أ.د. أحمد محمد وهبان

"السيطرة الصامتة: الرأسمالية العالمية وموت الديموقراطية"(2)

كاتب الموضوع الأصلي: صالح الشنيف 1

يضم الكتاب بين دفتيه مجموعة من الفصول, يتعرض كل منها للعديد من الأفكار (سنحصرها هنا في سبعة أفكار), تدور في مجملها حول ما تسميه الكاتبة ب”السلطة الصامتة”:

+ الفكرة الأولى ومفادها, بوجهة نظر المؤلفة, أن السيطرة الصامتة بدأت حقا وحقيقة عندما صعدت تاتشر وريغان للسلطة, وتبنيهما المطلق للسوق الحرة, ومعاداتهما لمفهوم الدولة المتدخلة, التي سادت منذ ثلاثينات القرن الماضي (بتنظير من ماينار كينز), وإيمانهما برجال اقتصاد جدد من قبيل ملتون فريدمان وجون حاييك, لم يكن يجادلا في أن “الأسواق يمكن أن تفشل, بل وفشلت. إنما آمنا بأن السوق الحرة قادرة بشكل أفضل من الدولة على توزيع البضائع والخدمات, وأن محاولات الحكومة لمحاربة إخفاقات السوق تؤذي أكثر مما تفيد”, لا بل تولد البلادة والتواكل.

بالتالي, فقد تغيرت الأولويات. لم يعد دور الدولة إعادة توزيع الثروة, وتحددت معايير الفقر بالحاجة المطلقة وأضحى الجشع شيئا حسنا, وظهرت مقولة “الانسياب الخفيف”, التي بمقتضاها أن الأغنياء “إذا منحوا حوافز مثل الضرائب المخفضة, فإنهم بدورهم سيجدون حوافز للعمل كمقاولين, وهكذا سيعملون على ازدهار النمو وخلق الوظائف, أو إذا حولت صناعات الخدمة العامة إلى القطاع الخاص, فإنها ستسير بشكل أجود وستوفر وظائف أكثر لأناس, ستبدأ أعدادهم في التناقص من سجلات المعونة الاجتماعية”.

وهي المقولة (مقولة الانسياب الخفيف) التي سرعان ما انتشرت بالعالم كالنار في الهشيم بالدول المتقدمة, كما بالعديد من دول أمريكا اللاتينية, وآسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية, وأصبحت الرأسمالية هي الإيديولوجيا المهيمنة في العالم. هذه الأخيرة لم تعد, بعد انتهاء الحرب الباردة, قادرة على مقاومة نظام رأسمالي دولي, تنامت ثروته كثيرا عبر العقدين الماضيين.

مقابل ذلك, بدأت دول العالم الأول تسحب معوناتها التقليدية, التي كانت أداة تنمية لتتعادل, هذه المساعدات مع الاستثمار الأجنبي المباشر بالعام 1992, وليتجاوزها بالعام 1997, حيث كان مستوى الاستثمار الأجنبي المباشر 160 مليار دولار, في حين لم يتعد نصيب المساعدات ال 40 مليار, بسبب أساس: هو أن الدافع السياسي والإيديولوجي الذي كان خلف هذه المساعدات, لم يعد حاضرا بانتهاء الحرب بين المعسكرين, لا بل حتى الديموقراطيون “الجدد” (من أمثال بلير وكلنتون) بدأوا يؤكدون على مركزية التجارة والصناعة والاستثمار والتنافس والتجارة الحرة, بدل الاهتمام كما كان بالسابق بالعدالة الاجتماعية, على الرغم من أن هذا النموذج لم يتقاطع كثيرا مع ما كان سائدا بأوروبا, من أنظمة حماية, ورعاية اجتماعية وغيرها (جوسبان مثلا كان يفضل الحديث عن اقتصاد سوق لا عن مجتمع سوق).

وعلى الرغم من بعض الترددات هنا وهناك, تقول المؤلفة, فإن الأفكار سرعان ما بدأت تتلاقى, والعالم ينكمش والدولة تتراجع والسوق يحل محلها, ليس فقط بسبب ظهور منتوجات مالية وتجارية جديدة, ولكن أيضا بسبب الثورة التكنولوجية في المعلومات, التي خفضت تكاليف النقل والتواصل, وفسحت في المجال للرساميل كي تنتقل “بسرعة الصاروخ, من قبيل مستثمري مؤسسات وصناديق التوفير والجمعيات التعاونية” وغيرها.

أما الشركات, فلم تعد تفكر في “حل سلاسل إنتاجها ووضع الحلقات في العالم كله حيثما كان ذلك مجزيا, هي تصمم منتوجاتها في مكان, وتدخل في تحالفات إنتاجية في مكان آخر. تشتري عناصر المنتج من مكان ما, وتقوم بتصنيعها في مكان آخر. تشتري المدخلات وتأتي برأس المال وبالمواد الخام وحتى بالعمالة, من أي مكان تكون فيه تكاليف الإنتاج أقل, والإعفاءات أكثر والحصول على المواد الخام أو المهارات أرخص, والتسويق في مكان آخر”.

كانت نتيجة كل ذلك مرضية إلى حد ما, تقول الكاتبة. إذ ارتفع ببريطانيا مثلا, عدد من صاروا يملكون بيوتا إلى الثلثين, بينما لم يكن ذلك يتعدى نصف السكان, قبل وصول تاتشر إلى السلطة. وازدادت مبيعات التلفاز والثلاجات والسيارات وغيرها. كما وصلت البطالة أدنى مستوياتها منذ بداية الثمانينات, وتراجع التضخم عما كان عليه بالسبعينات, وبدأ العديد من البريطانيين يقضون عطلهم دون إكراه كبير…وهكذا.

وبناء عليه تقول الكاتبة, ف”يبدو أن حرية عمل الرأسمالية قد انتصرت. ولعل تسليم الاقتصاد للسوق كان هو الخيار الصحيح. ويبدو أن كل هذا يبدو عظيما عند أول نظرة. ولكن كما يقولون, ليس هناك شيء بلا ثمن”.

+ الفكرة الثانية وتتمثل بنظر الكاتبة, في أن “الليبيرالية الجديدة…لم تعط لكل واحد منا النتائج التي وعدنا بها, والتي توقعناها أو رغبنا فيها. والمعايير التقليدية للتنمية الاقتصادية مثل إجمالي الناتج المحلي بالنسبة إلى الفرد أو معدل نمو إجمالي الناتج المحلي, تعتم على الحقيقة”.

فالتحول الذي طرأ على السياسة باتجاه الليبرالية الجديدة, “كان يفترض فيه كما قال أنصاره, التقاء مستويات الأمم الأغنى والأمم الأفقر. ولكن هذا لم يحدث قط. إذ ترى غالبية الاقتصاديات النامية والانتقالية, أن فجوات الدخل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب, هي اليوم أوسع مما كانت عليه من قبل”.

وبالدول (كالشيلي مثلا) التي اعتمدت الليبيرالية الجديدة في أعلى صورها, فإن المال الذي تم كسبه, لم يوزع على الشعب, ولم تستفد من المكتسبات إلا فئة قليلة, بل إن العديد من الدول عمدت إلى تحديد التنظيم, أو إلغائه وتخفيض الأجور, والاقتطاع من الرعاية الاجتماعية, والسماح “بصمت للشركات الكبرى لإحداث تغييرات اجتماعية ضخمة”, فيما تم إسكات المنظمات “المشاغبة”, وحلت الاتحادات العمالية, أو اغتيل قادتها, أو دفع بهم (كما في الصين) إلى معسكرات العمل القاسية.

لم تستفد الشركات الكبرى فحسب من هذه الإجراءات, بل وأيضا “الحكومات المضيفة والموظفين الفاسدين, وممن أسعدهم الحظ بالعمل مع شركات أجنبية”, تعمل في محيط من التخلف الاقتصادي وغياب المؤسسات الديموقراطية.

وبالغرب ذاته, تزايدت الفوارق بين الفقراء والأغنياء, حيث أن “97 بالمائة من الزيادة في الدخل, ذهبت لأغنى 20 بالمائة من العائلات, خلال العشرين سنة الأخيرة”. وكان نصيب الفقراء ببريطانيا قطعة صغيرة من الكعكة, وارتفع عدد الأسر, التي هي تحت خط الفقر, بمعدل 60 بالمائة في الثمانينات, وتراجعت مكانة العمال غير المهرة, كونهم لا يشتغلون كجماعة, سيما في الصناعات المتقدمة التي تدار من لدن عمال عاليي التكوين.

ولما كانت الشركات المتعددة الجنسيات “تدرك مقدار القوة التي في يدها, فإنها تلعب بالدول وبالساسة في محاربة بعضهم بعضا, مستفيدة من ذلك بتحصيل شروط أفضل وأيسر…وتقرر بنفسها أين تستثمر وتنتج, وأين تدفع الضرائب…وتترك محاولة إيقاف التدفق لرجال السياسة بتقديم المغريات لهذه الشركات, للإبقاء على مصانعها للتقليل من التكلفة السياسية والاجتماعية لإغلاق هذه المصانع, ولكن دون أي ضمانات بعيدة المدى بعدم نقل هذه الشركات في النهاية. وتبدو الحكومة الوظنية عاجزة وبشكل متزايد, أمام الشركات العملاقة التي تجاوزت الحدود الوطنية منذ زمن بعيد”, والتي لا تجد غضاضة في نقل استثماراتها إلى مكان آخر, إذا لم ترضها سياسة هذه الدولة أو تلك.

إن أنظمة الضرائب يتعرض للتخريب تقول الكاتبة, مما سيكون من شأنه عدم قدرة الحكومات على تلبية مطالب مواطنيها من الخدمات العامة, اللهم إلا إذا عمدت الحكومات إياها إلى زيادة العبء الملقى على عاتق الأفراد لتعويض النقص. لا بل إن الحكومات مطالبة فضلا عن ذلك, بتوفير الرعاية الاجتماعية للقطاع الخاص, حيث تبلغ المساعدات للتجارة والصناعة بأمريكا مثلا, إلى ما يناهز ال 75 مليار دولار.

وتخلص المؤلفة, بهذا الجانب, إلى أن الأسلوب الأنجلو-أمريكي للرأسمالية نظام إيجابي للأغنياء, كونه يضع الربح فوق كل شيء. لكنه يرهن الحكومات ومنظومتها برمتها, ويعميها عن مناقشة حدود هذا النظام, مخافة أن يثير ذلك الشركات الكبرى والأغنياء.

+ الفكرة الثالثة, وتتحدث فيها الكاتبة عن منظومة التجسس التي ترتبت عن إنشاء نظام إيشلون, التي تشترك فيه الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزلندا وبريطانيا, وكانت بالأصل مخصصة للتجسس على المنظومة السوفياتية.

هذا النظام, بعد انتهاء الحرب الباردة, لم يعد يستخدم “للتجسس السياسي والعسكري ضد الديكتاتوريات التي هددت العالم الحر, وإنما صار يستخدم لمراقبة النشاطات التجارية اليومية, لشركات تنتمي إلى بعض حلفاء أمريكا وبريطانيا الخلص”, كونه بات بمقدوره “التقاط كل كلمة تنقل عبر الهاتف أو الفاكس أو البريد الألكتروني عن طريق الأقمار الصناعية, في أي مكان في العالم”. وهذا أمر مفزع, تقول المؤلفة, سيما وأنه موجه أيضا للتجسس على الأفراد والجماعات.

وقد أكدت العديد من التقارير, أن ثمة حالات تم توظيف النظام فيها للتجسس على صفقات أوروبية (مع دول بآسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها) انتهت لفائدة شركات أمريكية أو بريطانية, في كليتها أو في جزء منها.

وتؤكد الكاتبة أن الحكومات بدأت تتجسس لفائدة شركاتها, على اعتبار أنه في “عصر حرية عمل الرأسمالية الدولية, صارت الاهتمامات التجارية والاقتصادية تحل محل جميع الاهتمامات الوطنية الأخرى…لقد أصبح علم الاقتصاد هو السياسة الجديدة, وصارت التجارة هي المسيطرة. وأعادت الحكومات تحديد دورها من دور المشرع إلى دور الحكم, ومن دور الحارس إلى دور نصير الشركة”.

إن الحكومات, تقول المؤلفة, باتت تقيم التجارة وحقوق الإنسان (والعقوبات أيضا) وفق منطق اقتصادي خالص, بدلا من أن تقيمها على أسس أخلاقية, فتتنكر بالتالي لأماني الكثيرين من مواطنيها, وما سواهم من مواطني العالم.

من البديهي, تؤكد الكاتبة, أن تنزل الديموقراطية إلى أدنى المراتب أمام المصالح التجارية, لدرجة باتت الديموقراطية خلف الرأسمالية على الرغم من الزعم بالعكس. ولم يعد القادة الأمريكيون يتبنون مقولة إنهم يبنون سياستهم الخارجية من أجل نشر الديموقراطية, بل لإقامة “نظام عالمي يقوم على احتياجات رأي المال الخاص, بما في ذلك الملكية الخاصة, والانفتاح على الأسواق”.

بالتالي, فعندما تتحدث الولايات المتحدة عن نشر الديموقراطية, فإنها تقصد نشر ما يروق لها من الديموقراطية الليبيرالية, أي الديموقراطية التي تستبعد المشاركة الجماهيرية والمجتمع المدني النشيط, والانتخابات المنتظمة…إن “الأمريكيين يصنعون السياسة من المال”, تؤكد المؤلفة, والسيادة الوطنية التي يتحدثون عنها ليست من “أجل مصلحة عالمية أكبر, وإنما من أجل مصلحة خاصة جدا, هي مصلحة الشركات المتعددة الجنسيات”.

وعلى هذا الأساس, فإن حضور الشركات الكبرى للمؤتمرات الدولية (في إطار ملتقيات دافوس, أو اجتماعات المنظمة التجارية العالمية, أو مؤسستي بروتن وودز وغيرها), إنما الغاية منه لقاء رؤساء الدول والوفود لتمرير مشاريعها ومقترحاتها, سواء كان هؤلاء القادة من اليمين أو من اليسار, والذين أضحوا “كالذباب الذي وقع في شبكة السوق المعقدة”.

Leave a Comment