أ.د. أحمد محمد وهبان

السياسه الخارجيه لدولة الكويت

كاتب الموضوع الأصلي: صرح مصدر مسؤول

قد تمكنت الكويت من رسم سياسة خارجية متوازنة على مختلف الواجهات: الخليجية؛ العربية؛ الإسلامية والدولية.

فعلى صعيد مجلس التعاون لدول الخليج العربي؛ قامت بجهود كبيرة تهدف من خلالها إلى بلورة تكامل اقتصادي في أفق تحقيق الوحدة المنشودة؛ وبذل جهود كبيرة على طريق تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة؛ عبر العمل على إيجاد حل عادل ودائم للصراع العربي – الإسرائيلي، والسعي لجعل المنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.

وعلى الرغم من المشاكل الأمنية التي لحقت بها منذ بداية التسعينيات من القرن المنصرم؛ والتي كان لها الأثر السيئ في تعطيل المخططات التنموية والاستراتيجية للكويت، فإن إيمانها بأهمية وحيوية العمل الجماعي، جعلها تواصل تحركها الفاعل ضمن هذا المجلس، حيث دعمت موقف أعضائه من قضية الجزر الإماراتية الثلاث، القاضي بإيجاد آلية للتفاوض من شأنها العمل على حل النزاع القائم بين الطرفين (الإمارات وإيران) حول هذه الجزر؛ وفقا لمبادئ وقواعد القانون الدولي وعلاقات حسن الجوار.

وانسجاما مع مقتضيات دستورها الذي ينص في مادته الأولى على أن: “الكويت دولة عربية مستقلة ذات سيادة تامة، ولا يجوز النزول عن سيادتها أو التخلي عن أي جزء من أراضيها؛ وشعب الكويت جزء من الأمة العربية”، دأبت الكويت على المشاركة في اجتماعات الجامعة العربية، وعملت على دعم الاستقرار في مختلف أقطار الوطن العربي، وتوجيه مساعدات اقتصادية مهمة إليها، ناهيك عن التجاوب الكبير مع دعوات التكامل الاقتصادي العربي.

وفي سبيل توفير الأجواء الكفيلة بتحقيق هذا الهدف، انخرط هذا البلد الصغير بفاعلية إيجابية في رأب الصدع الحاصل بين مختلف البلدان العربية (على مستوى العلاقات المغربية – الجزائرية، الصراع الذي كان قائما في اليمن قبل قيام الوحدة، الحرب الأهلية في لبنان، النزاع الذي قائما بين البحرين وقطر حول بعض الجزر، أو بين السعودية وقطر..)..

كما قدمت الدعم للقضية الفلسطينية من خلال استثمار مختلف المناسبات الدولية والجهوية لمطالبة إسرائيل بتنفيذ التزاماتها الدولية، وتقديم مختلف المساعدات للشعب الفلسطيني (المساهمة في الدفع بالمقاومة الفلسطينية منذ بداياتها الأولى، العمل على حقن الدماء العربية والفلسطينية في أعقاب أحداث أيلول لسنة 1970؛ بذل الجهود لحصد الاعتراف الدولي للقضية..)..

وعلى مستوى الدائرة الإسلامية؛ تمكنت الكويت من نسج علاقات ودية ومتينة (سياسيا واقتصاديا..) مع مختلف الأقطار الإسلامية وسجلت تضامنها مع قضاياه العادلة، فقد انضمت لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وشاركت بفعالية ضمن لقاءاته ومؤتمراته منذ سنة 1969؛ كما انخرطت للعمل بفاعلية في مختلف المؤسسات والهيئات.. الإسلامية؛ كالبنك الإسلامي للتنمية والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة..

وعلى الصعيد الدولي؛ تفاعلت دولة الكويت بشكل إيجابي مع مجمل التحولات الدولية المتسارعة، وعملت على نسج علاقات خارجية منفتحة ومتوازنة تنبني التعايش السلمي وعلى دعم الجهود الدولية الرامية لتحقيق السلم والأمن الدوليين؛ مع الالتزام باحترام الشرعية الدولية، والتعاون والتنسيق ضمن المؤسسات الجهوية والدولية بمختلف أشكالها السياسية والاقتصادية..

وأكدت غير ما مرة على أهمية الأمم المتحدة؛ في عالم يرزح تحت إكراهات وتحديات دولية كبرى، وضمن هذا السياق؛ وخلال كلمة وزير الخارجية لدولة الكويت أمام الدورة الستين للجمعية العامة للأمم المتحدة؛ بتاريخ 20 سبتمبر 2005؛ أشار هذا الأخير إلى مختلف التحديات الجديدة في العلاقات الدولية التي تشكل في مجملها خطرا على السلم والأمن الدوليين؛ من قبيل: الإرهاب، الفقر، الجوع، انتشار أسلحة الدمار الشامل، الأمراض الخطيرة، تدهور البيئة، انتهاكات حقوق الإنسان..؛ وأكد على أهمية وفعالية مقاربتها بشكل جماعي؛ في إطار من التنسيق والتعاون الدوليين.

وفي سبيل نسج علاقات اقتصادية دولية متوازنة وإنسانية، كانت الكويت من بين الدول الأولى التي طالبت بإجراء تخفيضات مؤثرة على ديون الدول النامية وإلغائها على بعض الدول المتعسرة.

وعلاقة بهذا الموضوع أيضا؛ أكدت على ضرورة إرساء قواعد شراكة جديدة بين الدول المتقدمة والدول النامية؛ تساهم في استقرار ونمو العلاقات الاقتصادية بين هذه الدول وتضع أسسا متوازنة وعادلة للتجارة الدولية؛ يتحمل فيها كل طرف مسؤولياته.. عبر دعم ومساعدة الهياكل الاقتصادية للدول النامية، والتزام الدول المتقدمة أيضا بتعهداتها بتقديم المساعدات المالية والفنية إليها؛ والعمل على تخفيف أعباء الديون وإلغائها عن الدول الأكثر فقرا؛ هذا بالإضافة إلى إلغاء القيود الجمركية على وصول السلع القادمة من هذه الدول؛ وتيسير حصولها على التكنولوجيا الكفيلة بتأهيلها للاندماج بشكل إيجابي في النظام الاقتصادي الدولي(25)..

كما سعت باستمرار إلى ضمان استقرار سوق النفط، بالقدر الذي يسمح بحفظ وثيرة التنمية الاقتصادية لجميع الدول.

وقد تمكنت في السنوات الأخيرة من بلورة مجموعة من المواقف؛ ففيما يخص الموقف من الأزمة العراقية الراهنة، فيبدو أن الكويت تتطلع إلى عراق قادر على تجاوز مشاكله؛ وتطمح إلى نسج علاقات جديدة معه، ذلك أن:”دولة الكويت مستمرة في دعم جهود الأخوة في العراق لإعادة الإعمار والبناء؛ إيمانا منها بأن استقرار العراق هو أولا وأخيرا في صالح استقرار هذه المنطقة من العالم، وفي صالح أمنها ورخائها”(26).

وعلاقة بموضوع الصحراء المغربية؛ عبرت الكويت عن إشادتها بالجهود التي يبذلها المغرب في هذا الصدد، لاسيما القرار القاضي بإنشاء المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، والمبادرة الرامية إلى إقامة حكم ذاتي في هذه المناطق في إطار السيادة المغربية؛ وأعربت عن أملها في أن تسهم هذه الأخيرة في إيجاد حل نهائي لهذه القضية؛ بما يخدم الاستقرار والتنمية والتطور في المنطقة المغاربية(27).

أما فيما يتعلق بتطورات الملف النووي الإيراني؛ فقد أكد مسؤول كويتي بأن إيران (تستفيد) كثيرا من أجواء خيبة الأمل والإحباط العربية والإسلامية إزاء تصرفات ومسلك إسرائيل في المنطقة، بالشكل الذي أدى إلى توفير المناخ الذي تستفيد منه إيران، مما يفرض معالجة المشهد الكبير من أجل مواجهة التصلب الإيراني بالنسبة للوفاء بالتزاماتها تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية(28).

وتشير هذه المعطيات إلى أن السياسة الخارجية للكويت؛ تطورت في السنوات الأخيرة تبعا للتغيرات التي شهدتها المنطقة (التبدل الحاصل في موازين القوى الإقليمي نتيجة سقوط النظام العراقي السابق)، وذلك بالانتقال من دبلوماسية وقائية يغلب عليها الهاجس الأمني؛ إلى دبلوماسية مبادرة ومنفتحة على مختلف القوى الاقتصادية الجهوية (دول مجلس التعاون الخليجي) والدولية (الاتحاد الأوربي..)، مما أصبح يؤهلها للقيام بأدوار دبلوماسية ناجعة على مستوى مقاربة ملفات وقضايا حيوية مطروحة على الصعيد الإقليمي والدولي (تطورات الملف النووي الإيراني، الأوضاع المأزومة في العراق، تحديات القضية الفلسطينية بعد وصول حماس إلى السلطة، الأزمة السياسية في لبنان….).

Leave a Comment