أ.د. أحمد محمد وهبان

الركيزة الغائبة لتحقيق الاستقرار السياسي في مصر

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380

إبراهيم غالي
عكست المطالب الرئيسية لثورة 25 يناير 2011، ممثلة في ثلاثية “العيش والحرية والعدالة الاجتماعية” مفهومًا ربما لم تنتبه إليه أو تعمل لأجله كافة الحكومات المصرية المتعاقبة منذ الثورة، وهو “الأمن الاجتماعي”، الذي مثل أحد أبرز الأسباب والمحددات الجوهرية لقيام ثورة 30 يونيو 2013 ضد جماعة الإخوان المسلمين، وعلى الأرجح سيكون المحك الأساسي لإمكانية نجاح الثورة الثانية بما يتضمنه ذلك من عودة الاستقرار السياسي والمجتمعي.
ولعل أكثر ما يلفت النظر هو ضجر المواطنين سريعًا من سياسات جماعة الإخوان المسلمين، ومن أول رئيس مدني منتخب، لأسباب تتعلق بثورة توقعات متزايدة طالما انتظرها الشعب المصري، فبمجرد الخروج الجزئي من المرحلة الانتقالية الأولى عقب ثورة يناير، انتظر المصريون أن يخرج عليهم الحكام الجدد بسياسات اجتماعية واقتصادية وبرامج تنموية لتحسين حياتهم، أمنيًّا ومعيشيًّا واجتماعيًّا، لكن فجائيًّا كادت مصر أن تنتقل إلى ما يعرف بـ”مجتمع المخاطر”، والذي يعكس مفهوم “اللا أمن الاجتماعي” كما قدمه روبير كاستل، الذي يعرف مجتمع المخاطر بأنه “مجتمع الكارثة حيث التهديد بأن تصبح الحالة الاستثنائية حالةعادية”، ويعرفه أولريخ باك بأنه “المجتمع الذي يشرف على الهلاك، حيث يمكن أن ينتج أقلُّ قرار من قياداته أخطرَ كارثة”.

وإذا كانت سلطة الحكم الانتقالي التالية لثورة يناير ثم جماعة الإخوان المسلمين قد ورثتا نقائص عديدة، ومخلفات سياسية واجتماعية واقتصادية سلبية من نظام مبارك؛ فإن السلطات الانتقالية عقب ثورة 30 يونيو لم ترث فقط هذه السلبيات الخطيرة، بل أُضيفَ إليها بعد أمني محض يرتبط بالعنف الممنهج الذي تمارسه بعض أطياف تيار الإسلام السياسي منذ عزل الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو الفائت، وهو ما يزيد من الأعباء الملقاة عليها -وعلى نظام الحكم الجديد فيما بعد- في مجال تحقيق الأمن الاجتماعي.

مفهوم وأبعاد الأمن الاجتماعي

تطور مفهوم الأمن الاجتماعي منذ ظهوره في ثلاثينيات القرن الماضي بشكل متدرج يتماشى مع ظروف ومتطلبات العصر، فقد بدأ كنوع من الرعاية الاجتماعية الخاصة بكبار السن في الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية، ثم اتسع ليستخدم للدلالة على مجموعة متنوعة من أشكال دعم الدخل، وخاصة بالنسبة للعمال، ثم أصبح يشتمل على ما توفره بعض دول الرفاه الاجتماعي من برامج اجتماعية متكاملة تتضمن على سبيل المثال الضمانات الاجتماعية الخاصة بمعاشات التقاعد، والأمراض، والإعاقة، والشيخوخة، وتعويض دخل الأسرة، وإعانات البطالة، وتعويضات العجز، والضمانات ضد حوادث العمل.. إلخ، فيما أطلق عليه بعض الاقتصاديين الغربيين مسمى “الليبرالية الاجتماعية الجديدة”، ومع الوقت اتسع المفهوم أكثر من مجرد فكرة الضمان الاجتماعي ليصبح مجالا أرحب من أجل حماية المجتمع بأسره من كافة المخاطر الاجتماعية.

وفي كافة هذه التطورات كان الهدف من حماية الأمن الاجتماعي يرتبط بأمن الدولة الداخلي، وبتوفير حقوق المواطنين للعيش بهدوء وسلام يقود لزيادة الإنتاج، وتوزيع العوائد بما يضمن نسبيًّا توفير نوع محدد من العدالة الاجتماعية تختلف في مضمونها وأشكالها بين دولة وأخرى، لكن مع بروز متغيرات عالمية جديدة في مطلع التسعينيات، أضحى هذا المفهوم يتداخل إلى حد بعيد مع مفهومين آخرين، أولهما الأمن الوطني، الذي يتعلق بحماية الدولة ورعاياها ضد أية أخطار تهددها ككيان سياسي ذي سيادة، بما يتطلبه ذلك من صون وحماية وجاهزية الأمن الداخلي، وبسط النظام وسيادة القانون، وثانيهما الأمن الإنساني، الذي يركز على الإنسان الفرد وليس على الدولة، حيث من متطلبات سياسة الدولة تحقيق أمنالفرد إلى جانب أمن الدولة من خلال صون الكرامة الإنسانية، وتلبية احتياجات الفرد المادية والمعنوية على السواء، وحمايته من أية مخاطر من أي نوع.

وفي الواقع فإنه يمكن القول إن الأمن الاجتماعي يعد بمثابة الحلقة الوسطى بين المفهومين السابقين، فهو يعد أحد المداخل الجوهرية لتحقيق الأمن في بعده الإنساني، ومكونًا أصيلاً وثابتًا للأمن القومي، لا سيما بعد أن أضحت أكبر المخاطر على الدولة تأتي من الداخل في عصر العولمة، وتغير أنماط الصراعات على الساحة الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة، إذ أضحى تحقيق الأمن الاجتماعي مكونًا استراتيجيًّا لدى تخطيط السياسات الاقتصادية وسياسات الأمن القومي للدولة في القرن الحادي والعشرين، ويستدل على تلك الحقيقة بأن الأزمة الاقتصادية العالمية بدأت تهز الأركان الاجتماعية الثابتة في العديد من دول الاتحاد الأوروبي، والتي تسعى لعلاج هذه الاختلالات لما لها من تأثيرات سياسية ومجتمعية تعصف بالاستقرار، وتزيد من الاحتجاجات الشعبية التي تتواصل منذ عام 2008.

وتتعدد تعريفات الأمن الاجتماعي بناءً على النظريات المختلفة، فالنظرية السياسية التقليدية القائمة على أن أهم وظائف النظام هي “التوزيع السلطوي للقيم” ترى أن السلطة تقوم بهذا البعد لتحقيق السيطرة السياسية، بينما تقوم النظريات المعيارية على الأبعاد الخاصة بحماية المجتمع من التهديدات المباشرة وغير المباشرة باعتبارها أفضل السبل لتحقيق الاستقرار السياسي، فيما ثمة نظريات ثالثة تقوم على مفاهيم “الفاعلية السياسية” تتوسع في أبعاد الأمن الاجتماعي ليشتمل على مناحٍ متعددة من حياة المواطنين، وفق النموذج الديمقراطي القائم على المشاركة السياسية والمجتمعية الفاعلة في صنع السياسات العامة للدولة.

ولهذا فالتعريف الضيق لمفهوم الأمن الاجتماعي يقتصر إما على الأبعاد الخاصة بالضمان الاجتماعي كوسيلة لحماية المجتمع من المخاطر القائمة والمتوقعة، وإما على الأبعاد الأمنية الخالصة بما يعني توفير حالة الأمن والاستقرار والطمأنينة في المجتمع، بحيث يستطيعالأفراد التفرغ للأعمال الاعتيادية التي يقومون بها، ويتضمن ذلك سلامة الأفراد والجماعات من أخطار القتل والاختطاف والاعتداء على الممتلكات بالتخريب أو السرقة، فمعيار الأمن الاجتماعي هنا منوط بقدرة مؤسسات الدولة على الحد من الجريمة، والتصدي لها من خلال فرض النظام، وبسط سيادة القانون، وتحقيق العدالة بواسطة الأجهزة القضائية والتنفيذية، واستخدام القوة إن تطلب الأمر، لأنه في حالة غياب الأمن يصبح المجتمع في حالة شلل يقود لتراجع الإنتاج.

أما المفهوم الأوسع للأمن الاجتماعي، والذي يعتبر الأكثر شيوعًا في الوقت الراهن، فهو الذي يرتكز على بناء المجتمعات الحديثة من خلال جملة من الأهداف، أبرزها: توثيق الثوابت الوطنية التي تبرز الهوية والروح الوطنية، وتحفظ النسيج الاجتماعي والثقافي والانصهار الاجتماعي، وتحقق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وحفظ حقوق الأفراد من خلال تحقيق الأمن المادي، والأمن من الخوف، أي ما يسمى “الأمن العام”، الذي يعني اطمئنان الفرد والمجتمع على أنفسهم وأموالهمودينهم وأعراضهم من الاعتداءات والمخاطر، سواء من هم في قمة السلم الاجتماعي أو من يقعون في المستويات الأقل.

وبهذا المعنى السابق، تتضمن أبعاد تحقيق الأمن الاجتماعي بعدًا سياسيًّا يضمن الحفاظ على الكيان السياسي للدولة، وحماية مصالحها العليا، وممارسة حريات التعبير بما يكفل أمن الوطن واستقراراه، وبعدًا اقتصاديًّا يوفر أسباب العيش الكريم لكافة المواطنين، ويلبي الاحتياجات الأساسية من تحسين ظروف الحياة، وخلق فرص العمل، ورفع مستوى الخدمات والسكن والتعليم والرعاية الصحية وغيرها، وبعدًا مجتمعيًّا يوفر الترابط الاجتماعي، وينمي الشعور بالهوية والانتماء والإحساس الوطني، وتعزيز وسائل التكافل الاجتماعي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإحداث قدر مقبول من التوازن بين فئات وشرائح المجتمع، وبعدًا اعتقاديًّا يضمن قيم المجتمع الأساسية وفق دين معين مع احترام حرية الأقليات في اعتقادها، لأن هذا يمثل واحدة من ضمانات استقرار المجتمع، هذا فضلا عن أبعاد أخرى مثل البعد البيئي الذي يهدف إلى حماية المجتمع من أخطار التلوث المختلفة، والاحتباس الحراري، ومثل البعد النفسي، وحتى الجانب التربوي داخل الأسرة وفي مؤسسات التعليم المتعددة.

مؤشرات الأمن الاجتماعي بعد ثورة يناير

ووفقًا لما سبق، وأخذًا في الاعتبار أن لا مجتمعًا إنسانيًّا يتمتع بحالة من الأمن الصافي، أو يتمتع بالمساواة والعدالة المطلقة، يمكن إيجاز أهم المؤشرات الخاصة بالأمن الاجتماعي في مصر منذ ثورة يناير وحتى الآن فيما يلي:

1- الانفلات الأمني وتفشي العنف، وهي ظاهرة انتشرت عقب ثورة يناير، لكنها لم تشهد منهجية متعمدة لإشعال العنف السياسي، بل تعود إلى ما تعرفه المجتمعات تلقائيًّا من انفلات أمني عقب ثورة كبرى، وتغير مفاجئ لنظام الحكم، ولم يكن الصراع السياسي هو العنوان العريض الذي يقوم عليه العنف العشوائي حتى ثورة 30 يونيو رغم حدوث اشتباكات متعددة وسقوط قتلى وجرحى، ويبرز هذا الانفلات على سبيل المثال فيما رصده المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية خلال عام 2012 من تنفيذ 581 وقفة احتجاجية، و561 حالة قطع طرق، و558 حالة تظاهر، و500 اعتصام، و514 إضرابًا عن العمل، و163 حالة تجمهر، ومعظمها حالات لم يتم التعامل معها من سلطات الدولة بالحكمة المطلوبة، وإنما عبر أشكال ما من التعسف مثل الفصل والوقف عن العمل، والتحويل للتحقيق، في مظهر يؤكد على قدر العنف المتبادل بين الدولة والمواطن.

أما عقب ثورة 30 يونيو 2013، فقد عمدت جماعة الإخوان وحلفاؤها إلى إشعال العنف والإرهاب بغرض إضعاف وتفكيك الدولة والسلطة التنفيذية، وإثارة العنف الطائفي، وإضعاف السلطةالقضائية، وإحداث إرباك مجتمعي من خلال الشلل المروري، والفوضى، وانعدام الأمن، وتعدد حوادث إضرام النيران والحرق في الممتلكات العامة والخاصة من قبل أنصار الرئيس المعزول مرسي، وكلها أعمال تخل بالأمن الاجتماعي.

وفي هذا السياق، رصد المركز التنموي الدولي تصاعدًا غير مسبوق لأحداث العنف السياسي خلال شهر أغسطس الماضي، والتي بلغت 557 حالة عنف، منها 104 حوادث وقعت خلال الـ16 ساعة التالية لفض اعتصامي رابعة والنهضة يوم 14 أغسطس في 22 محافظة، وأدت إلى خسائر اقتصادية تقدر بنصف مليار جنيه، ثم انخفضت حوادث العنف والإرهاب إلى 311 حادثًا في الفترة ما بين الأول من سبتمبر والسادس من أكتوبر، أي بنسبة 60%، ليؤكد ذلك أن مؤسسات الدولة والمواطنين المعارضين للإخوان يسعون إلى بسط هيبة الدولة وسيادة القانون، أخذًا في الاعتبار أن ثمة حوادث يتم فيها قدر من الانتهاك للحريات نظرًا لطبيعة الظروف الراهنة.

وبشكل إجمالي يلاحظ طغيان الصراع السياسي على خارطة الاحتجاجات المصرية منذ عزل الرئيس مرسي، إذ بات الإخوان هم المحرك لحوالي 79% من الاحتجاجات التي تتخذ طابع العنف السياسي المنظم من أجل عودة الرئيس المعزول، وذلك مقارنة على سبيل المثال، كما يرصد المركز، بأن نسبة 70% من التظاهرات والاحتجاجات خلال عهد مرسي لم تكن خلال الأشهر التسعة الأولى لأسباب سياسية، بل لمطالب اقتصادية واجتماعية، وهو الأمر الذي يعكس ضرورة إكمال جهود مؤسسات الدولة في استقرار الأمن الداخلي، والقضاء على الإرهاب والعنف المنظم في شبه جزيرة سيناء وسائر محافظات مصر لتثبيت دعائم الأمن الاجتماعي بمضمونه الصلب المرتبط بأمن المواطن ومنع ترويعه.

2- تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية والمطلبية المختلفة، فعلى الرغم من أن مطالب العدالة الاجتماعية والاقتصادية كانت في صميم شعارات ثورة يناير، فإن الحكومات الانتقالية حتى 30 يونيو لم تفعل سوى القليل من الاستجابات المطلبية بناءً على ضغوط من أربابها، وهو ما يعود بالأساس إلى فشل السياسات الاقتصادية السابقة على ثورة يناير، وعدم التعاطي الجدي من السلطات اللاحقة لاتخاذ مبادرات تصب في خانة تحقيق العدالة الاجتماعية، إذ تشير دراسة أعدها المركز التنموي الدولي في شهر إبريل الفائت إلى أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تحتل أكثر من 70% من مطالب وأولويات المواطن المصري، بما يعكس ضعف قدرة الدولة على توفير الحاجات الأساسية، وأن 30% من أولوياته تتعلق بكفالة الحقوق والحريات المدنية والسياسية، وكلاهما أمران لم تنجح فيهما الدولة منذ ثورة يناير.

والغريب أن الاحتجاجات الاجتماعية والمطلبية لم تخفت منذ ثورة يناير؛ بل على النقيض ازدادت من عام لآخر، فخلال الربع الأول من العام الجاري، وفي ظل رئاسة الدكتور محمد مرسي، تضاعفت نسب الاحتجاجات إلى أكثر منثلاثة أضعاف مقارنة بعام 2012 بنسبة 340%، كما تضاعفت عن عام 2010 بنسبة 426%، أي أكثر من أربعة أضعاف، حيث شهدت الأشهر الثلاثة الأولى لعام 2013 حوالي 2782 احتجاجًا، وذلك مقارنة بـ2210 في عام 2011، و2532 احتجاجًا في عام 2012. كما ازدادت الفئات المشاركة في تلك الاحتجاجات من 30 فئة اجتماعية في عام 2010 لتصل إلى 40 فئة في عامي 2012 و2013.

3- تنامي المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، فقد أدى غياب الاستقرار السياسي، ودخول الدولة في أزمة اقتصادية عقب ثورة يناير، وفشل الحكومات المتعاقبة في معالجة المشاكل المرتبطة بعدم المساواة وارتفاع نسب الفقر والتهميش والبطالة، إلى القضاء على ثورة التوقعات الاجتماعية والاقتصادية، واستمرار الخلل الكامن وراء غياب الأمن والحماية الاجتماعية، فبحلول يوليو 2013 وصل سعر الجنيه المصري إلى أدنى مستوياته منذ عام 2004، وانخفضت احتياطات مصر من النقد الأجنبي إلى “المستوى الحرج” وبلغ عجز الموازنة 11.5%، وبالتالي زادت الأزمة الاقتصادية من معاناة الفقراء والمهمشين مع ارتفاع نسبة التضخم نتيجة ارتفاع أسعار السلع الغذائية والسكن والرعاية الصحية، وارتفعت نسبة الأسر الضعيفة التي لا يغطي دخلها نفقاتها الشهرية من 78.9% في سبتمبر 2011 إلى 88.9% في مارس 2013، وارتفعت نسبة البطالة وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى 13.2% في الربع الأول من عام 2013 مقارنةً بنسبة بلغت 9% في عام 2010، ثم 12% في عام 2011 و12.8% في عام 2012، علاوة على ارتفاع نسبة الفقر لتصل إلى حوالي ثلث السكان تقريبًا مقارنة بنسبة 25.2% في عام 2010/2011.

4- تزايد الحرمان الاجتماعي، ويعزى ذلك، علاوة على فشل السياسات الاقتصادية، إلى استمرار تغلغل الفساد داخل هيئات الدولة، حيث احتلت مصر المرتبة 118 من أصل 176 بلدًا في مؤشر الفساد الصادر عن المنظمة العالمية للشفافية عن عام 2012، وإلى غياب الشفافية كما يبرز مثلاً في تمرير قانون الإصلاح الضريبي في ديسمبر 2012، والذي ذكر ارتفاع أسعار المنتجات الفاخرة فقط، لكنه أدى لارتفاع في السلع الأساسية.

ومن بين المؤشرات الدالة على تصاعد هذا الاتجاه إغلاق 500 مصنع في بداية العام الجاري نتيجة زيادة أسعار البترول والمازوت، ووضع أكثر من 10 آلاف عامل وموظف خارج الوظيفة، وزيادة نسبة إسهام الاقتصاد غير الرسمي في الناتج المحلي، بما يحمله من تبعات عدم توفير ظروف عمل جيدة وغياب الضمان الوظيفي والرعاية الصحية للعاملين بهذا القطاع، ناهيك عن استمرار كافة المشكلات المتعلقة بالرعاية الصحية، إذ لم تستطع الدولة توفير أكثر من 4.5% من الناتج المحلي لهذا الغرض، مع استمرار ذات السياسات الصحية الخاطئة، ويسري الأمر ذاته في مجالات التعليم، والإسكان، والحصول على المياه النظيفة، والصرف الصحي، والأسرة والطفل، وحقوق المرأة. ووفقًا لمرصد الغذاء المصري، وهو مبادرة مشتركة بين مركز دعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري وبرنامج الغذاء العالمي، فإن حوالي 86% من الأسر الأكثر احتياجًا غير قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية، كما يظهر الحرمان الاجتماعي في استمرار وجود 1221 منطقة عشوائية في مصر تفتقد لمقومات الحياة الطبيعية، وتخلق بؤرًا للتطرف والعنف، وانتشار الأمراض الاجتماعية.

ومما سبق يجوز القول إن السلطات الانتقالية الحالية تواجه معضلات معقدة أمام تحقيق الأمن الاجتماعي بمفهومه الشامل، لكنها تسعى لاتخاذ بعض الإجراءات التي تحاول التأكيد على إدراك هذا البعد، مثل: تحديد الحد الأدنى للأجور، وتحمل الدولة لنفقات المدارس العامة، هذا فضلا عن قدرة ثورة 30 يونيو في القضاء جزئيًّا على موجة الغلو والتطرف الديني التي كادت تسود المجتمع المصري، وتهدد السلم الاجتماعي والتعايش المشترك، كما أن مؤسسات الدولة تعمل بقوة من أجل استعادة فكرة الدولة وهيبتها، وتبذل جهودًا كبيرة في هذا المجال ولو عبر القوة لحفظ الأمن الداخلي، لكن ثمة حاجة إلى مزيد من الجهود في سائر هذه القضايا، وبداية تمهيد الطريق أمام الحكم الجديد عبر وضع خطة اقتصادية تعتمد سياسات اجتماعية أكثر فاعلية للحد من هذه المخاطر السابقة، وربما تكون نقطة البداية في وضع نظام ضريبي عادل وصارم، واعتماد إنفاق أكبر على قطاعي التعليم والصحة، مع إصلاح الخلل القائم في المنظومتين، ووضع نظام أكثر عدلا وكفاءة للدعم الحكومي، والعمل على إدماج الاقتصاد غير الرسمي لصيانة حقوق العاملين، واعتماد الشفافية فيما يتعلق بالمعلومات والقرارات المختلفة، والإسراع في إنهاء الفترة الانتقالية في موعدها المحدد حتى يكفل ما سبق الاستقرار السياسي الذي لا يمكن تحقيقه دون حماية الأمن الاجتماعي، إن بمضمونه الصلب أو بمضمونه الحياتي والإنساني.

(*) باحث بالمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية

Leave a Comment