السياسة الكويتية
كاتب الموضوع الأصلي: خليل احمد الدخيل 411
تقديم
حصلت الكويت على استقلالها في سنة 1961؛ ونظرا لوجودها في موقع استراتيجي هام (الطرف الشمالي الغربي من الخليج العربي)، وامتلاكها لثروات نفطية هائلة؛ واقتران ذلك بصغر مساحتها وقلة عدد سكانها؛ وتموقعها ضمن محيط إقليمي سمته الاضطراب والتوتر، فقد حاولت بناء مؤسسات فعالة في إطار دولة حديثة؛ ونسج علاقات خارجية متوازنة؛ تأخذ بعين الاعتبار طبيعة التوازنات القائمة على المستوى العربي والدولي.
ومنذ استقلالها انخرطت الكويت في تجربة سياسية دينامية ومتميزة في منطقة يطغى عليها الجمود السياسي، كما أنها توفقت إلى حد بعيد في استثمار إمكانيتها النفطية في خدمة قضايا محلية وإقليمية ودولية حيوية.
وكما هو الشأن بالنسبة للعديد من دول الخليج العربية، أو الدول الصغرى الأخرى؛ شكل الأمن والاستقرار قضية أولوية ضمن أهداف سياسة الدولة، وبخاصة في أجواء المأزق الذي يعرفه العمل الإقليمي العربي من خلال الجامعة العربية؛ وتزايد تهافت بعض القوى الدولية الكبرى على خيرات المنطقة؛ وتصاعد مجموعة من الأزمات (الصراع العربي- الإسرائيلي، الملف النووي الإيراني، الأوضاع في العراق..).
ولا يعتبر هذا الهاجس جديدا، فقد حاولت الكويت، في تاريخها كله، المحافظة على توازن للقوى؛ كان الهدف منه هو حماية نفسها ضد هجمات القبائل وضمان أمن طرقها التجارية(1).
وهكذا شهدت؛ منذ 1971 تطورا ملحوظا على مستوى تطوير قدراتها العسكرية، فما بين عامي 1971 و 1977 أنفقت أكثر من 3.5 مليارات دولار في هذا الشأن.
وبغض النظر عن هذه التحديات، تؤكد الممارسة الدولية تاريخيا أن عددا من الدويلات الصغرى؛ تمكنت من لعب أدوار طلائعية وهامة خلال مراحل عصيبة من تطور الأوضاع الدولية، بالشكل الذي كان له الأثر الإيجابي الكبير على السلم والأمن الدوليين.
وضمن هذا الصدد؛ تشكل الكويت نموذجا للدولة الصغيرة، لا في إطار منطقة الخليج فحسب، بل أيضا في النظام الدولي الأوسع؛ التي وبالرغم من صغر حجمها؛ تلعب دورا ناشطا في السياسة الخليجية بشكل خاص، وفي السياسات العربية بشكل أعم(2).
وإيمانا منها بأهمية بناء علاقات دولية ودية مبنية على التعاون واحترام السيادة وقائمة على نبذ استعمال القوة العسكرية في فض الخلافات.. استطاعت أن تتبنى مجموعة من المواقف التي تنسجم مع ثوابتها الوطنية، وتؤكد حضورها الفاعل في العديد من المحافل والمناسبات الدولية الوازنة.
أولا: تجربة سياسية واعدة في محيط تقليدي
يعتقد العديد من الباحثين أن العديد من دول مجلس التعاون الخليجي؛ تمكنت من كسب ولاء الفئات الاجتماعية بداخلها من خلال سياستها المرتبطة بتوزيع المنافع وتغطية حاجاتها الاقتصادية والاجتماعية من خلال استثمار الريع النفطي في هذا الشأن.
الأمر الذي أصبحت معه الدولة أكثر قوة في مواجهة المنافسين المحتملين في الداخل، وبذلك غدت أقوى من مجتمعها، بل أقوى من أي طبقة أو تكوينة اجتماعية(3).
فدور الدولة كموزع للمزايا والمنافع انعكس على علاقة الأفراد بهذه الدولة ونظرتهم إلى حقوقهم في المشاركة، حيث أصبح جلهم أقل تشددا في المطالبة بهذه الحقوق، وخصوصا في ظل غياب أو ضآلة حجم الأعباء المفروضة عليهم بوجه عام، فضلا عن قناعة المواطن العادي بأن مجرد الحديث وليس الانتقاد الصريح أو المستتر للأوضاع القائمة أو المطالبة بالمشاركة هو من الأمور المحفوفة بالمخاطر، وأن الولاء للدولة مطلوب للحصول على المنافع(4).
الأمر دفع رواد هذا الاتجاه إلى القول بأن الثورة النفطية أسهمت بشكل كبير في حصول تطور اقتصادي كبير داخل هذه الدول، في حين كان لها الأثر السلبي على مستوى التحديث والتغيير السياسيين.
وقد كان لدخول القوات العراقية إلى الكويت؛ وتزامن ذلك مع انهيار المعسكر الشرقي ونهاية الحرب الباردة في بداية التسعينيات من القرن الماضي، أثر في تنامي مطالب داخلية في منطقة الخليج؛ باتجاه نهج إصلاحات كفيلة بمشاركة سياسية أوسع؛ وهو ما استجابت له العديد من دول المنطقة بشكل متفاوت(5).
وإذا كان هذا حال بعض الدول “النفطية” في منطقة الخليج؛ فإن دولة الكويت ومباشرة بعد استقلالها؛ اختارت اعتماد دولة المؤسسات؛ حيث تم انتخاب مجلس تأسيسي من أجل وضع دستور للبلاد، وبالفعل ففي الحادي عشر من شهر تشرين الثاني/ نونبر 1962 صدر دستور دولة الكويت(6).
ويشير أحد الباحثين أن هذه الأخيرة عندما اختارت النهج الديموقراطي ليكون أساسا لنظام الحكم فيها؛ كانت متيقنة أنها اختارت الطريق السليم؛ كما أنها كانت أيضا مدركة أنها سلكت طريقا صعبا ومعقدا، وذلك لأنها نهجت الديمقراطية في وسط يعادي الديمقراطية(7).
وقد خول الدستور الكويتي مجموعة من الصلاحيات الحاسمة والهامة لمجلس الأمة (البرلمان)؛ مما مكنه من تحقيق توازن ملحوظ في مواجهة الحكومة، وهو الأمر الذي تسبب في بعض المواجهات بينها (البرلمان والحكومة)، التي عرفها المشهد السياسي الكويتي وتبلورت في شكل أزمات سياسية ودستورية متكررة.. قبل أن يتدخل الأمير لخلق نوع من التوازن والفصل بين خلافات السلطتين؛ وذلك بموجب صلاحياته في هذا الشأن، حيث كانت هذه المواجهات تنتهي بإعمال تعديلات وزارية أحيانا؛ أو بحل البرلمان أحيانا أخرى (تم ذلك خلال سنوات 1976؛ ودامت هذه الفترة خمس سنوات، ثم في سنة 1986؛ ودامت هذه الفترة ست سنوات، ثم في سنة 1999؛ ولم تدم سوى مدة قصيرة).
وعلى الرغم من هذه المحطات التي تسببت في حل البرلمان، وتعطيل الدستور وتقييد الحريات؛ والتي كادت أن تودي بالمسار السياسي للكويت؛ فإن التجربة الديمقراطية البرلمانية في هذا البلد، تعد من التجارب الرائدة التي شهدتها دول العالم الثالث، فقد خطت هذه الدولة منذ استقلالها عام 1961 وحتى اليوم خطوات كبيرة وجادة نحو إقامة دولة المؤسسات الدستورية(8).
ومن جانب آخر؛ شهدت الكويت إجراء مجموعة من التجارب الانتخابية البرلمانية والبلدية التي تميزت في مجملها بالنزاهة.
وعلى مستوى تطور هامش الحريات وحقوق الإنسان، فتح المجال أمام أفراد المجتمع من أجل ممارسة مشاركتهم السياسية؛ وشهد المجتمع المدني تطورا كبيرا، وتخلت الدولة عن احتكارها لإنشاء الصحف؛ الأمر الذي سمح بتطوير حرية الصحافة وإثارتها لقضايا حيوية وهامة(9)، كما منحت المرأة مجموعة من الحقوق السياسية المرتبطة بحق الترشيح والانتخاب، وقد تعززت هذه الجهود في السنوات الأخيرة بعد تعيين سيدتين ضمن عضوية المجلس البلدي؛ قبل أن تتوج بدخول المرأة إلى مجلس الوزراء(10).
وبالرغم من هذه الجهود؛ فإن هناك من يرى بأن الدولة مطالبة بفتح باب المشاركة السياسية أمام مختلف الفئات داخل المجتمع؛ وبخاصة أولئك الممنوعين من التصويت الترشيح في الانتخابات.
فيما يعتقد بعض الباحثين أن مجلس الأمة مطالب بتطوير أدائه، وبخاصة وأن مجمل الأزمات السياسية والدستورية التي عرفها المشهد السياسي الكويتي، جاءت نتيجة خلافات حول قضية بعينها أو موقف محدد، وليس حول سياسة عامة أو استراتيجية طويلة الأمد تتعلق بمصالح الدولة أو ثوابتها؛ كما أن الأداء البرلماني تميز باقتصاره على مجال الرقابة أكثر منه على مستوى بلورة السياسات العامة وصناعة التشريع(11).
ثانيا: إمكانيات نفطية في خدمة المجتمع والسلم
كان الدخل الفردي في الكويت خلال مرحلة ما قبل اكتشاف النفط متدنيا، وبخاصة وأن اقتصاد البلد كان متواضعا ويعتمد في مجمله على صيد اللؤلؤ والأسماك.
ومع اكتشاف النفط بدأت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في التحسن، حيث عرف اقتصاد البلاد مع هذه الثورة النفطية تطورا كبيرا..
وقد بدأت شركة النفط الكويتية بالتنقيب عن النفط داخل البلاد فور حصولها على الامتياز في عام 1934.. وفي سنة 1938 كان للكويت موعد مع اكتشاف ثاني أكبر حقل بترول في العالم- حقل برقان الحاوي على 65 مليار برميل-، ويشكل هذا الأخير إلى جانب حقل الغوار من بين أكبر الحقول النفطية المكتشفة لحد الآن؛ فقد احتويا معا على ما يقرب من 10 بالمائة من مجمل الرصيد البترولي الذي تم العثور عليه (مع العلم أن عدد حقول البترول، التي تم اكتشافها في العالم أجمع، قد زاد على 43 ألفا)(12).
ولكن عمليات التنقيب توقفت بعد ذلك؛ نتيجة نشوب الحرب العالمية الثانية؛ غير أنه بمجرد أن وضعت هذه الحرب أوزارها في سنة 1945؛ استأنفت عمليات استخراج البترول، وفي يونيو 1946 تم تصدير أول شحنة من نفط الكويت ومقدارها 97350 طنا؛ ومنذ ذلك الحين أخذ إنتاج النفط في الكويت يتزايد بثبات(13)؛ حيث وصل الإنتاج بعد أربع سنوات إلى 7 ملايين برميل؛ وما بين سنتي (1951 – 1954) وصل إلى حوالي 47 مليون طن سنويا، وفي عام 1968 بلغ الإنتاج إلى 143. 125. 886 برميلا(14).
وقد ارتبط قطاع النفط خلال هذه الفترة بالسياسات التي تسير فيها شركات النفط الأجنبية، وكذلك بالوضع السياسي القائم في مختلف البلدان المنتجة للنفط؛ وقد استمرت هذه الحالة حتى منتصف الستينيات ومطلع السبعينيات، عندما اتخذ المجلس النيابي الكويتي لنفسه دورا في رسم السياسة النفطية للبلاد، كما استطاعت الحكومة الكويتية بالتالي التوصل إلى “اتفاقية المشاركة” التي مكنتها في 1974 من شراء 40 في المائة من أسهم “شركة النفط الكويتية” (كي.أو. سي)، مما مهد السبيل أمام السيطرة الوطنية على صناعة النفط(15).
وقد حاولت الكويت في السنوات الأخيرة تحديث أسطولها النفطي، في إطار تعزيز وتطوير التسويق الدولي لهذه المادة الحيوية؛ وهو ما مكنها من تحقيق تقدم كبير في معدل نمو عائداتها النفطية بنسبة 20 بالمائة سنة 2003.
كما قامت بمحاولات جادة باتجاه الاستثمار في قطاعات أخرى غير نفطية، وضمن هذا السياق استأثرت أنشطة الخدمات بمختلف أنواعها العامة والاجتماعية والمالية والتجارية والشخصية بنحو 70 في المائة من جملة قوة العمل، بينما يعمل نحو 20 في المائة في قطاع التشييد والبناء، أما النسبة المتبقية؛ فتعمل في القطاعات الإنتاجية (نحو 8 بالمائة في الصناعات التحويلية و2 بالمائة في الزراعة والصيد)؛ ويتراوح نصيب القطاعات الإنتاجية من الناتج الإجمالي المحلي ما بين 4 و7 بالمائة فقط(16).
ومعلوم أن النفط يكتسي أهمية كبرى في إدارة العلاقات الدولية وقضاياها، وقد تنبأت وكالة الطاقة الدولية بأن الإنتاج العالمي لهذه المادة الحيوية لابد أن يرتفع من نحو 80 برميل يوميا حاليا، إلى نحو 115 مليون برميل يوميا بحلول العام 2020، إذا أريدت تلبية الطلب المتوقع(17).
وقد استطاعت الكويت أن تستثمر هذه الثروة بشكل عقلاني؛ وتسخرها لخدمة رخاء وتنمية مجتمعها؛ ودعم القضايا الإنسانية العادلة في محيطها الجهوي والدولي.
ففي كانون الأول/ ديسمبر لسنة 1961؛ بادرت بتأسيس “الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية”؛ الذي كان الغرض منه تقديم المساعدة الاقتصادية للدول العربية والإفريقية؛ وسرعان ما نما ليصبح واحدا من أكبر المؤسسات التمويلية في العالم الثالث(18).
ثالثا: المساعدات الخارجية كمدخل “لأنسنة” العلاقات الدولية
وعيا منها بأهمية جانب المساعدات الإنمائية الخارجية؛ كمدخل لتعزيز التعاون والتضامن الدوليين، أنشأت الكويت في شهر ديسمبر من سنة 1961 الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية؛ كمؤسسة لتوفير وإدارة المساعدة المالية والتقنية للدول النامية، برأسمال بلغ 50 مليون دينار كويتي، ليتطور بشكل كبير فيما بعد ويتجاوز 2000 مليون دينار كويتي.
وقد اقتصرت الأنشطة الإنمائية للصندوق في البداية على الدول العربية، قبل أن تتسع لتضم مختلف الدول النامية على امتداد مناطق مختلفة من العالم، حيث استفاد من خدماته التي فاقت 12 مليار دولار؛ عدد من الدول العربية بالإضافة إلى أكثر من 70 دولة نامية أخرى حول العالم(19).
ومن هذا المنطلق؛ فالصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية؛ أصبح يلعب دورا أساسيا ضمن الدبلوماسية الاقتصادية للكويت، عبر القروض التنموية الميسرة والهبات والمنح الاقتصادية الموجهة لمختلف البلدان في شتى بقاع العالم.
وعلى الرغم من الصعوبات المادية التي مرت بها الكويت في سنوات التسعينيات من القرن المنصرم، والتي فرضت عليها التزامات اقتصادية كبرى مرتبط بإعادة الإعمار.. فإن الصندوق ظل يشتغل في مهامه بشكل مستمر وفعال؛ وظلت الكويت تسخر إمكانيات كبيرة في مجال المساعدات الإنسانية سواء في المحيط العربي أو الإسلامي أو الدولي؛ وقد ظهر ذلك بشكل جلي خلال إعادة إعمار أفغانستان وفي أعقاب العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان.
وبالإضافة إلى خدمات هذا الصندوق، بادرت الكويت إلى تقديم مجموعة من القروض لمختلف البلدان العربية، وساهمت في البنك العربي الإفريقي برأسمال كبير (يقدر بحوالي 42,4 بالمائة) مما مكنه من إطلاق عمليات استثمارية في العديد من الدول العربية والإفريقية.
ومنذ فترات مبكرة؛ حرصت على تقديم مساهمات مباشرة مهمة من احتياطها إلى “دول المواجهة” العربية: سورية والعراق والأردن ومصر، وإلى منظمة التحرير الفلسطينية، وقد بلغ مجموع القروض المقدمة من هذا الاحتياطي إلى الدول العربية بين 1958 و1965 فقط؛ ما يناهز 119.8 مليون دينار كويتي(20)، بالشكل الذي سمح بتطوير الترسانة العسكرية العربية؛ عقب الحروب العربية – الإسرائيلية؛ هذا بالإضافة إلى المساهمة الفعالة في إنشاء العديد من المؤسسات التعليمية (مدارس وجامعات) وبناء الطرق والسدود.. في مختلف هذه البلدان..
وبعد اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية في أيلول / سبتمبر 1980، قدمت الكويت قرضا بدون فائدة قيمته 4 مليارات دولار إلى العراق(21).
ويوجد في الكويت حاليا ما يزيد على خمس وخمسين جمعية نفع عام في كافة المجالات، لم يتوقف نشاطها داخل المجتمع؛ بل خرج إلى بقاع كثيرة على وجه الأرض، تبني وتعمر، وتعلم وتطبب، تقدم العون والغوث في النكبات والنوازل(22)؛ وتساهم في بناء المساجد والمراكز الإسلامية والملاجئ والمؤسسات الصحية وحفر الآبار وإنشاء مساكن للفقراء.. ويبدو هذا التضامن والتعاون واضحا في الدائرة العربية والإسلامية.
ويشهد التاريخ على أن العمل الخيري في الكويت ليس أمرا حديثا، أو لاحقا على اكتشاف النفط ووفرة المال؛ بل هو قديم ومتأصل في المجتمع(23).
رابعا: سياسة خارجية متوازنة في عالم متحول
عندما حصلت الكويت على استقلالها في بداية الستينيات من القرن المنصرم، عملت بجدية على إيجاد مكانة لها بين أعضاء المجتمع الدولي، وهكذا انضمت للجامعة العربية(24) سنة 1961؛ قبل أن تحصل على عضوية الأمم المتحدة في 15 مايو 1963، ومنذ ذلك الحين وهي تساهم بحيوية ضمن فروعها واجتماعاتها، وتؤدي أقساطها المرتبطة بميزانية الهيئة بشكل منتظم.
وإيمانا منها بأهمية العمل الجماعي في عالم مليء بالمخاطر والتحديات العسكرية والاقتصادية التي فرضتها العولمة بكل تمظهراتها، الخارجية“>أسهمت في تأسيس وتطوير مجلس التعاون لدول الخليج العربي منذ سنة 1981، كإطار إقليمي للتعاون والتنسيق والتكامل.
الخارجية=””>
وقد تمكنت الكويت من رسم سياسة خارجية متوازنة على مختلف الواجهات: الخليجية؛ العربية؛ الإسلامية والدولية.
فعلى صعيد مجلس التعاون لدول الخليج العربي؛ قامت بجهود كبيرة تهدف من خلالها إلى بلورة تكامل اقتصادي في أفق تحقيق الوحدة المنشودة؛ وبذل جهود كبيرة على طريق تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة؛ عبر العمل على إيجاد حل عادل ودائم للصراع العربي – الإسرائيلي، والسعي لجعل المنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.
وعلى الرغم من المشاكل الأمنية التي لحقت بها منذ بداية التسعينيات من القرن المنصرم؛ والتي كان لها الأثر السيئ في تعطيل المخططات التنموية والاستراتيجية للكويت، فإن إيمانها بأهمية وحيوية العمل الجماعي، جعلها تواصل تحركها الفاعل ضمن هذا المجلس، حيث دعمت موقف أعضائه من قضية الجزر الإماراتية الثلاث، القاضي بإيجاد آلية للتفاوض من شأنها العمل على حل النزاع القائم بين الطرفين (الإمارات وإيران) حول هذه الجزر؛ وفقا لمبادئ وقواعد القانون الدولي وعلاقات حسن الجوار.
وانسجاما مع مقتضيات دستورها الذي ينص في مادته الأولى على أن: “الكويت دولة عربية مستقلة ذات سيادة تامة، ولا يجوز النزول عن سيادتها أو التخلي عن أي جزء من أراضيها؛ وشعب الكويت جزء من الأمة العربية”، دأبت الكويت على المشاركة في اجتماعات الجامعة العربية، وعملت على دعم الاستقرار في مختلف أقطار الوطن العربي، وتوجيه مساعدات اقتصادية مهمة إليها، ناهيك عن التجاوب الكبير مع دعوات التكامل الاقتصادي العربي.
وفي سبيل توفير الأجواء الكفيلة بتحقيق هذا الهدف، انخرط هذا البلد الصغير بفاعلية إيجابية في رأب الصدع الحاصل بين مختلف البلدان العربية (على مستوى العلاقات المغربية – الجزائرية، الصراع الذي كان قائما في اليمن قبل قيام الوحدة، الحرب الأهلية في لبنان، النزاع الذي قائما بين البحرين وقطر حول بعض الجزر، أو بين السعودية وقطر..)..
كما قدمت الدعم للقضية الفلسطينية من خلال استثمار مختلف المناسبات الدولية والجهوية لمطالبة إسرائيل بتنفيذ التزاماتها الدولية، وتقديم مختلف المساعدات للشعب الفلسطيني (المساهمة في الدفع بالمقاومة الفلسطينية منذ بداياتها الأولى، العمل على حقن الدماء العربية والفلسطينية في أعقاب أحداث أيلول لسنة 1970؛ بذل الجهود لحصد الاعتراف الدولي للقضية..)..
وعلى مستوى الدائرة الإسلامية؛ تمكنت الكويت من نسج علاقات ودية ومتينة (سياسيا واقتصاديا..) مع مختلف الأقطار الإسلامية وسجلت تضامنها مع قضاياه العادلة، فقد انضمت لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وشاركت بفعالية ضمن لقاءاته ومؤتمراته منذ سنة 1969؛ كما انخرطت للعمل بفاعلية في مختلف المؤسسات والهيئات.. الإسلامية؛ كالبنك الإسلامي للتنمية والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة..
وعلى الصعيد الدولي؛ تفاعلت دولة الكويت بشكل إيجابي مع مجمل التحولات الدولية المتسارعة، وعملت على نسج علاقات خارجية منفتحة ومتوازنة تنبني التعايش السلمي وعلى دعم الجهود الدولية الرامية لتحقيق السلم والأمن الدوليين؛ مع الالتزام باحترام الشرعية الدولية، والتعاون والتنسيق ضمن المؤسسات الجهوية والدولية بمختلف أشكالها السياسية والاقتصادية..
وأكدت غير ما مرة على أهمية الأمم المتحدة؛ في عالم يرزح تحت إكراهات وتحديات دولية كبرى، وضمن هذا السياق؛ وخلال كلمة وزير الخارجية لدولة الكويت أمام الدورة الستين للجمعية العامة للأمم المتحدة؛ بتاريخ 20 سبتمبر 2005؛ أشار هذا الأخير إلى مختلف التحديات الجديدة في العلاقات الدولية التي تشكل في مجملها خطرا على السلم والأمن الدوليين؛ من قبيل: الإرهاب، الفقر، الجوع، انتشار أسلحة الدمار الشامل، الأمراض الخطيرة، تدهور البيئة، انتهاكات حقوق الإنسان..؛ وأكد على أهمية وفعالية مقاربتها بشكل جماعي؛ في إطار من التنسيق والتعاون الدوليين.
وفي سبيل نسج علاقات اقتصادية دولية متوازنة وإنسانية، كانت الكويت من بين الدول الأولى التي طالبت بإجراء تخفيضات مؤثرة على ديون الدول النامية وإلغائها على بعض الدول المتعسرة.
وعلاقة بهذا الموضوع أيضا؛ أكدت على ضرورة إرساء قواعد شراكة جديدة بين الدول المتقدمة والدول النامية؛ تساهم في استقرار ونمو العلاقات الاقتصادية بين هذه الدول وتضع أسسا متوازنة وعادلة للتجارة الدولية؛ يتحمل فيها كل طرف مسؤولياته.. عبر دعم ومساعدة الهياكل الاقتصادية للدول النامية، والتزام الدول المتقدمة أيضا بتعهداتها بتقديم المساعدات المالية والفنية إليها؛ والعمل على تخفيف أعباء الديون وإلغائها عن الدول الأكثر فقرا؛ هذا بالإضافة إلى إلغاء القيود الجمركية على وصول السلع القادمة من هذه الدول؛ وتيسير حصولها على التكنولوجيا الكفيلة بتأهيلها للاندماج بشكل إيجابي في النظام الاقتصادي الدولي(25)..
كما سعت باستمرار إلى ضمان استقرار سوق النفط، بالقدر الذي يسمح بحفظ وثيرة التنمية الاقتصادية لجميع الدول.
وقد تمكنت في السنوات الأخيرة من بلورة مجموعة من المواقف؛ ففيما يخص الموقف من الأزمة العراقية الراهنة، فيبدو أن الكويت تتطلع إلى عراق قادر على تجاوز مشاكله؛ وتطمح إلى نسج علاقات جديدة معه، ذلك أن:”دولة الكويت مستمرة في دعم جهود الأخوة في العراق لإعادة الإعمار والبناء؛ إيمانا منها بأن استقرار العراق هو أولا وأخيرا في صالح استقرار هذه المنطقة من العالم، وفي صالح أمنها ورخائها”(26).
وعلاقة بموضوع الصحراء المغربية؛ عبرت الكويت عن إشادتها بالجهود التي يبذلها المغرب في هذا الصدد، لاسيما القرار القاضي بإنشاء المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، والمبادرة الرامية إلى إقامة حكم ذاتي في هذه المناطق في إطار السيادة المغربية؛ وأعربت عن أملها في أن تسهم هذه الأخيرة في إيجاد حل نهائي لهذه القضية؛ بما يخدم الاستقرار والتنمية والتطور في المنطقة المغاربية(27).
أما فيما يتعلق بتطورات الملف النووي الإيراني؛ فقد أكد مسؤول كويتي بأن إيران (تستفيد) كثيرا من أجواء خيبة الأمل والإحباط العربية والإسلامية إزاء تصرفات ومسلك إسرائيل في المنطقة، بالشكل الذي أدى إلى توفير المناخ الذي تستفيد منه إيران، مما يفرض معالجة المشهد الكبير من أجل مواجهة التصلب الإيراني بالنسبة للوفاء بالتزاماتها تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية(28).
وتشير هذه المعطيات إلى أن السياسة الخارجية للكويت؛ تطورت في السنوات الأخيرة تبعا للتغيرات التي شهدتها المنطقة (التبدل الحاصل في موازين القوى الإقليمي نتيجة سقوط النظام العراقي السابق)، وذلك بالانتقال من دبلوماسية وقائية يغلب عليها الهاجس الأمني؛ إلى دبلوماسية مبادرة ومنفتحة على مختلف القوى الاقتصادية الجهوية (دول مجلس التعاون الخليجي) والدولية (الاتحاد الأوربي..)، مما أصبح يؤهلها للقيام بأدوار دبلوماسية ناجعة على مستوى مقاربة ملفات وقضايا حيوية مطروحة على الصعيد الإقليمي والدولي (تطورات الملف النووي الإيراني، الأوضاع المأزومة في العراق، تحديات القضية الفلسطينية بعد وصول حماس إلى السلطة، الأزمة السياسية في لبنان….).