة، والجنة مأوى كل مؤمن، والنار مأوى كل كافر. لو لم يكن من الإسلام إلا النجاة من عذاب الله، والدخول في جنته، فهل يرضى أي مسلم بالصفقة الخاسرة، نعوذ بالله من الخذلان. فالمؤمن لو كفر أهل الأرض كلهم, لما شكّ في الحق أبداً, فضلاً عن أن يتركه.
8- اُمِرْنا بدعوة جميع الناس إلى دين الإسلام بما فيهم اليهود والنصارى، قال الله تعالى: ]قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون[آل عمران.
فإذا كنا مطالبين أن ندعوهم إلى الإسلام, ليتركوا شركهم وكفرهم, ويدخلوا في الإسلام، فكيف يجوز لأي مسلم حاكماً أو محكوماً, رئيساً أو مرؤوساً, أن يتنازل من كونه داعياً لهم, إلى أن يكون مدعواً قابلاً لما جاءوا به من الشر والباطل؟ فهذا غبن فاحش, وضلال مبين.
9- أيضا لو آمنا بصحة “الديموقراطية”, لما استقر لنا الإيمان بالله, لأنه لا يصحّ إسلامنا حتى نكفر بها، قال الله: ]فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها[ البقرة. فجعل الله الكفر بالطاغوت شرطاً في صحة الإيمان.
وهنا أمر مهم وهو: لماذا قدم الله الكفر بالطاغوت؟
الجــواب: أن وجود الشرط لا يستلزم وجود المشروط في كل حال, بخلاف افتقاد الشرط, فإنه يستلزم فقدان المشروط، فربنا سبحانه جعل الكفر بالطاغوت شرطاً في صحة الإيمان، فإذا افتقد هذا الشرط, بطل الانتفاع بالإيمان، وإن كان هنا يستلزم وجود المشروط، فكلاهما لازم ومستلزم. قال الله في كتابه الكريم:]ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت[ النحل، وقال الله تعالى: ]ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به[ النساء، ولا شك ولا ريب أن “الديموقراطية” هي أكبر الطواغيت.
فإذا كان الساحر طاغوتاً، والحاكم الذي يحكم في مسألة أو مسألتين بخلاف حكم الله البيّن طاغوتاً، فما بالك بـ”الديموقراطية” التي هي في حقيقة الأمر عند أصحابها آلهة تشرّع كل الأحكام, وتصادر أحكام الله عز وجل؟
وإذا كان رفع الصوت من قبل المسلم عند كلام الله وكلام رسولهr, سبباً لإحباط العمل الصالح, كما قال سبحانه:] يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون[ الحجرات. فما بالك بمن يزيد إلى جانب رفع الصوت, رد حكم الله وحكم رسوله r مع الإعراض، والاستهزاء بحكم الله ورسوله r, والتكبر والصدّ، بل والمعاداة بماله وجاهه وكل ما يملك لحكم الله ورسوله r؟ ألا يكون هذا أولى أن يحبط الله إيمانه وعمله الصالح؟!.
10- لو فرضنا جدلاً أن المسلمين قبلوا “الديموقراطية” –واغتروا بما يلمعه أصحابها- فمن يضمن لهم بقاءها؟ أليس هذا النظام كغيره من الأنظمة السابقة, التي ظهرت ما بين الحين والآخر, وشاعت وذاعت, وظن الناس أنه لا يمكن أن تُزحزح، ثم سرعان ما يظهر للناس فسادها, فيتركونها من ذات أنفسهم.
ولا نذهب بعيداً, فهذه الاشتراكية التي هي في الحقيقة كـ”الديموقراطية” في الكفر, من كان يظن من أهلها في الستينات والسبعينات, أنها ستنهار وتنتهي، فقد كان من الناس من يقول: ” اُنقذت الأمة بالاشتراكية”!. وانظر كيف زالت, وأوّل من تنكّر لها هم واضعوها, ولماذا فشلت؟
أيسر جواب: لأنها من وضع البشر. و”الديموقراطية” كذلك هي من وضع البشر الذي لا يملك من الأمر شيئا، فإن الحياة يُدبّرها الله سبحانه وتعالى كما يريد, لا كما نريد نحن، قال سبحانه: ]فعّالٌ لما يريد[ البروج، وقال سبحانه: ]قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيءٍ قدير[آل عمران.
فهل يجوز أن نردّ ما جاءنا من الله, من أجل أن نقبل رأي فلاسفة ضائعين تائهين وثنيين؟!.
وهل يجوز أن نرد شريعة الله, وهي شريعة الكمال والشمولية على مر العصور, وهي صالحة لكل زمان ومكان؟
إن لنا منذ بعثة نبينا r أكثر من ألف وأربعمائة سنة, والشريعة لم ينقص منها حرف واحد, وستبقى شريعة الله خالدة بإذن الله إلى قيام الساعة.
فكيف يصح أن نتقارب معهم, والمفكرون منهم يقولون: “إنه لا حل لأزمات الأمة إلا بأخذ الإسلام”. وقد ذكر الدكتور/ عماد الدين خليل في كتابه (قالوا عن الإسلام) عن أكثر من عشرين مفكراً غربياً, أنهم قالوا: “ليس هناك أي دين آخر غير الإسلام لديه الإمكانية لحل كافة مشكلات الناس في العالم الحديث, وهذا هو امتياز الإسلام” وكل كلام هؤلاء يدور حول هذا المعنى.
وذكر في غضون الكتاب ذكر أقوالاً كثيرة, تبيّن عظمة القرآن وعظمة النبيr. والحق ما شهدت به الأعداء.
فالإسلام حق لاشك في ذلك, شهد الأعداء أم لم يشهدوا, ولكنه يزداد عظمة في نفوس كثير من الناس, يوم أن يعترف الأعداء بأنه حق مع كثرة معاداتهم له وإعراضهم عنه، وقد قال الله : ]ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق[ البقرة.
فما المانع لهم من أن يؤمنوا؟
الجواب: هو الحسد الكامن في نفوسهم، وذلك أن الله فضّل هذه الأمة بالرسالة المحمدية, واختصها بما لم يختص غيرها به، فلذلك حسدونا، قال الله تعالى: ]ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزّل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم[ البقرة.
فبسبب ما اختصنا الله به من الخير, تفجّرت قلوب اليهود والنصارى حسداً، وأدى حسدهم إلى أن يدبّروا لنا المكيدة بعد المكيدة, فلا يهدأ لهم بال, ولا يقر لهم قرار, إلا إذا تنفسوا بشيء من هذا الحسد, الذي هو الداء الدفين، والذي ظهر عند أن عظمت نعمة الله على عباده الذين اختارهم لطاعته ولنصرة دينه.
فاليهود والنصارى وغيرهم يروِّجون للـ”ديموقراطية” و”الانتخابات” وهم سائرون على ذلك، ولابد منها في نظرهم, لأنها دينهم. فمن اعتنق الكفر روّج له، وهذا ما قاله الله ــ عن حملة الديموقراطية اليهود والنصارى ومن شايعهم ــ ]ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون[ البقرة، وقال سبحانه: ]يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون[ آل عمران، وقال الله سبحانه: ]وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون[ آل عمران.
فهذا دأب اليهود: أنهم دائماً يجيدون التلبيس والزعزعة والخلخلة والفوضى في صفوف المسلمين، وانظر: ماذا عملت هذه التلبيسات في مسلمي هذا الزمان؟!.
إذاً: فلا غرابة أن يكون اليهود بالذات مع إخوانهم النصارى هم قادة وخبراء التلبيس والفتن التي تخرب صفوف المسلمين، ولكن الغريب أن يوجد من المسلمين من يلبّس على المسلمين، ويجعل قضية “الديموقراطية” و”الانتخابات” قضية ينبغي أن تُتلقى بالقبول, أو السكوت على الأقل، وأنها من مزايا الحضارة العصرية, وأنها تدعو إلى الحرية والإخاء والمساواة، وقد شرحنا شيئاً من هذه الألفاظ في فصل سبق.
فلا يجوز لأي مسلم أن يتشبّه باليهود والنصارى في تلبيس الحق بالباطل، فما سلب الله من أهل الكتاب نعمة الشريعة, إلا بسبب كتمان الحق وتلبيسه بالباطل، والله قد تولى حفظ هذا الدين إلى قيام الساعة.
ما حكم القول بأن “الديموقراطية والانتخابات” هي الشورى الإسلامية؟
الجــواب:
والله لولا أننا نخشى على جهّال الناس أن يتأثروا بمثل هذه الكلمات, لكان الواجب الإعراض عن الرد عليها.
وقبل أن ندخل في بيان المجازفة في هذه المساواة، أذكّر هؤلاء بحديثين عظيمين، وهما قول الرسول r: ((من قال: إني بريء من الإسلام, فإن كان كاذباً؛ فهو كما قال, وإن كان صادقاً؛ لم يعد إلى الإسلام سالماً)) رواه النسائي وابن ماجه والحاكم من حديث بريدة .
وقول الرسول r: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها, يزلّ بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب)) متفق عليه من حديث أبي هريرة, ففي هذين الحديثين نصيحة لمن يقول على الله عز وجل, بغير علم, ولا هدى, ولا كتاب منير.
وعلى كلٍ: فـ”الديموقراطية” و”الانتخابات” لا تلتقي مع الشورى التي شرعها الله, لا في الأصل ولا في الفرع، لا في الكل ولا في الجزء، لا في المعنى ولا في المبنى، والدليل على ذلك أمور:
أولاً : من شرع “الديموقراطية”؟
الجواب: الكفّار.
· من شرع الشورى؟
الجواب: الله.
· وهل للمخلوق أن يشرع؟
الجواب: لا.
· وهل يقبل تشريعه؟
الجواب:لا.
· المشرّع للـ”ديموقراطية” هو المخلوق، والمشرّع للشورى هو الله سبحانه. فإله الشورى وأهلها هو الله عز وجل، وإله “الديموقراطية” وأهلها هم الكفار والأهواء. فهل لنا إله غير الله ؟!. قال الله تعالى: ]أفغير الله أبتغي حكماً[ الأنعام، ]أفغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض وهو يطعِم ولا يطعَم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين[ الأنعام، ]قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء[ الأنعام. فهي المفاصلة التامة بين “الديموقراطية” و”الانتخابات”, وبين الشورى الإسلامية.
ثانياً: الشورى الكبرى وهي: ما يتعلق بسياسة الأمة، يقوم بها أهل الحل والعقد من علماء وصالحين ومخلصين، و”الديموقراطية” يقوم بها أهل كفر وإجرام وجهل من رجال ونساء، وإذا أدخلوا مسلمين أو علماء معهم؛ فهي لعبة فقط على المسلمين.
وهل يجوز أن يُسوّى بين المسلم المؤمن الصالح الطيب, الذي اصطفاه الله واختاره، وبين المجرم الذي أبعده الله وأخزاه؟!!، قال تعالى: ]أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون[ القلم، وقال سبحانه: ]أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون[ الجاثية، وقال سبحانه: ]أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار[ ص.
ثالثاً: أهل الشورى لا يُحلّون حراماً, ولا يحرمون حلالاً، ولا يحقّون باطلاً, ولا يبطلون حقاً، بخلاف أصحاب “الديموقراطية” فإنهم يحلون الحرام ويحرمون الحلال، ويبطلون الحق وينصرون الباطل. فأهل الشورى يتشاورون فيما أشكل عليهم من أمور الحق وتنفيذه, فهم متبعون ومقتدون, ولا يأتون بأحكام تخالف حكم الله, وأولئك مبتدعون فارضون للباطل مشرّعون من دون الله، قال الله سبحانه: ]أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله[ الشورى، وقال جل ذكره: ]ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين[ الأنبياء. وقال سبحانه: ]مالهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحداً[ الكهف.
رابعاً: الشورى ليست إلا في أمور نادرة، فما حَكَمَ الله به ورسوله r وظهر ذلك الحُكْمُ فلا شورى فيه، أما “الديموقراطية” فإنها مضادّة لأحكام الله قال تعالى: ]أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون[ المائدة، وقال سبحانه: ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون[ المائدة. ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون[المائدة ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون[المائدة.
خامساً: الشورى ليست فرضاً ولا واجبة في كل وقت، بل هي تختلف باختلاف الظروف والأحوال، فتكون في وقت واجبة, وتكون في وقت آخر غير واجبة، ولهذا كان الرسول r يفعل الشورى في التحرك لبعض المعارك والغزوات, ولا يفعلها في وقت آخر، فهي تختلف باختلاف الأحوال.
أما “الديموقراطية” فهي فرض على أهلها, ولا يُسمح لأي إنسان أن يخرج عنها أبداً من الحكام والرؤساء، ولابد أن ينفّذوها ويطبقوها على شعوبهم. ومن فرض على الناس مالم يفرضه الله, فقد استعبد الناس، قال الله: ]أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً[ الكهف.
سادساً: “الديموقراطية” ترفض الشريعة الإسلامية, وتتهمها بالعجز وعدم الصلاح, والشورى أثبتت قوّة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان.
سابعاً: الشورى جاءت حين جاء الإسلام، وأما “الديموقراطية” فما جاءت إلى بلد المسلمين إلا في هذين القرنين ـ الثالث عشر والرابع عشر الهجريين ـ فهل معنى هذا أن الرسول r كان “ديمقراطياً” وكذا كان الصحابة وجميع المسلمين؟!.
ثامناً: “الديموقراطية” معناها: “حكم الشعب نفسه بنفسه”.
أما الشورى: فهي من التشاور, فليس فيها إنشاء حكم لم يكن له أصل في الشرع، وإنما فيها التعاون على فهم الحق, ورد الجزئيات للكليات, والمستجدات للأمور العتيقة.