السياسة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم
كاتب الموضوع الأصلي: عبد المجيد الراجحي
صلح الحديبية
وشروطه بين المسمين بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبين مشركي قريش أهل مكة
لم تخمد مشاعر المسلمين في المدينة شوقاً إلى مكة ، التي حيل بينهم وبينها ظلماً وعدواناً ،
وما برحوا ينتظرون اليوم الذي تُتاح لهم فيه فرصة العودة إليها والطواف ببيتها العتيق ،
إلى أن جاء ذلك اليوم الذي برز فيه النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ليخبرهم
برؤياه التي رأى فيها دخوله لمكة وطوافه بالبيت ، فاستبشر المسلمون بهذه الرؤيا
لعلمهم أن رؤيا الأنبياء حق ، وتهيّؤوا لهذه الرحلة العظيمة .
وفي يوم الإثنين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم ، يريد العمرة ومعه ألف وأربعمائة من الصحابة ،
وليس معهم إلا سلاح السفر ، فأحرموا بالعمرة من ذي الحليفة ، فلما اقتربوا من مكة
بلغهم أن قريشاً جمعت الجموع لمقاتلتهم وصدهم عن البيت .
فلما نزل الرسول بالحديبية أرسل عثمان رضي الله عنه إلى قريش وقال له :
أخبرهم أنا لم نأت لقتال ، وإنما جئنا عماراً ، وادعهم إلى الإسلام ،
وأَمَرَه أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات ، فيبشرهم بالفتح ،
وأن الله عز وجل مظهر دينه بمكة ، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان .
فانطلق عثمان ، فمر على قريش ، فقالوا : إلى أين ؟ فقال :
بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام ،
ويخبركم : أنه لم يأت لقتال ، وإنما جئنا عماراً . قالوا :
قد سمعنا ما تقول ، فانفذ إلى حاجتك .
ولكن عثمان احتبسته قريش فتأخر في الرجوع إلى المسلمين ،
فخاف الرسول صلى الله عليه وسلم عليه ، وخاصة بعد أن شاع
أنه قد قتل ، فدعا إلى البيعه ، فتبادروا إليه ، وهو تحت الشجرة ،
فبايعوه على أن لا يفروا ، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها قوله :
{ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } (سورة الفتح 18) .
وأرسلت قريش عروة بن مسعود إلى المسلمين فرجع إلى أصحابه ، فقال :
أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك -كسرى ، وقيصر والنجاشي
والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً
والله ما انتخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده،
وإذا أمر ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه
وإذا تكلم خفضوا أصواتهم ، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له
ثم قال : وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها .
ثم أسرعت قريش في إرسال سهيل بن عمرو لعقد الصلح ،
فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال : (قد سهل لكم أمركم)
أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل ، فتكلم سهيل طويلاً ثم اتفقا على قواعد الصلح ، وهي :
الأولى : رجوع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من عامه
وعدم دخول مكة ، وإذا كان العام القادم دخلها المسلمون بسلاح الراكب ، فأقاموا بها ثلاثاً .
الثانية : وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين ، يأمن فيها الناس .
الثالثة : من أحب أن يدخل في عقد مع محمد وعهده دخل فيه ،
ومن أحب أن يدخل في عقد مع قريش وعهدهم دخل فيه .
الرابعة : من أتى محمداً من قريش من غير إذن وليه رده إليهم ،
ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يرد إليه .
وقيل أن بنود صلح الحديبية كالتالي
1ــ وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض .
2 ــ أن من آمن وأتى النبي صلى الله عليه وسلم دون إذن وليه رده ،
ومن أتى قريشاً ممن كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه .
3 ــ أن بينهم عيبة مكفوة .
4 ــ أنه لا إسلال ( لا سرقة ) ولا إغلال ( لا خيانة ) .
5 ــ أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في
عقد قريش وعهدهم دخل فيه .
6 ــ أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة عامه ذاك فلا يدخلها .
7 ــ أن تخرج قريش عن النبي صلى الله عليه وسلم في العام القابل عن الحرم
فيعتمر ويدخل مكة بأصحابه .
8 ــ أن لا يكون معه في دخوله مكة غير سلاح الراكب وتكون السيوف في القرب .
9 ــ أن لا يخرج من مكة بأحد من أهلها إن أراد أن يتبعه .
10 ــ أن لا يمنع أحدا من أصحابه إن أراد البقاء بمكة والإقامة فيها
ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم : هات اكتب بيننا وبينك كتاباً ،
فدعا الكاتب -وهو علي بن أبي طالب – فقال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم،
فقال سهيل : أما الرحمن ، فما أدري ما هو ؟ ولكن اكتب : باسمك اللهم كما كنت تكتب
. فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ،
فقال صلى الله عليه وسلم : اكتب : باسمك اللهم ، ثم قال :
اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل :
والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ،
ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال : إني رسول الله ،
وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله،
ثم تمت كتابة الصحيفة ،
ودخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ودخلت بنو بكر في عهد قريش .
فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل ، وقد خرج من أسفل مكة يرسف
-يمشي مقيداً- في قيوده ، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ،
فقال سهيل : هذا يا محمد! أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي ،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال :
إذاً والله لا أصالحك على شئ أبداً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
فأجزه لي، قال : ما أنا بمجيزه لك . قال : بلى، فافعل، قال :
ما أنا بفاعل . قال أبو جندل : يا معشر المسلمين !
كيف أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما لقيت ؟ –
وكان قد عذب في الله عذاباً شديداً- قال عمر بن الخطاب :
والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ . فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ،
فقلت : يا رسول الله ! ألست نبي الله ؟ قال : بلى، قلت : ألسنا على الحق ،
وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : علام نعطى الدنية في ديننا ؟
ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا ؟ فقال : إني رسول الله ، وهو ناصري ،
ولست أعصيه . قلت : ألست كنت تحدثنا : أنا نأتي البيت ، ونطوف به . قال : بلى ،
أفاخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا، قال : فإنك آتيه ومطوف به .
قال : فأتيت أبا بكر ، فقلت له مثلما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ورد علي كما رد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم
سواء ، وزاد : فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق .
فلما فرغ من قضية الكتاب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه :
قوموا فانحروا، ثم احلقوا، وما قام منهم رجل ، حتى قالها ثلاث مرات .
فلما لم يقم منهم أحد ، قام ولم يكلم أحداً منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه .
فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً .
ثم جاء نسوة مؤمنات ، فأنزل الله :
{يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} (سورة الممتحنة 10)
. وفي مرجعه صلى الله عليه وسلم : أنزل الله سورة الفتح :
{إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } الآية ،
فقال عمر : أو فتح هو يا رسول الله ؟ قال : نعم ، قال الصحابة :
هذا لك يا رسول الله ، فما لنا ؟ فأنزل الله :
{ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم}
الآيتين إلى قوله : {فوزا عظيما} (سورة الفتح 1-5) .
ولما رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير -رجل من قريش- مسلماً ، فأرسلوا في طلبه رجلين ،
وقالوا : العهد الذي بيننا وبينك ، فدفعه إلى الرجلين ، فخرجا به ، حتى بلغا ذا الحليفة .
فنزلوا يأكلون من تمر لهم . فقال أبو بصير لأحدهما: إني أرى سيفك هذا جيداً. فقال: أجل ،
والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت ، فقال : أرني أنظر إليه ، فقتله بسيفه ،
ورجع أبو بصير إلى المدينة ، فقال : يا نبي الله ! قد أوفى الله ذمتك،
قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم ، فقال صلى الله عليه وسلم :
ويل أمه مسعر حرب ، لو كان له أحد . فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ،
فخرج حتى أتى سيف البحر، وتفلت منهم أبو جندل ، فلحق بأبي بصير ،
فلا يخرج من قريش رجل -قد أسلم- إلا لحق به ، حتى اجتمعت منهم عصابة
. فما سمعوا بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها ،
فقاتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم
تناشده الله والرحم أن أتاه منهم فهو آمن .
وكان هذا الصلح فتحاً عظيماً ، ونصراً مبيناً للمسلمين ،
وذلك لما ترتب عليه من منافع عظيمة ؛ حيث اعترفت
قريش بالمسلمين ، وقوتهم ، وتنازلت عن صدارتها