السياسة الاقتصادية
كاتب الموضوع الأصلي: خالد الشهري 8
لسياسة الاقتصادية هي العلم الذي يدرس التأثير على الاقتصاد من قبل تدخّل مصالح السلطات العامّة (الدولة ، البنك المركزي وسلطات أخرى) وأصحاب المصالح الخاصّة (المبادرات الاقتصادية والعائلات إلخ) ، وذلك بهدف وضع تدخّلات غايتها تغيير صير النظام الاقتصادي للوصول إلى أهداف مقرّرة مسبقا.
في مجال علم الاقتصاد يتم التمييز بين الاقتصاد السياسي الذي يدرس الواقع ، أي ما هو الكائن عليه الحال ، و بين السياسة الاقتصادية التي تدرس ما يجب أن يكون عليه الحال الاقتصادي أو ما نتمنّاه أن يكون. لذلك تشترط دراسة السياسة الاقتصادية تحليل الواقع ، أي دراسة الاقتصاد السياسي، وذلك من الناحية التعليمية أيضا.
وبما أنّ الاقتصاد هو في تغيّر مستمرّ تحت دوافع المصالح الاقتصادية والدوافع الإنسانية، فإنّ هدف السياسة الاقتصادية هو تعديل الصيرورة التلقائية للاقتصاد ، بعد دراستها بشكل مناسب.
التدخلات على المدى القصير والبعيد. في مجال السياسة الاقتصادية تتمّ دراسة التدخّلات على المدى القصير والبعيد. إضافة إلى كون هناك ترقب للنتائج ضمن التوقّعات المفترضة ، فإنّ هذان النوعان من التدخّلات يتميّزان بالسياق المختلف: ففي التدخّلات على المدى القصير يتمّ افتراض أن الاقتصاد الوطني واقف ، فالتدخّلات لا تعدّله هيكليّا. أمّا التدخّلات على المدى البعيد فتتّخذ طابعا ديناميكيا تؤثر التدخّلات الهيكلية فيه على الاقتصاد المستقبلي ، ويجب الأخذ بعين الاعتبار هذه التأثيرات لتقييم الآثار على السنوات المقبلة.
لمحة تاريخية. تظهر الحاجة إلى السياسة الاقتصادية تاريخيا عندما يتبيّن أنّ الاقتصاد إذا تُرك في يد الأنانية لأصحاب المصالح المنفردين فإنه لا يستطيع أن يتجنّب اختلالات وتباينات تجعله غير مستقرّ، وهذا ينعكس أيضا على النسيج الاجتماعي للبلد وعلى العلاقات بين الدول. كان آدم سميث يعتقد أنّ في السوق تعمل يد خفية ، فكانت المصلحة الخاصّة تتحول بفضلها إلى مصلحة جماعية. فلا أحد يمكنه أن يفعل أفضل ممّا تفعله السوق ذاتيا ، قادرة على إعادة التوازن بين القوى في الميدان بشكل مستمرّ. ومن المفترض أن يولّد التفاعل يبن الطلب والعرض أسعار توازن جديدة بشكل مستمرّ ، قادرة على أرضاء كلا الطرفين ، ضامنةً على سبيل المثال العمالة الكاملة. إنّ السياسات الاقتصادية الليبرالية ، التي تستلهم أفكارها من سميث ، تشجع إذن إزالة كل القيود التي من الممكن أن تربط حرية الحركة للقوى العاملة في السوق وإلى إعطاء أقلّ دور ممكن للدولة التي عليها ـ من ضمن وظائفها ـ عدم التدخّل أو أن تتدخل بأقلّ ما يمكن في الاقتصاد ، حيث يجب أن تتغلّب فيه “الغرائز المفترسة”. وفي ما بعد تمّ انتقاد مواقف سميث الليبرالية من قبل الكثيرين ، وذلك كلّما تمّ الوعي أكثر فأكثر بأنّ هذه المواقف تتطلّب ظروفا للسوق من الصعب تواجدها في الواقع العملي. أمّا كارل ماركس فقد تصوّر نظاما اقتصاديا يؤدّي فيه الاستغلال المتزايد للعمّال إلى انهيار النظام الاقتصادي من خلال الإفقار المتزايد لطبقة العمّال ؛ وإلى ضرورة لتغيير سياسي من النوع الثوري حتّى تتمّ بعد ذلك إعادة بناء لنظام اقتصادي مبني على أسس المساواة.
وحسب جون ماينارد كيينز فإنّ الأنظمة الاقتصادية ليست قادرة دائما على التوصّل إلى نقطة توازن العمالة الكاملة بشكل تلقائي. فعلى عكس ذلك من الممكن لهذه الأنظمة أن تستقرّ عند نقط توازن من عمالة غير كاملة بسبب نقصان في الطلب الكلّي. في هذا المفهوم فإنّ دور السياسة الاقتصادية يكون في تحفيز الطلب والتمكّن من الوصول إلى الاستخدام الكامل للموارد.
الوضع الحالي ولمّا كانت السياسات الاقتصادية الهادفة إلى التحكّم على الاقتصاد عن طريق التدخّل العامّ هي الغالبة خلال النصف الأوّل للقرن العشرين (سواءً من الناحية القانونية أو الإنفاق العامّ) ، فإنّ في النصف الثاني منه فرضت نفسها نزعات اقتصادية تحرّرية تميل إلى عدم التدخل في السوق. إنّ هذه النظاريات من نوع الاقتصاد الجزئي تمّ دمجها بأسس النظرية النقدية في ما يتعلّق بشكل خاص جانب الاقتصاد الكلّي. ويظهر أن نتائج السياسات الاقتصادية التحرّرية هي أقلّ بكثير مقارنةً بالتوقّعات في بداية الألفية الثالثة ، فلذلك يتمّ بشكل حريص إعادة النظر في السياسات من النوع الكينزياني.