أ.د. أحمد محمد وهبان

السلطه التشريعيه في الدولة الاسلاميه

كاتب الموضوع الأصلي: عادل العتيبي1

لا ريب أن السيادة في الدولة الإسلامية لشرع الله، – عز وجل -. وأن هذه السيادة إنما تتحقق بإقرار منهج الله وتحكيم شريعته، وأنه لا يسع الدولة الإسلامية ولا الأمة المسلمة أن تتخذ لنفسها دستوراً مستمَداً من غير دين الله الذي ارتضاه لعباده. قال – تعالى -: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 56].

وإذا كان الحديث عن تقرير هذه السيادة والاستدلال عليها مهمّاً فإن الحديث عن الجهة التي يناط بها قبل غيرها – تحقيـق هـذه السيادة وحَمْـل الأمة (حكاماً ومحكومين) على الخضوع لها لا يقل عنه أهمية؛ فحديثنا إذن عن: السلطة التي تسمى (السلطة التشريعية)؛ فما حقيقة هذه السلطة في النظام الإسلامي؟ وما حدود صلاحياتها؟ وكيف تتشكل؟ وكيف تؤدي دورها؟ وما قواعد عملها؟ وأين وجودها في التاريخ الإسلامي؟

لم يُعرَف هذا المصطلح (السلطة التشريعية) في الفقه السياسي الإسلامي، ولم يُستخدَم في تاريخ الدولة الإسلامية، ولكن الكيان الذي يمكن أن يطلَق عليه هـذا المصطلح كان موجوداً، وكان يمارِس عمله كما يدل عليه المصطلح؛ لذلك لا غضاضة من استخدامه والتعبير به عن وضع كان موجوداً ويمكن أن يوجد وعن نظام كان قائماً ويمكن أن يقوم.

السلطة التشريعية في التعريف الدستوري هي: «السلطة المتخصصة بعمل القوانين، وتقوم مع ذلك بالإشراف على أعمال السلطة التنفيذية»[1]؛ فهي السلطة المسؤولة – إلى جانب مراقبتها للحكومة – عن وضع القوانين الملزِمة التي لا يسع أحداً تجاوزها.

والكلمة المقابلة للقانون في الإسلام هي كلمة الشرع، ولكن شتان بين اللفظين وما يشتمل عليه كلٌّ منهما؛ فإذا كان القانون هو القواعد والأنظمة والأحكام والمبادئ التي وضعها الإنسان لينظم بها حياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، فإن الشرع قانون بهذا المعنى ولكنه يمتاز عن القانون بأنه من صنع الله لا من صنع البشر؛ ومن ثَمَّ فإن الشرع لا يعتـريه ما قد يعتري القوانين من الخلل والاضطراب والنقص. والقوانين لا يتسنى لها أن تبلغ من الإحكام والكمال ما قد بلغه الشرع.

والشرع في اللغة: مصدر شَرَعَ (بالتخفيف)، والتشريع: مصدر شرَّع (بالتشديد)، والشريعة في كلام العرب[2] وردت على معانيَ تدور كلها حول: الرِّي والطهر واليسر والاستقامة والاتساع، وهي أيضاً بمعنى: ما شرع الله لعباده من الدين. قال – تعالى -: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة: 84]، وقال: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [الجاثية: 81]، ويطلقون الشريعة كذلك على ما ظهر واعتدل واستقام من المذاهب، وعلى الطريق المستقيم المعتدل، والشارع عند العرب: الطريق الأعظم.

وهكذا تتميز شريعة الله – تعالى – عن القوانين البشرية بهذه المميزات التي دل عليها الاستعمال اللغوي لكلمة شريعة.

وهذه المميزات تنبثق منها جميع خصائص التشريع الإسلامي التي دل عليها الكتاب العزيز والسُّنة المشرَّفة، ودل عليها منطق الشريعة وواقعها، ودل عليها كذلك التاريخ والتجربة والواقع.

وهذه جملة من الآيات القرآنية الدالة على صفات الشريعة الإسلامية وخصائصها: قال – تعالى -: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 701]، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّـمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 75 – 85]، وقال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشـَـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ) [الشورى: 25 – 35]، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِـمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال: 42]، وقال: (يُنَزِّلُ الْـمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) [النحل: 2]، وقال: (اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْـحَقِّ وَالْـمِيزَان) [الشورى: 71]، وقال: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد: 52]، وقال: (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْـمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) [النحل: 09]، وقال: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: 87]، وقال: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 581]، وقال: (وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) [المائدة: 6]، وقال: (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا) [النساء: 82]، وقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة: 3]، وقال: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) [الأنعام: 83].

وإذا أردنا أن نُعَرِّف الشريعة الإسلامية تعريفاً اصطلاحياً، فإننا نقول: إنها «ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونُظُم الحياة في شُعَبها المختلفة لتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة»[3].

السلطة التشريعية (شروطها وصلاحياتها):

أما السلطة التشريعية في المفهوم الإسلامي فهي: «السلطة المؤلَّفـة من صفـوة علمـاء الشريعة المجتهـدين، وهي المكلفـة باستخلاص الأحكام الشرعية من مصادرها، والتعريف بها ووَضْعها لدى الدولة موضِع التنفيذ، وهي المنوط بها الإشراف على السلطات الأخرى فيما يتعلق بتنفيذ الشريعة وتطبيق أحكامها، والمعهود إليها مع بقية أهل الشورى ومع سائر أهل الحل والعقد، بالرقابة على الحكومة ومحاسبتها».

ومن هذا التعريف يتضح لنا الآتي:

1 – أن السلطة التشريعية في الإسلام وفي الدولة الإسلامية لا تخرج عن دائرة علماء الشريعة المجتهدين، وهم علماء الشريعة الذين استجمعوا شروط الاجتهاد التي من أهمها: أن يكون عالماً بطرق الدلالة ووجوها، والخصوص والعموم، والمجمَل والمفسَّر الصريح، والفحوى وغيرها من الأصول، وأن يكون عالماً بالآيات المتعلقة بالأحكام من كتاب الله – تعالى – وأن يحيط بسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المتعلقة بالأحكام؛ بحيث لا يشذ منها إلا القليل، وأن يكون ذا دراية باللغة العربية، ولا يشترط الإحاطة بها، وأن يكون عالماً بمطاعن الأخبار المتعلقة بالأحكام، وأن يحيط بمعظم مذاهب السلف وأن يكون عارفاً بمسائل الإجماع، ويشترط أن يكون ورعاً ذا دين وأمانة وصدق[4].

ويبلغ المجتهد كمال رتبة الاجتهاد ليكون من صفوة المجتهدين بثلاثة أمور:

أولها: التأليف في العلوم التي يتهذب بها الذهن كالعربية وأصول الفقه، وما يحتاج إليه من العلوم العقلية في صيانة الذهن عن الخطأ.

الثاني: الإحاطة بمعظم قواعد الشريعة؛ حتى يعرف أن الدليل الذي نظر فيه موافق لها أو مخالف.

الثالث: أن يكـون له من الممارسـة والتتبـع لمقاصد الشـريعة ما يُكسِبه قوة يفهم منها مراد الشرع من ذلك وما يناسب أن يكون حكماً له في ذلك المحل[5].

2 – أن هذه السلطة هي المكلفة شرعاً والمتخصصة دستورياً، بالقيام بعملية التشريع. وعملها التشريعي «لا يعدو أمرين: أما بالنسبة إلى ما فيه نص فعملهم تفهُّم النص وبيان الحكم الذي يدل عليه، وأما بالنسبة إلى ما لا نص فيه فعملهم قياسه على ما فيه نص واستنباط حكمه بواسطة الاجتهاد»[6]، مراعين القواعد والمقاصد الشرعية التي تمثل كليات الشريعة، والتي ثبتت باستقراء النصوص من الوحيين.

فالسلطة التشريعية عندما تقوم بالتشريع فإنها لا تنشئ الأحكام إنشاءً، ولاتبتدؤها ابتداءً، وإنما تستمدها وتستخلصها وتستخرجها من كتاب الله وسُنة رسوله – صلى الله عليه وسلم -، لا من غيرهما، وبذلك وضع النظام الإسلامي حداً فاصلاً بين أمرين لا يصح أن يلتبسا، وهما: السيادة والسلطان؛ فالسيادة لله والسلطان للأمة، والسيادة لشرع الله، والسلطان للمجتهدين من الأمة الذين يقومون باستنباط الأحكام والإعلام بها والإلزام بتطبيقها، وهذا هو سلطانهم الذي لا يتعدى على سيادة الشريعة.

3 – أن عمل السلطة التشريعية لا يقف عند حد التشريع وإنما يتعداه إلى الإشراف والمباشرة لضمان الالتزام بهذا التشريع من قِبَل السلطتين (التنفيذية والقضائية)، وبخاصة السلطة التنفيذية، كما أنها تشترك مع سائر أهل الشورى وأهل الحل والعقد في القيام بدور الرقابة على باقي السلطات والمحاسبة للحكومة، وإبداء المشورة للحاكم ومعاونيه في كل مُشكِل يعرض للأمة من الأمور العامة.

4 – أن صفوة علماء الشريعة المجتهدين الذين يمثلون السلطة التشريعية جزء من أهل الحل والعقد؛ لأن أهل الحل والعقد في الأمة ليسوا منحصرين في علماء الشريعة المجتهدين فضلاً عن أن ينحصروا في صفوتهم المختارة للتشريع، وإنما تتسع دائرتهم لتشمل غيرهم من العلماء والقضاة، والأمراء والخبراء، والصلحاء، والوجهاء العدول الذين يحملون همَّ هذا الدين ويتحملون مسؤولية هذه الأمة ويُعَدُّون هم كبار الأمة وقادتها وأولو الأمر فيها.

الواقع التاريخي للسلطة التشريعية:

لقد كانت السلطة التشريعية في عصر النبوة محصورة في يد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وحدَه، لا يشاركه فيها أحد من الأمة، ما دام الأمر متعلقاً بالتشريع والأحكام ومسائل الحلال والحرام؛ لأنه كان يتلقى الوحي من الله – تبارك وتعالى – ويقوم بتبليغه والإعلام به وتطبيق أحكامه، «ومع كون السلطة التشريعية، في عهده – صلى الله عليه وسلم – متمركزة من الناحيتين (العضوية والموضوعية) في يده وحدَه، إلا أنه في ما لا يتصل بالتشريع وبالحِلِّ والحرمة كان يستشير فيه طوائف من أصحابه من ذوي الرأي»[7].

وعندما توفي رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «انتقلت السلطة التشريعية بعد وفاته إلى المجتهدين من الصحابة. وسلطانهم في التشريع لم يَعْدُ أمرين:

الأول: فهم النص وبيان الحكم الذي يدل عليه.

والثاني: قياس ما لا نص فيه على ما فيه نص بواسطة الاجتهاد وتخريج العلة.

وبذلك تخالف السلطة التشريعية في عهد الصحابة السلطة التشريعية التي تضع القوانين في الأمم الأخرى؛ إذ الثانية في منتهى الحرية في وضع القوانين أو تفسيرها أو إلغائها أو تعديلها»[8]، وأما الأولى فهي مقيدة بالنصوص الشرعية وبالقواعد والمقاصد الشرعية، ودائرة في عملها تحت سيادة الشرع.

ومع اختصاصهم بالتشريع فإنهم كانوا يشيرون على الخليفة مثلما يشير عليه سائر الكبار من أهل الحل والعقد؛ وذلك فيما لا يدخل في الحِلِّ والحرمة من أمور الرأي والحرب والمكيدة والمسائل المتعلقة بتدبير الشأن العام.

وقد كان الخليفة يشارك السلطة التشريعية في استخلاص الأحكام؛ لأنه كان من جملة المجتهدين، وكان أحياناً يعمل بما أدَّاه إليه اجتهاده ما لم يَحُل بينه وبين العمل به ظهور رأي جماعة المجتهدين عليه، «وإذا كان من حق الخليفة أن يجتهد برأيه فيما يعرض من مسائل، فإنه يجتهد بوصفه من المجتهدين لا بوصفه رئيساً للسلطة التنفيذية، كذلك القاضي الذي تتوفر فيه صفات الاجتهاد؛ فهو إن حكم برأيه فإنما يجتهد بوصفة من المجتهدين لا بوصفه من أعضاء السلطة القضائية»[9].

روى أبو عبيدة في كتاب القضاء عن ميمون بن مهـران قال: «كان أبو بكـر الصديق إذا ورد عليه حكـم نظـر في كتـاب اللـه – تعالى – فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سُنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا أو بكذا، فإن لم يجد سنة سنَّها النبي – صلى الله عليه وسلم – جمع رؤساء الناس فاستشارهم فإذا اجتمع رأيه على شيء قضى به، وكان عمر يفعل ذلك»[10].

فرجوع الخليفة إلى المجتهدين لسؤالهم عن علم عَلِموه من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في المسالة المعروضة، ثم لاستشارتهم فيما لم يرد فيه نص، يعتبر رداً على السلطة المتخصصة. أما اجتهاده وقضاؤه بما ظهر من كتاب الله فلا يُعَدُّ تجاوزاً للسلطة التشريعية ولا تعدياً عليها؛ لأنه من المجتهدين، ولأن الحكم الشرعي إذا ظهر في الكتاب أو السُّنة فالسلطان له، وعلى الجميع – سواء السلطة التشريعية أو التنفيذية – أن يخضعوا لسلطانه، ولأن رجال السلطة التشريعية لن يسكتوا إذا خالف الخليفة – من وجهة نظرهم – دستور الأمة (الكتاب والسُّنة)؛ لذلك عندما رأى عمر رأيه في سواد العراق وأراد ألا يقسم الأرض المغنومة على المقاتلين، وأن يتركها فيئاً للمسلمين وقف الصحابة واعترضوا، وناقشه المجتهدون من الأمة، وراجعوه وراجعهم، وجادلوه وجادلهم، حتى اقتنع سوادهم الأكبر برأيه فمضى فيه[11].

«وقد كان في اسـتشـارة الخلفاء وأهـل الفتيا بعضهم بعضاً ما يجعل من جماعتهم المحدودة شبه مجلس نيابي صغير ينقصه النظام، ولكن يعوِّضهم عنه ما كان منهم من تقليب المسائل على وجوهها وبحثها من جميع نواحيها»[12].

وإن تعويل الخلفاء على إجماع المجتهدين على الرغم من أنه لا يعكس سيادة الأمة بالمعنى الغربي الوضعي، إلا أنه يعد «هو نواة المبدأ الحديث الذي يجعل الأمة مصدر السلطات، وهو ما يعبَّر عنه بمبدأ سيادة الأمة في النُّظُم العصرية، هذا المبدأ الذي يقوم عليه التشريع الإسلامي هو المبدأ نفسه الذي يقوم عليه النظام النيابي الحديث، لكن الذي يميز النظام الإسلامي أن ممثلي الأمة في القيام بوظيفة التشريع هم المجتهدون؛ أي: العلماء الذين يُعترَف لهم بالوصـول إلى مرتبـة الاجتهـاد»[13]، وأن سـلطانهم التشريعي لا يتعدى علـى سـيادة الشـرع؛ لأنهـم لا يصنعون القوانين وإنما يستمدونها من الشرع.

وقد اتفقت الأمة – على الرغم من اختلافها في بعض الفروع المتعلقة بالدلالات – على أن الكتاب والسُّنة هما مصدرا التشريع، واتفق أهل السنة والجماعة على أن الإجماع هو المصدر الثالث بعد الكتاب والسُّنة، وعلى أن الإجماع لا ينشئ الحكم وإنما هو علامة على حكـم الله في المسألة، واتفـق جمهـور أهـل السُّـنة – عدا الظاهرية – على أن القياس دليل شرعي معتبَر، وعلى أنه آلية الاجتهاد الأولى لاستنباط الأحكام غير المنصوصة. وهناك أصول أخرى للاستدلال: كالاستصلاح والاستحسان الاستصحاب وغيرها قد اختلف العلماء في تقريرهـا واعتمـادها، لكـن الـذي لم يختلفـوا فيـه هـو أن كل ما سوى الوحيين من أدلة الأحكام راجع إليهما وصادر عنهما ولا يمكن أن يحظى بالاستقلال التام، وهذا ما يؤكد سيادة الشرع ويؤكد كذلك استقلال التشريع عن الحكومة.

وبعد عصر الصحابة جاء عصر التابعين لتظهر نواة المدارس الفقهية التي تُعَدُّ مؤسسات تشريعية قائمة على أصلين:

الأول: سيادة الشرع.

والثاني: أن السلطان التشريعي في يد المجتهدين من الأمة. فظهرت مدرسة الرأي في العراق؛ وهي التي وضع حجر الأساس لها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، وفي مقابلها مدرسة الأثر التي وضع لبناتها الأُولَى علماء الصحابة في المدينة من أمثال عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعائشة وغيرهم.

وإذا كان عهد الصحابة قد شهد شهرة واسعة للمجتهدين من الصحابة أمثال: عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر ومعاذ وزيد بن ثابت…وغيرهم، فإن عصر التابعين شهد شهرة واسعة لمجتهدين كبار كان على رأسهم الفقهاء السبعة في المدينة وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجـة بن زيد، وأبو بكر بن عبـد الرحمن بن الحارث ابن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود، وهم الذين اعتدَّ مالك بإجماعهم[14].

ثم ظهرت المذاهب الفقهية الكبرى التي شهدت طفرة عظيمة في الاجتهاد الفقهي القائم على أصول ودعائم علمية راقية، ومن أشهرها المذاهب الفقهية الأربعة: مذهب أبي حنيفة، ومذهب مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد بن حنبل، فكانت هذه المذاهب هي المؤسسات التشريعية العظمى التي تمثل السلطة التشريعية في العصور التي تلت عصر الخلفاء الراشدين.

وظل باب الاجتهاد مفتوحاً، وظلت هذه المذاهب هي المرجعية التشريعية للأمة الإسلامية حكاماً ومحكومين في جميع المجالات؛ حتى جاء في عصور متأخرة علماء أغلقوا باب الاجتهاد، فنتج عن ذلك أن استجدت مسائل ونوازل في حياة الأمة لم يفِ تراث هذه المذاهب بمعالجتها: «فكان من ذلك الحرج قصور التشريع الإسلامي عن مسايرة الزمن وتحقيق مصالح الناس، والتجاء بعض الحكومات الإسلامية إلى العمل بقوانين أمم غير إسلامية»[15].

وهو ما أدى بعد ذلك إلى وقوع الدول الإسلامية فريسة العَلمانية، ودخلتها نظرية السيادة الغربية، وغزتها قوانين غير شرعية، وصارت السلطة التشريعية فيها أبعد ما تكون عن الشريعة الإسلامية؛ وما كان هذا ليحدث لو أن باب الاجتهاد ظل مفتوحاً؛ ليلبي حاجات الأمة في كل ما ينزل بها.

وهذا هو الذي دفع المصلحين من أمثال الأستاذ محمد عبده وغيره إلى الدعوة إلى الاجتهاد، ولقد تجاوب مع هذه الصيحة الصادقة علماء وأساتذة جامعات وشيوخ كبار، نهضوا لهذا الواجب الكبير؛ فبدأت من جديد حركة الاجتهاد والتجديد، وصارت الأمة بفضل هذه الجهود مؤهَّلة للعودة إلى سيادة الشريعة عن طريق جعل السلطة التشريعية في يد المجتهدين من الأمة خاصة.

النوايا الخيِّرة في الأمة:

ولقد أوجدت الأمة الإسلامية في عصرها الحاضر مؤسسات كبرى تقوم بالاجتهاد الجماعي الذي كان يقوم به المجتهدون من الصحابة ولكن بآليات معاصرة، وقد تمثلت هذه المؤسسات في المجامع الفقهية الكبرى مثل: مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة، ومجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، ومجمع رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وغيرها من المجامع التي جاءت بعدها وحَذَت حذوها، إلى جانب مشاريع الاجتهاد الجماعي الأخرى كمشاريع الموسوعات الفقهية الكبرى مثل مشروع الموسوعة الفقهية الكويتية.

كما ناقش العلماء المعاصرون إمكانية تجزئة الاجتهاد، بمعنى: أن يوجد في كل فرع من فروع الشريعة متخصصون وخبراء يملكون أدوات الاجتهاد فيه وإن لم يستكملوا آلات الاجتهاد المطلق؛ وذلك لتوسيع دائرة الاجتهاد وتيسير أمره.

وهذا الجهد المبارك يعتبر أرضاً خصبة لنمو واختيار السلطة التشريعية التي يتمثل فيها بصدق سيادة الشرع وسلطان الأمة.

أما عن كيفية الاختيار وطريقة التكوين فهي من الآليات التي تختلف من عصر لآخر، ومن مكان لآخر؛ فنحن إذا نظرنا إلى السلطة التشريعية في عصر الخلفاء الراشدين ومن تلاهم، نجد أنهم لم يكتسبوا هذه السلطة بتعيين الخليفة ولا بانتخاب الأمة لهم، وإنما اكتسبوها بمميزاتهم الشخصية التي امتازوا بها[16]، فجاء التكوين بطريقة فطرية تلقائية بسيطة كبساطة الحياة آنذاك[17].

وأما في الواقع المعاصر فيمكن عند قيام دولة إسلامية أن تتشكل السلطة التشريعية من المجتهدين في العلم الشرعي؛ وذلك باتباع آليات معاصرة لا يتنافى العمل بها مع القواعد والأصول الشرعية، ويرى بعض الناس[18] – على سبيل المثال – أنه بالإمكان أن تشكَّل هيئة بمعرفة الحكومة من حَمَلَة الشهادات العلمية الشرعية العالية. هذه الهيئة تُعرَض عليها القوانين قبل تطبيقها فما أقرته طُبِّق، وما لم تقره يُلغَى، وبعضهم الآخر اعترض على هذه الأفكار.

والذي أراه أن ما هو من نوع الآليات الفنية لا إشكال فيه، وهو خاضع للدراسة، ولكن المهم هو وضع ضوابط شرعية تضمن عدم تعدِّي هذه الآليات على الأسس والثوابت.

والإسلام والأمة الإسلامية بحاجة إلى دور العلماء الربانيين في تقنين الأحكام الشرعية، ووضعها في موادَّ قانونية ودستورية، والمطالبة المستمرة بتطبيقها، ومواصلة الضغط من أجل جعلها هي المرجعية الشاملة والدستور الكامل لكل بلاد المسلمين، وهذا لن يكون إلا إذا نهد علماء الأمة قاطبة، أو على الأقل جمهورهم لإتمام هذا الأمر الذي لا يتم للأمة عزٌّ ولا تمكينٌ إلا به، وأحسب والله أعلم أن القيام به واجب كفائيٌّ لا ينعتق أحد من الأمة من عهدته إلا بقيامه بما يجب عليه منه بحسب حاله، وأن الانشغال عنه بخلاف مفتعل أو شقاق مصطنع إثم كبير وجرم عظيم.

Leave a Comment