السياسة الخارجية البريطانية.. استثمار التناقضات
كاتب الموضوع الأصلي: وليد الحارثي 411 (4)
منذ انهيار الامبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس والسياسة الخارجية تعمل بجد من أجل استثمار الظروف الدولية المتناقضة، كل ذلك من اجل تحقيق الهدف الأسمى وهو إبقاء بريطانيا عاملاً مؤثراً في النظام الدولي أو بشكل آخر هو إعطاء بريطانيا دوراً يزيد عن حجمها الطبيعي من حيث أدوات السياسة الخارجية وأدوات تنفيذ السياسة الخارجية من حيث الموقع الجغرافي والقدرات البشرية وتوزيعها السكاني والمعرفي والموارد الطبيعية والتأثير الصناعي والقوة العسكرية والإبداع السياسي.
ولكون بريطانيا ومنذ انهيارها الحقيقي في أعقاب الحرب العالمية الثانية لم تكن الدولة الصانعة للحدث ناهيك عن كونها مؤثرة فيه فإنها أصبحت تشكل سياستها الخارجية من أجل التقارب مع صانع الحدث والمؤثر فيه وربط ذلك بالسياسة البريطانية.
إن أفضل ما يمكن أن تشبه به السياسة البريطانية هو بخيوط العنكبوت من حيث نسجها في أرجاء متفرقة وانتظار الفريسة أو أشبه بصائد السمك الناشر لأكثر من سنارة من أجل استثمار تناقضات الموج والبحر من أجل دفع نوع من الصيد تجاه هذه السنارة أو تلك.
لا يمكن القول بأن السياسة الخارجية البريطانية كانت خالقة للمواقف السياسية والأحداث السياسية ثم العمل على استثمارها، كما يحدث للولايات المتحدة الأمريكية اليوم، بل إن السياسة الخارجية البريطانية اليوم هو العمل على استخدام التناقضات الدولية واستثمارها دون أن تدفع الكثير في التحضير لها، بمعنى آخر فإن السياسة الخارجية البريطانية تريد كسب أكبر قدر من النتائج في الوقت الذي تريد فيه دفع أقل التكاليف، وبذل أقل جهد. ومن هذا المنطلق فإنه يمكن تسليط الضوء على أجزاء من ترتيبات السياسة الخارجية البريطانية والتي تبدو أنها متناقضة في جوانب ومتكاملة في جوانب أخرى إلا هذه السياسة تركز على استخدام التناقضات الدولية والأزمات السياسية الدولية على النحو التالي:
أولاً: تنتهز بريطانيا كثيرا من سياستها الخارجية ومخزونها السياسي للتقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك من باب البعد التاريخي السياسي البريطاني الذي تختار البحار المفتوحة، ولكون كل البحار أصبحت أكبر من قدرات الدولة العجوز فإن أبواب بحار المحيط الأطلنطي مازالت مفتوحة من أجل التقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهنا فإن السياسة البريطانية تلعب على حساسية وطبيعة النظام السياسي الأمريكي المفتوح والذي يتطلع أي رئيس من أي من الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي من اجل إيجاد حليف داعم ودائم له من أجل تبرير سياساته الخارجية وأن كل رئيس أمريكي يجد في بريطانيا مبررا جيدا يبرر به سياساته الخارجية أمام الشعب الأمريكي بالدعم والموقف البريطاني. وكان ذلك صحيحاً في مرحلة الإدارة الديمقراطية في مرحلة الرئيس كلنتون وهو اليوم صحيح في مرحلة الرئيس جورج بوش.
ومن هذا المنطلق فإن استخدام بريطانيا للقوة الضاربة الأمريكية لا ينتهي عند هذا الجدل، بل يذهب إلى استثمارها اقتصادياً وسياسياً، حيث يتجلى ذلك بالتواجد العسكري البريطاني في العراق وهي القوات التي تعد جزءاً من قوات احتلال العراق والسيطرة على النفط العراقي مع محاولة بريطانية أن تعمل ذلك بأقل مستوى من الضجيج والتسليط الإعلامي، لذلك تجد أن وسائل الإعلام البريطانية تغض الطرف قدر المستطاع عن أي تسليط إعلامي على القوات البريطانية في العراق إلا في حالات الضرورة القصوى.
وعلى الجانب الآخر تجد أن التقارب البريطاني الأمريكي في مسألة أوروبا الموحدة يثير أكثر من تسائل، حيث يبلغ التنسيق البريطاني الأمريكي في أوروبا مداه في تعطيل وعرقلة حركة الاتحاد الأوروبي والتأِثير على أي توجه للوحدة الأوروبية الحقيقية وحرمان كل من ألمانيا وفرنسا من أي وضع خاص يمكنهما من قيادة السفينة الأوروبية وتدخلان في ذلك مع بولندا الدولة الجديدة في الاتحاد الأوروبي، وهذا يعيد إلى الأذهان جزءاً من الصراع الأوروبي التاريخي وان كان بشكل مختلف.
ثانياً: في الوقت الذي تقوم السياسة الخارجية البريطانية بالارتباط الوثيق مع السياسة الخارجية الأمريكية وإعطائها الشرعية أمام الجمهور الأمريكي للرئيس الأمريكي تجدها تدخل الوحدة الأوروبية دون اندفاع أو رغبة حقيقية، بل إن السلوك السياسي البريطاني في أوروبا يبعث على التناقضات والتساؤل والحيرة في أقل تقدير، حيث تجد السياسة الخارجية البريطانية التي تحاول تعطيل الوحدة الأوروبية أو على الأقل دفعها باتجاه تأخيرها أو تحديدها وفقاً للمصالح الوطنية البريطانية تجدها بذات الوقت تدخل ذاتها ونفسها في جميع المؤسسات السياسية والاقتصادية والقانونية الأوروبية. وتبدو وكأنها أكثر الداعمين والمتحمسين للوحدة الأوروبية. أي أن السياسة الخارجية البريطانية تجاه أوروبا يشوبها عدم تحديد الهدف إلا إذا كانت الأهداف هي الهدف بذاته.
ثالثاً: في الوقت الذي تندفع فيه السياسة الخارجية البريطانية من اجل استثمار القوة الهائلة الأمريكية وفي الوقت الذي تدخل فيه جميع المؤسسات السياسية الاقتصادية والقانونية الأوروبية تجد السياسة البريطانية تنحرف مع العديد من دول العالم وكأنها دولة عظمى تملك سياسة استراتيجية مستقلة عن حليفها الأمريكي ومحيطها الأوروبي، حيث يتصرف صانع السياسة الخارجية البريطانية وكأنها دولة عظمى تضع الهدف وتخطط له وتعمل على استثماره، حيث تشاهد ذلك في سلوك السياسة البريطانية تجاه العديد من دول العالم وخصوصاً بدول الكومنولث التي سبق أن ارتبطت بالإمبراطورية البريطانية أو مع بعض دول العالم الثالث التي تملك بعض المقومات الاقتصادية والموارد الطبيعية، ولذلك فإن السياسة الخارجية البريطانية تحاول إيهام الجميع أنها تصنع أهدافها وتنفذها بذاتها.
إن السياسة الخارجية البريطانية تحاول إيهام العالم أنها تملك التحالف الأمريكي والبعد الأوروبي والدولة العظمى في ذات الوقت التي هي جزء تابع في سياستها الخارجية أكثر من كونها صانعة أو منفذة الهدف. إن السياسة الخارجية البريطانية هي سياسة انتهازية تنتهز التناقضات الدولية أكثر من كونها صانعة ومحققة الهدف، إن نسج العنكبوت في محيط الغرفة الواحدة يعطي انطباعاً بالقوة والسيطرة في الوقت أنها تعتمد على الوقت وأخطاء الآخرين واستثمار التناقضات من أجل الانقضاض على الفريسة، إن خيوط العنكبوت تشبه إلى حد كبير خيوط وأهداف السياسة الخارجية البريطانية التي تعتمد على الصبر واقتناص أخطاء وتناقضات الآخرين.