الشرعية في الدولة الاسلامية
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز البطي1
بسم الله الرحمن الرحيم
2- مصدر الشرعية في الدولة الإسلامية
إن الشرعية من أهم المفاهيم التي تقوم عليها الدولة الديمقراطية الحديثة تمييزا لها من الدول القديمة. والمقصود بالشرعية خضوع كل تصرفات الدولة لقواعد قانونية يستطيع المواطنون المطالبة باحترامها أمام قضاء مستقل وأن يكون صدور ذلك القانون وفق إجراءات متبعة وأن تمتنع الدولة عن إتيان أي فعل لا ينسجم مع نظامها القانوني السائد وأن تلتزم باحترام القيم الأساسية والأهداف العليا للمجتمع بما يؤدي إلى القبول الطوعي من قبل الشعب بقوانينها وسياساتها وبعدالتها وملاءمة مؤسساتها لحاجيات المجتمع وقيمه (9).
فما الذي يضفي الشرعية على الحاكم في الدولة الإسلامية بما يجعل حكمه مقبولا من طرف شعبه؟.
إن شرعية الحكم في دولة إسلامية تستمد من مصدرين:
الأول: يتعلق بالمرجعية القانونية القيمية العليا التي تستند إليها كل سياسات الدولة في سائر المجالات، وهي هنا ما ينبغي أن تخرج أو تتصادم بحال مع مبادئ الإسلام وقيمه العليا، الأمر الذي يجعل من تلك السياسات والتصرفات عبارة عن تطبيقات مباشرة لنصوص الشريعة أو اجتهادات مستندة إليها ومستمدة منها عبر أصل من أصول الاجتهاد، بما يجعل أي مصادمة لنصوص الشريعة ومقاصدها تمثل طعنا موجعا في شرعية تلك الدولة من حيث انتسابها للإسلام. ونصوص الشرع الآمرة جزما برد جميع الأمور إلى الشرع والاحتكام متواترة وقاطعة. قال تعالى “فاحكم بينهم بما أنزل الله” (المائدة) “فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول” (النساء) وهو ما يجعل مخالفة تلك الأصول خروجا عن الملة وتفويتا في الشرعية وتشريعا للتمرد على سلطان الدولة. قال تعالى: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” (المائدة). وفي الحديث: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” “وعلى المرء المسلم السمع والطاعة فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة” (رواه مسلم) وهو ما يجعل النص كتابا وسنة السلطة المؤسسة للدولة الإسلامية (10) والحاكم الأعلى وكل ما سواه محكوم به وتابع له، وهو أيضا ما يجعل الدولة الإسلامية دولة قانون ويفرض على كل مسالكها أن تكون منضبطة بالقانون ويفقد أوامرها المخالفة للقانون كل شرعية. بل إن الدولة تفقد شرعية الطاعة بقدر ما تتنكب عن القانون أي الشريعة، وهو ما يسفه كل اتهام للدولة الإسلامية بأنها دولة استبدادية مطلقة، رغم أنها كثيرا ما كانت كذلك لأسباب لا تعود للإسلام بقدر ما هي عائدة إلى أحوال العصر وأحوال المسلمين، وهو ما يفسر استمرار الثورات الدامية في تاريخ الإسلام نقمة على الاستبداد وانجذابا صوب مُثل الإسلام العليا في الحكم خلال حكم النبي وخلفائه الراشدين.
”
الشورى في الإسلام هي الأصل الأعظم بعد النص الذي تقوم به شرعية الحكم ومدى استحقاقه للطاعة
”
الثاني: الشورى، والأمر بالشورى ذاته نص أمر صريح يؤسس لحق الأمة المستخلفة من الله المخاطبة من قبله مباشرة بإقامة شريعته وتهيئة الوسائل الضرورية للوفاء بهذا التكليف الواجب. ومنها إقامة الحكومة الإسلامية، بما يجعل الحاكم المسلم نائبا عن الأمة في إقامة الشريعة وإنفاذها وفق العقد الذي بينه وبين الأمة: ألا يخرج في كل تصرفاته عن الشريعة وألا يستبد بالأمر دونها بل يلتزم عمليا بمشورتها والاستماع لنصحها وتوجيهها، فباعتبارها المصدر الوحيد لسلطته هي التي تقيمه وهي التي لها أن تصرفه من الخدمة متى شاءت، وهو مجرد وكيل عنها في أداء ما هي مخاطبة ومكلفة بأدائه من إنفاذ عدل الله وفق شريعته.
إن الشورى في الإسلام الأصل الأعظم بعد النص الذي تقوم به شرعية الحكم ومدى استحقاقه للطاعة. وهذا الأصل هو أعظم من أن يستدل عليه بنص أو نصين قد يختلف في تأويلهما ومدى إلزاميتهما للحاكم، على اعتبار أنها ليست حكما فرعيا وإنما هي أصل من أصول الدين ومقتضى من مقتضيات الاستخلاف أي أيلولة السلطة الربانية إلى العباد (11). إن الشورى هي العمود الفقري في الحكم الإسلامي باعتبارها رمزا لسلطة الأمة ونهوضها بأمانة الاستخلاف عن الله عز وجل على أساس التعاون على الخير والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر والمشاركة الفردية والجماعية في أداء الأمانة في مستوى التشريع والتنفيذ. وهو ما يقتضي توفير الآليات الضرورية الكفيلة بنقل هذا الأصل العظيم من المستوى النظري أو الفردي الذي قد لا يتجاوز مستوى موعظة يلقيها عالم جريء يجابه بها طاغية معرضا نفسه لبطشه وقد يتحمل الطاغية وطأة ألمها للحظات ثم ينتهي الأمر لتمضي الأمور على معتادها، نقله من هذا المستوى الفردي الجزئي إلى مستوى نظام للحكم يستمد كل سلطاته من الشعب فتدار كل شؤونه الجماعية والفردية وفق ترتيبات وآليات تجعل أمور الأمة بيد الأمة وهو مقتضى “وأمرهم شورى بينهم” (الشورى) “وشاورهم في الأمر” (آل عمران). ولأن الإسلام دين لكل العصور ولكل البشر فقد اكتفى بما من شأنه التطور بتأسيس القواعد العامة كما هو حاصل في مسألة شؤون الحكم حيث اكتفى بالأمر بالشورى والعدل واحترام رأي الجماعة والتشنيع على حكم الانفراد والاستبداد، تاركا لاجتهاد المسلمين وتجارب الزمن استنباط وتطوير الآليات القمينة بترجمة قاعدة الشورى وسلطان الأمة في نظام سياسي يمنع الاستبداد، وهو ما كان إسهام التجربة الغربية في تطويره معتبرا. والأصل أن كل ما من شأنه العون على تحقيق مقاصد الإسلام في العدل والشورى وغيرها هو من الشريعة وإن لم يرد نص بها في كتاب ولا سنة كما هو متواتر على ألسنة علماء الإسلام (12).
-بقلم الشيخ راشدالغنوشي.