أ.د. أحمد محمد وهبان

السياسة بين المثالية والواقعية

كاتب الموضوع الأصلي: صالح الشنيف 1

المدرسة الواقعية في السياسة جاءت نتيجة لإخفاق بعض مدارس الفكر السياسي كالمدرسة الأخلاقية والدستورية . وهي مدرسة فكرية يؤمن معتنقوها أن هناك قواعد موضوعية تمتد إلى أعماق الذات البشرية لتسيس التصرفات السياسية عند الإنسان وبالتالي تسيس المجتمع وتسير به نحو الاستقرار .والواقعية السياسية تركز إهتمامها على جعل الفكر السياسي مرتبطا بالواقع تدعمه الممارسة العملية ، لا مجرد أمان وأحلام ونظريات بعيدة عن التحقق ، وهي تتلاقى في أهدافها ومراميها مع (المثالية الملتزمة) التي تحدد مُثلها بدقة بعيدة عن الخيال والوهم . وهنا يمكن مماهاة المثالية الملتزمة مع الواقعية التطبيقية .
إن في اعتماد هذه الإستراتيجية ، حكمة واقعية تعمل على ردم الهوة التي تفصل بين ما نبشر به من نظريات ومبادئ وما نعمل على تحقيقه من أعمال حياتية وسياسية . أما الأخطار التي تجابه هذه الإستراتيجية فهي تكمن في تجنب النشوة الخارقة التي تنشأ عن النجاح ، وكذلك تكمن في عدم التألم من خيبة الأمل ، وذلك للحفاظ على الحياة وأهميتها . ولتجنب الوقوع في أخطاء كما حصل سابقا في مصر ، أيام الخديوي إسماعيل عندما قال : إن بلادي ليست في أفريقيا وإنما هي جزء من أوربا . وقد انتهت هذه السياسة كما هو معروف بالديون الطائلة التي عجزت مصر عن وفائها والتسلط عليها . وفي تركيا ، هي محاولة مصطفى كمال ، يوم أقدم على نقل مدنية الغرب وغرسها في تركيا وفشل في ذلك كما هو حاصل هذه الأيام من صعود الأحزاب الإسلامية إلى السلطة . ومرد ذلك الفشل هو اعتماد العلاقة بين الواقعية المحلية والواقعية العالمية ، لان هناك ثمة فوارق يستوجب مراعاتها مهما كان التقارب شديدا بين شعب وآخر ، كالتقاليد والعادات وغيرها . وكذلك تكون تلك الإستراتيجية بعيدة عن الخلق والإبداع ويحصل شللا فكريا ، يبدأ بالتقوقع على الذات لينتهي بالتخلف والانحطاط . والخطأ الثاني هي الواقعية المهووسة ويعني بها (الميكانيكية) وتعتبر واقعية متطرفة ، إذ تقتصر على الإتباع التقليدي للمسالك المطروقة ، أي تعتمد على المنهج الوصفي الاستقرائي والتأليفي بعيدا عن ممارسة العمل السياسي . وهذا النوع من الواقعية غير قائم حتى في أكثر البلدان جمودا .
وكحل للمعضلة التي جابهت الواقعية السياسية والتي لاتزال تتحدها ، أجد من الضرورة الأخذ بحكمة أرسطو المبنية على الحل الوسط والتي تنحصر في مفهومين :
الأول : المفهوم المثالي الذي يدور على محوري الدولة المطلقة لكمال وخير الإنسان المطلق .
الثاني : المفهوم العملي الذي يعالج علاقات الناس السياسي والدستوري بعضهم ببعض في مجتمعات واقعية معينة .
يستدل من مفهوم السياسة عند أرسطو بتنازعه تياران : المثالية والواقعية . ولعل هذا ما يقودنا إلى التساؤل عن مدى تأثر الفكر السياسي اللاحق بأي هذين التيارين . والواقع أن تأثير أرسطو على الفكر السياسي لم يكن ليقرره المفهوم المثالي ، وإنما الفكر الواقعي التطبيقي للسياسة هو الذي أثر على الذي تلاه من المفكرين العاملين في الحقل السياسي .
ومن هذا المنطلق ينبغي التعرف على ما هو مقبول ومسوغ استخدامه في الميدان السياسي . وما هو مرفوض يستحق اللوم والتأنيب . نجد من الضرورة الوقوف على معنى المثالي :
1- المثالي هو من يضع ثقته بنظرية ما بقطع النظر عن إمكانية انطباقها على الواقع . فإذا كانت المثل الملتزمة خالية من التناقض ، فلا يحمل بين طياته نغمة اللوم او التأنيب .
2- أن اللوم والانتقاد ينصب على المثالي لاعتماده على الخيال والوهم ، فتصبح المثالية مرادفة (للتوهمية) أو عدم الواقعية . وبحكم هذا المفهوم هو لوم وتأنيب .
3- أما المعنى الثالث ، فهو مقياس للرجولة ، إذ يطلب من المرء الإيمان والتمسك بالمُثل العليا ومحاولة غرسها في أرض الواقع بحكمة ودراية وهو بالتالي تعتبر تمييز بين السياسي وبين المتسيس . وبهذا المعنى المثالي هو الرجل الذي يطبق او يحاول ان يطبق في حياته وتصرفاته ما يتخذه ويلزم به من مُثل ، فإذا نجح تماما محا الفجوة بين مُثله وواقعه وذهب بهما إلى التماهي . وهذا من جملة المقاييس التي تستخدم لسبر غور الرجولة الحقة . وهذه المقارنة تعتبر كمقياس للتمييز بين المثالية المقبولة والمرفوضة . ويعتبر هذا النهج أكثر مقبولية وصدقا عقلا وشرعا .

نُشرت في جريدة التآخي بالعدد 5986 السبت 13/11/2010
عدنان الطائي

Leave a Comment