السياسه السعوديه تجاه الربيع العربي 1
كاتب الموضوع الأصلي: سليمان الفاضل1
تتميز السياسة السعودية تجاه الثورات العربية بأنها سياسة متغيرة وغير متماثلة في ذات الوقت؛ إذ بينما كانت سياسة السعودية تجاه ما حدث في كل من مصر وتونس واليمن معارضة لسقوط أنظمة الحكم في تلك الدول، فإنها تدخلت بشكل مباشر في الأزمة البحرينية، ثم آثرت عدم الظهور في الصورة بشكل مباشر في كل من الأزمتين الليبية والسورية.
“
بينما كانت سياسة السعودية تجاه ما حدث في كل من مصر وتونس واليمن معارضة لسقوط أنظمة الحكم في تلك الدول، فإنها تدخلت بشكل مباشر في الأزمة البحرينية، ثم آثرت عدم الظهور في الصورة بشكل مباشر في كل من الأزمتين الليبية والسورية.
”
وتقوم السعودية اليوم بقيادة تيار عربي تمثله الأنظمة الملكية، وهي الأنظمة الوحيدة في المنطقة التي لا تزال تحافظ على استقرارها نسبيًا، وذلك بهدف جعل تكتل كهذا عنصر أمان لكل نظام، وهو ما يعبر عن خوف حقيقي يتملك الأنظمة العربية التقليدية من السقوط كما سقطت الأنظمة الجمهورية.
وترى السعودية أن التدخل الخارجي في المنطقة ووجود إسرائيل يمثلان حلقة كاملة قد يتم استغلالها من قوى دولية لتغيير وجه المنطقة سياسيًا، وهي بقيادتها لتحالف الأنظمة الملكية تحاول جاهدة أن تُفشل أي مشروع دولي قد يستهدف هذه الأنظمة؛ خاصة وأن السياسة الدولية تجاه المنطقة قد أخذت طابعا يتسم بالكثير من التردد والتخبط في بعض الأحيان.
لقد اتسمت السياسة السعودية منذ تأسيس الدولة بأنها سياسة محافظة وقد استفادت المملكة السعودية من هذا التحفظ في أزمات كثيرة عصفت بالعالم، وكان للمملكة نصيب منها، ونذكر منها على سبيل المثال أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، والتحدي الأمني الذي استمر في المملكة لسنوات ولم ينته بشكل كامل حتى يومنا هذا. ولربما كان لهذا التحفظ السياسي الذي اتبعته المملكة يدا في أن توصف السياسة السعودية بعدم الوضوح في طرحها لمواقفها تجاه الثورات العربية؛ مما يجعلها عرضة للاتهام بعدم تأييدها لثورات الشعوب العربية على أنظمتها. وقد يكون من الأجدى لصانع القرار السعودي أن ينتهج سياسة أكثر شفافية، وأن يفصح بوضوح عن مخاوفه؛ لأنّ شأن ذلك أن يوجِد إمكانية للحوار بينه وبين قيادات الثورة في كل دولة.
السعودية والبحث عن الدور القيادي القومي
السعودية وصعوبة العودة إلى الوراء
السعودية وتسونامي تونس
السعودية والثورة المصرية
الموقف من الثورة اليمنية
موقف متحفظ من الأزمة السورية
خاتمة
السعودية والبحث عن الدور القيادي القومي
لطالما بحثت السعودية عن دور قومي قيادي في المنطقة، لكن دورًا كهذا كان قد استحوذت عليه مصر بزعامة جمال عبدالناصر في الستينيات، وحاولت لعبه العراق في عهد صدام حسين في الثمانينيات وبداية التسعينيات، ومن ثم مصر من جديد خلال حكم حسني مبارك “المتنحي مؤخرا” بعد وقوع العراق تحت الاحتلال الأمريكي. ولكن السعودية استطاعت على أية حال، ومنذ منتصف السبعينات، أن تصبح لاعباً رئيساً في الشأن العربي القومي. والمفترض أن يوفر سقوط مبارك للسعودية فرصة للاضطلاع بدور أكبر بكثير، ولكن المملكة تجد نفسها الآن محاطة بلاعبين جدد أكثر قوة من الرؤساء الذين سقطوا، وهؤلاء اللاعبون الجدد هم الشعوب العربية الثائرة التي تمردت على أنظمة حكم يتشابه معها نظام الحكم في المملكة السعودية.
إن المملكة السعودية تجد نفسها اليوم أمام خيارين، الأول يتمثل في مواصلة دورها الجديد والمحفوف بالكثير من المخاطر التي قد تضر بصورتها وسمعتها الإقليمية والدولية في محيط عربي أصبح يرفض أطروحاتها السياسية والدينية والاجتماعية، والثاني أن تسلك مسار الانكماش لتعود كما كانت دولة إقليمية خليجية ذات تأثير محدود في محيطها الخليجي فقط.
كما تواجه السعودية أيضًا خطر فشل العرض الذي قدمته باسم مجلس التعاون الخليجي للملكة المغربية بالانضمام للمجلس؛ مما قد يفكك مشروع التوسع المنشود قبل تحققه؛ وذلك أن المغرب الذي يشهد حراكًا سياسيًا منذ فترة قد أقر تعديلات دستورية مؤخرا، ولا يمكن لتعديلات كهذه أن تتناسب مع سياسات مجلس التعاون الخليجي، مما سيجعل المغرب، وحتى الأردن، غير قادرين على التناغم مع دول المجلس في مسألة اعتماد سياسة خارجية موحدة، خاصة إذا ما واصلت السعودية اعتماد سياسات غير مرحبة بالثورات العربية.
السعودية وصعوبة العودة إلى الوراء
هل ينظر الساسة السعوديون إلى الوضع السياسي الراهن على أنه من الممكن التعامل معه بأسلوب التراجع إلى الخلف؟ يبدو أن صانع القرار في المملكة السعودية لم يكن لديه الكثير من الخيارات فيما يتعلق بهذا الجانب، حيث أدى تصاعد الخطر المذهبي الشيعي المدعوم من الدولة الطموحة إيران إلى إدخال صانع القرار السعودي في حالة من الإرباك. وإن حاولت المملكة أن تظهر بمظهر صانع الأحداث في كثير من تحركاتها إلا أنها أجادت في الشهور الأخيرة استخدام مجلس التعاون الخليجي كبوابة لسياساتها، خاصة مع التراجع غير المفاجىء في دور الجامعة العربية. ومن هنا، يأتي تمترس المملكة السعودية خلف مجلس التعاون الخليجي، ومحاولة ضم المزيد من الدول لهذا المجلس كنتيجة لإدراك الرياض ومن ورائها عواصم دول الخليج العربي الأخرى أن مجلسهم –كمنظومة إقليمية- قد يصبح بديلاً مؤقتًا لا مفر منه عن الجامعة العربية، ولمواجهة أخطار داخلية تتمثل في بدء تململ الكثيرين من الواقع السياسي في منطقة الخليج والذي لم يعد مرضيًا لمجموعة من النخب في عدة دول خليجية.
وجاءت رغبة السعودية أيضًا في توسيع الدائرة التي تشمل دول مجلس التعاون الخليجي كخطوة تهدف إلى تفعيل دورها القيادي الجديد الذي تسعى لاكتسابه في العالم العربي في مواجهة الدور التركي المتنامي، والذي أصبح يكتسب رصيدًا شعبيًا عربيًا لا يمكن التهاون به.
إن ما تهدف إليه المملكة العربية السعودية هو وقف حالة المد الثوري العربي بمعطياتها الحالية. ولربما كانت السعودية ستبدو أقل تشددًا في نظرتها لتلك الثورات لو أنها – أي الثورات- لم تتبنَّ مطالب الإصلاح الشامل، لأن الإصلاح الشامل والذي يعني الديمقراطية الحقيقية يُعد نموذجًا لا يتوائم ولا يتناسب مع أركان وأسس الحكم الملكي التقليدي الذي لا يزال سائدا في المملكة السعودية وفي معظم الأقطار العربية الأخرى التي لم يصلها المد الثوري الجديد. كما أن المملكة لسعودية كانت ستبدو أكثر حيادية فيما لو اعتمدت الحركات الثورية مطالب الإصلاح دون تغيير واجهات الحكم في بلادها؛ ولكنها (أي السعودية) أدركت لاحقًا أن تلك الشعوب لم يكن بمقدورها التناغم مع رؤيتها تلك؛ لأن الوضع السياسي والاقتصادي في تلك البلدان كان قد وصل إلى مرحلة يصعب معها الوصول إلى أنصاف الحلول.
السعودية وتسونامي تونس
“
جاءت رغبة السعودية أيضًا في توسيع الدائرة التي تشمل دول مجلس التعاون الخليجي كخطوة تهدف إلى تفعيل دورها القيادي الجديد الذي تسعى لاكتسابه في العالم العربي في مواجهة الدور التركي المتنامي.
”
لا يمكن أن ننكر أن الثورة التونسية هي التي كانت السبب الرئيس في التغيير الذي بدأ يدق أبواب العالم العربي بأجمعه. وربما اعتبرت أنظمة الحكم العربية أن ما أصاب تونس لن يصيبها، ولكن هذه الأنظمة وفي تلك الليلة التي كان يبحث فيها الرئيس التونسي عن مدرج مطار لتهبط عليه طائرته كانت تدرك أن ثمة أمرا كبيرا جدًا قد وقع في العالم العربي، شاءت أم أبت. وكانت استضافة المملكة العربية السعودية لبن علي تمثل مرحلة متقدمة على مستوى صنع القرار؛ إذ إن رئيسًا عربيًا واحدًا لم يجروء على السماح لبن علي بالهبوط في بلده، وقد يكون سبب ذلك هو الخشية من تسريع إمكانية وقوع ثورة مشابهة على نظام حكمه؛ فآثر جميع الحكام العرب التزام الصمت، وكان رفضهم لاستقبال بن علي اعترافًا منهم أن ثمة أخطاء كبيرة تُرتكب في العالم العربي.
ومن ناحية أخرى فإن السعودية لم تكن في خضم معارضتها للثورة التونسية تهتم بالوضع الداخلي السعودي الذي يبدو متماسكًا أكثر من اهتمامها بأن لا تتجاوز ثورة تونس الأراضي التونسية، وطمأنة جيرانها العرب أنها تقف بحزم في مواجهة أي مد ثوري، وأنها تضع ثقلها وإمكاناتها في سبيل استمرار تلك الأنظمة.
لم تكن تونس لتمثل خطرًا إستراتيجيًا على المملكة العربية السعودية إذا ما تغير نظام الحكم فيها؛ فتونس لا تتصل بالمملكة كاتصال مصر والأردن واليمن، ويكاد التأثير التونسي على نظام الحكم وسياسات المملكة السعودية لا يُذكر إذا ما قارنّا تأثير مصر ودول أخرى محيطة بالمملكة؛ ولذلك لم تسجل السياسة السعودية تجاه تونس منذ انهيار نظام حكم بن علي فيها أية تجاذبات ذات تأثير يُذكر، بعكس ما جرى في موقف السعودية من ثورات مصر والبحرين واليمن