الشورى في الاسلام والديمقراطية الغربية دراسة مقارنه
كاتب الموضوع الأصلي: عجلان العجلان1
أولا: معنى الديمقراطية ونشأتها
الديمقراطية كلمة يونانية في أصلها ومعناها سلطة الشعب والمقصود بها بزعمهم حكم الشعب نفسه بنفسه عن طريق اختيار الشعب لحكامه.
ويذكر الباحثون أن أول من مارس هذه النظرية هم الإغريق في مدينتي أثينا وأسبرطة ولكنها ارتبطت في الغرب بالنظام السياسي والاقتصادي بخلاف نشأتها عند الإغريق وكانت طريقتهم تتمثل في أنهم كانوا يشكلون حكومة من جميع رجال المدينة وأطلقوا عليها اسم (حكومة المدينة) حيث يجتمع رجال المدينة لبحث كل أمورهم ينتخبون لهم حاكما ويصدرون القوانين في كل قضية تعرض عليهم ويتخذون لها حلا يكون حاسما ويشرفون جميعهم على تنفيذه بكل دقة وحزم واستمروا على هذه الصورة الفريدة إلى أن انتهت حكومة المدينة في كل من أثينا وأسبرطة حينما غلبهم المد النصراني وبرز رجال الكنيسة وقد بقيت تلك الحكومة في ذاكرة الناس، ثم كان لطغيان رجال الكنيسة فيما بعد الأثر الحافز على الرغبة في العودة إلى تلك الحكومة الغابرة وظل أهل أوربا يتوقون إلى الخلاص من قبضة رجال الكنيسة تحت أي تيار يسوقهم علهم يجدون متنفسا من أوضاعهم المخزية تحت سلطة الإقطاع والنبلاء والأشراف من البابوات وكبار الملاك الظالمون لجميع طبقات الشعوب. ونجم عن كثرة الضغط الانفجار الذي تمثل في الثورة الفرنسية حيث أخذ زعماؤها في التفتيش عن مصدر يحل محل ذلك الحكم البغيض ولم يكن أيام حكم المدينة غائبا عن أذهانهم خصوصا وقد اتصل كثير من الأوربيين بالمسلمين وتفهموا كثيرا من تصورات المسلمين ونظامهم الإلهي العادل الذي منعهم من الانقياد له حقدهم الشديد على الدين والمتدينين ثم رغبتهم في الانفلات من كل قيد وغير ذلك فوقع اختيارهم على ذلك الماضي الجاهلي الإغريقي ونادوا بتجديده والسير على نهجه كي يبعدهم عن شبح البابوات والأباطرة والإقطاعيين ومن جاء بعدهم من الجشعين الرأسماليين فاتخذوه شعارا – بغض النظر عن تحقيقه – يحاربون تحته ومع طموح الشعوب إلى تحقيق هذا الحلك فقد وجد الدعاة له من المشقة والتنكيل والسجن على أيدي أصحاب السلطة المستأثرين بها و على أيدي البابوات والوجهاء الأثرياء في ذلك الوقت ما لا يوصف وهو أمر بديهي إلا أن دعاة تلك الديمقراطية لم يضعف عزمهم ولم تخنهم شجاعتهم فكانوا كما قيل:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلج
وتم لهم بعد الكفاح المرير الوصول إلى كراسي السلطة وإخضاع أمراء الإقطاع والمستأثرين بالسلطة إلى الرضوخ للأمر الواقع وزحزحت البساط من تحت أقدام البابوات أصحاب الحق الإلهي المقدس بزعمهم ومن تحت أمراء الإقطاع الذين كانوا لا يسألون عما فعلوا والناس يسألون، وصدق الله تعالى حينما قال: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران :140].
ثانياً:مفهوم الشورى
الشورى تعني تبادل الرأي بين المتشاورين من أجل استخلاص الصواب من الرأي والأنجح من الحلول والسديد من القرارات، وهي من مبادئ الشريعة وأصل من أصول الحكم في الإسلام لتحقيق العدل، فقد حرص الإسلام على غرس مبدأ الشورى في الحياة السياسية وشؤون الحكم بغية وجود حالة من المراجعة المستمرة بين الحاكم والمحكوم، حتى يستوعب القرار السياسي ما لدى الجماهير من وعي وإدراك، ويكون الحاكم منطلقاً من قاعدة الأمة الوسطية، فالشورى وسيلة يمكن من خلالها استجلاء الأمر ومعرفة الآراء المتعددة، ومن ثم التوصل إلى الأصوب والأسلم، كما تؤدي إلى تآلف المشاعر لدى الرأي العام من خلال استعراض الموضوعات وجريان المناقشات حولها وتبادل الرأي فيها، وتكون الشورى سبيلاً إلى وحدة الأمة والتأييد لما تتفق عليه الأغلبية. الشورى في الإسلام لم تحدد بآلية محددة ولم تكن لها تفاصيل معينة، ولكنها تركت لما تقتضيه الظروف وتتطلبه الوقائع، ومع هذا فإن المناهج الشورية التي قدمت في عهد النبوة ثم في عهد الخلافة الراشدة قدمت صوراً من النهج السياسي والاجتماعي والأخلاقي والعسكري، وأصبحت هذه النماذج والصور قاموساً من الحكمة السياسية والحرية الاجتماعية ليسترشد بها الحكام والقادة والولاة وذوو الرأي في تدبير شؤون الأمة، فكانت جسراً إلى حياة متحضرة مليئة بالعطاء وحسن المشاركة.
وتتلخص معاني الشورى في انها محاولة إجماع الآراء حول القضايا المهمة ومعرفة الصحيح منها من مجموع تلك الآراء وقد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم في أكثر من موضع ولجوانب مختلفة فيها الثناء والامتنان والارشاد.
-ففي بعض الآيات الثناء من الله تعالى على المؤمنين حينما تتآلف القوب وتتحد الأهداف ويمثل الجميع جسما واحدا.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الشورى: 38]، أي لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم.
وفي بعضها أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يشاور أصحابه و أن هذه المشاورة منهم له هي رحمة من الله تعالى واصطفائه بالأخلاق الفاضلة قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [ آل عمران :159].
– وفي بعضها أمر و إرشاد للمؤمنين في حال الخصومة بينهم أن يلجأوا إلى التشاور فيما بينهم للوصول إلى الأمر الذي يصلح به كلا الفريقين فقال تعالى في شأن النزاع بين الزوج وزوجته : {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة:233].
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم دائما يشاور أصحابه امتثالا لأمر الله تعالى له وكان يأخذ بالرأي السديد من أي شخص كان إذا طالب المشوره إنما يبحث عن الرأي الذي يبدو أنه يحقق المصلحة فقد شاور الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق , وفي غزوة بدر , وفي أسارى بدر , وفي غزوة أحد , وفي غيرها من المواقف الكثيره.
ثالثاً:الفرق بين الشورى والديمقراطية
لكل من الشورى والديمقراطية نظام يمثل استقلالاً تاماً له أسسه ومبادئه وآليات تنفيذه ويوجد بينهما مواطن اتفاق ومواطن اختلاف ولا يعني ذلك أن العلاقة بينهما توافق، أو تضاد، فالشورى صورة من صور المشاركة في الحكم تستمد جذورها من أصول الدين وجذوره، أما الديمقراطية فهي نظام سياسي اجتماعي غربي النشأة عرفه الغرب من الحقبة اليونانية وأدخل عليه تطوير عبر العصور، كما أنها تنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة من منطلق مبدأ المساواة بين المواطنين ومنح حق المشاركة في وضع التشريعات وسن القوانين التي تنظم الحياة العامة وفق مبدأ أن الشعب مصدر السلطات، فالسلطة في النظام الديمقراطي هي للشعب بواسطة الشعب.
بينما الشورى حق التشريع فيها لله وحده وليست من وضع البشر ولا من ابتكارهم، بل هي وحي منزل من عند الله وعلى الرغم من وضوح ذلك وجلائه في عقيدة المسلم ومعايشته واقعاً وتطبيقاً إلا أن الشريعة نفسها أعطت للإنسان مساحة يجتهد فيها، وهي مساحة واسعة هي سلطة الاجتهاد في مجالين، الاجتهاد فيما لا نص فيه، والاجتهاد في فهم دلالة النص فيما تحتمل فيه تلك الدلالة والاجتهاد كذلك له مساحة واسعة في سياسة الحكم وإدارة شؤون الناس واحترام الرأي العام، والرقابة العامة والقضاء، وكلها ميادين للاجتهاد، فكل ما أدى إلى الصلاح وحقق المصلحة فهو أمر مطلوب من غير حصر في نظام محدد، وفي الديمقراطية تجعل السلطة في التشريع والأمة، أما في الممارسة والواقع فالسلطة للمجالس البرلمانية وقد تكون للحزب ذي الأغلبية، ومن الفروق أيضاً أن الشورى مأمور بها شرعاً، ومحكومة بالشرع ويربط بها صلاح الدين والدنيا معاً، فالصلاح الدنيوي له بعد ديني يتمثل في المعيار الديني لهذا الصلاح، لكن الديمقراطية يقتصر نظرها في حدود صلاح دنيا الإنسان، وبالمقاييس الدنيوية بل المادية بجانب أن السلطة في الشورى مقيدة بعدم خروجها عن النصوص الشرعية، كما أن مجالها محصور فيما لا نص فيه أو في دلالة النص إذا كانت دلالة غير قطعية، وإذا وجد النص قطعي الدلالة فإن مجال الشورى حينئذ يكون في الوسائل التنفيذية والتطبيقات في اللوائح والقرارات وما شابهها، وفي كل ذلك يجب أن تكون التشريعات متفقة مع مبادئ الشريعة، أما سلطات المجلس النيابي في الديمقراطية فيمكن القول أنها مطلقة وإن كانت مقيدة بالدستور لكن الدستور نفسه قابل للتغيير.
رابعاً:وظيفة كل منهما
إن الحقوق والحريات العامة في الشورى تختلف عنها في الديمقراطية من جهتين، ففي الشورى تتحول الحقوق والحريات إلى واجبات اجتماعية ودينية، وتأخذ طابع (الوظيفة الاجتماعية) المرتبطة بتحقيق المقاصد الشرعية، وبتوازن يحقق مصلحة الفرد والجماعة معاً دون طغيان أحد الجانبين على الآخر، وإذا قصر المواطنون بأداء هذه الوظائف فإنهم آثمون، أما في الديمقراطية فلا تزال تأخذ موقفاً لا يخلو من الشطط فيه غلو في تغليب الجانب الفردي، ثم إن هذه الحريات والحقوق مقيدة بضوابط من الشريعة نفسها، أما في الديمقراطية فهذه الحقوق مطلقة لا يحدها إلا ضباط عدم الإضرار بالغير، أو القانون، ولكن القانون نفسه يتغير، بالإضافة إلى أن الشورى مرتبطة بقيم أخلاقية نابعة من الدين نفسه، ولذلك فهي ثابتة غير خاضعة لتقلبات الميول والرغبات ومن ثم فهي تضبط تصرفات الأمة وتحكم رغباتها، بينما لا توجد مثل هذه القيم الثابتة في الديمقراطية، بل هي قيم نسبية تتحكم فيها رغبات وميول الأكثرية، ومتغيرات الظروف وتقلبات الزمن، ولهذا كان تسلط أمة على أخرى مقبولاً أو له ما يبرره في ظل الأنظمة الديمقراطية، بينما تهدف القيم الإسلامية إلى تغليب النظرة الإنسانية الشاملة وإلغاء الإطار الأناني المحدود في فكرة الدولة القومية ذات السيادة المطلقة، وإبراز الجوانب الإيجابية فيها.
من هذه المقارنة نجد أن الديمقراطية ليست نقيضاً للشورى وليست مثلها فلكل منهما مبادؤه وأسسه وقواعده وميدان الاجتهاد في الشورى يمكن من الاستفادة من الجيد النافع ولو كان وافداً أجنبياً وهو في الوقت نفسه لا يقبل الوافد دونما نظر واجتهاد وانسجام مع أحوال الإسلام وقواعده.
خامساً: الحكم على الديمقراطية
أما منزلتها في الإسلام : فقد ظهر أن البعض قد تصور أنه لا فرق بين الديمقراطية وبين الإسلام بل ويزعم أن مبادئ الديمقراطية هي نفس المبادئ التي دعا إليها الإسلام ولا شك أن من قرأ ما كتبه علماء المسلمين عن الديمقراطية سيلمس الفرق واضحا ومن الفوارق الواضحة أن أهداف الديمقراطية وحلولها للمشكلات كلها سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية أو غير ذلك هي غير الأهداف وغير الحلول التي جاء بها الإسلام، ولابد أن يحصل الاختلاف بكل بساطة ووضوح حلول الإسلام دائمة وعامة وحلول الديمقراطية مؤقتة ولمصالح. كما أن تعاليم الإسلام جاءت من رب العالمين عالم الغيب والشهادة بينما تعاليم الديمقراطية لم تقم إلا بتجارب البشر وبالاحتجاجات ضد طغيان السلطات الرأسمالية وقبلها الإقطاع وبالمظاهرات الصاخبة والاضطرابات المتوالية إلى أن ترقوا بمفهوم الديمقراطية إلى ما وصلوا إليه في ظاهر الأمر بينما الأمر في الإسلام يختلف تماما ذلك أن المسلمين ليسوا في حاجة إلى سلوك مثل تلك المهامة ولا يحتاجون إلا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ليجدوا أنفسهم في غاية السعادة و في غاية التكافل الاجتماعي بمعناه الحقيقي و في أتم ما يكون من الأحكام العادلة الرحيمة التي يطبقها المسلم على نفسه قبل أن يطالب بها غيره ومن تصور هذا الفرق هان عليه معرفة الفرق بين الإسلام وبين الديمقراطية كما أن تعاليم الإسلام تجعل المرء يشعر ويحسن بمسئوليته أمام الله تعالى وتوجد في داخل نفسه المراقبة الذاتية لله تعالى التي لا تصل إليها أي قوة غير قوة مراقبة الله تعالى التي يتغير بموجبها سلوك الإنسان نحو معاملته لربه ومعاملته لإخوانه المسلمين بل ومع غير المسلمين في تنظيم بديع لن يصل إليه بل ولن يقاربه أي تنظيم بشري هو عرضة للنقض والتغيير بين كل فترة وأخرى وفرق بين سلوك ينتج عن مراقبة الله وخوفه وسلوك ينتج عن غيره، كما نجد كذلك أن تعاليم الإسلام لا تجيز الفصل بين الدين والدولة بل الدين الإسلامي هو الشامل والمهيمن على كل أمور الحياة وما لم تصدر عنه فإنها تعتبر من الضلال ومن اتخاذ البشر بعضهم بعضها أربابا من دون الله تعالى بينما تعاليم الديمقراطية قائمة على الفصل بينهما فرجال الدين مهمتهم تنحصر في أماكن العبادة والمواعظ الدينية ونحو ذلك ورجال الدنيا لا حد لمهماتهم فهم المشرعون والمنفذون ومعنى هذا أن الإسلام والديمقراطية الغربية ضدان .
كما أن الديمقراطية لا تعتمد الحكم بما أنزل الله وتنفر منه لأنها في الغرب قامت من أول يوم على محاربة الأديان وكل شيء فيها يتصل بها وأن الحكم فيها يجب أن يتم على تشريع الشعوب والبرلمانات ورؤساء الدول وقوانينهم مقدمة على الحكم بما أنزل الله تعالى بينما الإسلام يعتبر هذا محادة لله وردا لشرعه خصوصا ممن يعلم بهذا الحق ولكنه يرفضه ويفضل حكم الجاهلية عليه كما أن في الديمقراطية الوصول للحكم مشاع لكل أحد بينما الإسلام يجعل الشخص المناسب في المكان المناسب .
– في الديمقراطية الشورى تتم عن مشاورة عامة الشعب دون تخصيص أهل الرأي والعلم فتحصل فوضى وتدخلات الأهواء ويصبح الحق ما نادت به الأكثرين خيرا كان أم شرا، بينما الشورى في الإسلام تعتمد على مجموعة هم أفاضل الناس وفقهائهم .
– في الديمقراطية لا حدود أخلاقية لحرية الفرد والجماعة ولا مكان للفضيلة ولا حاجز عن الفواحش وسوء المعاملات .
بينما الإسلام يجعل للحرية طريقا واضحا يحقق مصلحة الفرد والمجتمع في آن واحد بحيث لا تختلط الحريات الفوضوية الظالمة بالحرية الحقيقية التي تحقق مصلحة الجميع وتؤلف بين القلوب.
في الديمقراطية الحث على تفرق الناس وقيام الأحزاب المختلفة ومعارضة بعضهم بعضا ونشوب المكائد بعد ذلك واحتقار وسب بعضهم بعضا وصار مثلهم كمثل اليهود والنصارى فيما أخبر الله عنهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ } [ البقرة:113].
فإن كل حزب يهون شأن الحزب الآخر ولا يهتم كل حزب إلا بكيف يكسب أصوات الناخبين ومن هنا تكثر الوعود الكاذبة والتنجيح بكثرة الإنجازات التي ستتم حينما يتولى الحكم فلان. بينما الإسلام لا يأمر بذلك بل ينهى عن التفرق والكذب والخداع ويأمر بالحب في الله والبغض فيه والعمل لمصلحة الإنسان لنفسه وبغيره واحتساب الأجر عند الله في تحمل المسئولية وفي أدائها ما تفتقده الديمقراطية الغربية.
سادسا: مثالب الديمقراطية في الحقوق والحريات
للديمقراطية مثالب كثيرة، منها ما يلي :
أولاً: لا تنظر الديمقراطية إلى حقوق الله على عباده، ولا تنظر بعدل إلى الحقوق العامة، وحقوق المجتمع على الأفراد فهي منحازة بإسراف لجانب الفرد وإطلاق حريته.
ثانياً: تخضع الديمقراطية لدى وضع الدستور والقوانين والنظم لأهواء أعضاء المجالس النيابية، واللجان التي تفوض في وضعها، أو وضع مشروعاتها.
وغالباً ما يحرك هذه المجالس أفراد معدودون، ويوجهونها حسب أهوائهم.
وتظفر بنصيب الأسد فيها غالباً بعض الطبقات الاجتماعية، التي تسخر التطبيقات والمؤسسات الديمقراطية لصالحها، أو يظفر بنصيب أسد فيها الأفراد المحركون لها،والموجهون لمسيرتها وآرائها ومناقشاتها.
وتتدخل عناصر (الحيلة، والذكاء، والمال، والشهوات، ومطامع المناصب، وشراء الضمائر، وتزوير ارادات الجماهير بأساليب شتى، في استغلال المجالس وتجميع الأصوات وتحريك الجماهير الغوغائية والتغشية على الأفكار والبصائر وإبعاد كل رأي صحيح عن مجال رؤية الجماهير له، وصناعة الضجيج الإعلامي المشوه للحقائق والمزين للباطل ) لإقرار المواد الدستورية أو القانونية أو التنظيمية التي تحقق مصالح أصحاب الأهواء بأساليب استغلال التنظيمات الديمقراطية ومؤسساتها وتطبيقاتها.
ثم لأنواع المكر والكيد التي تمارسها الأحزاب السياسية الديمقراطية تأثير كبير في جعل الحق باطلاً، والباطل حقاً، وخداع الجماهير الذين يدلون بأصواتهم للموافقة على مشاريع الدساتير والقوانين والنظم، أو انتخاب الذين يتحملون الأعباء التشريعية أو الإدارية.
هذا إذا لم يتم تزوير الانتخاب بتبديل الصناديق التي ألقى المقترعون فيها أوراق انتخابهم، بصناديق أخرى مشابهة لها في الظاهر، وما في باطنها مزور تزويراً كليا.
وكم حدث هذا في مزاعم انتخابات ديمقراطية وكانت الحصيلة (مئة في المئة) لصالح المزور أو الآمر به، أو “99.9%” أو نحو ذلك.
ثالثاً: إن الديمقراطية باعتبارها تنادي بأن الدين لله والوطن للجميع، وأن شأن الأقليات في الدولة كشأن الأكثرية في الحقوق والواجبات، تمكن الأقليات من التكاتف والتناصر، لاستغلال الوضع الديمقراطي، ضد الأكثرية ومبادئها وعقائدها ودينها. وتمكنها أيضاً من التسلل إلى مراكز القوة في البلاد، ثم إلى طرد عناصر الأكثرية رويداً رويداً من هذه المراكز، بوسائل الإغراء، وبالتساعد والتساند مع الدول الخارجية المرتبطة بالأقليات ارتباطاً عقدياً أو مذهبياً أو سياسياً أو قومياً، أو غير ذلك.
وتصحو الأكثرية من سباتها بعد حين، لتجد نفسها تحت براثن الأقلية، محكومة حكماً ديكتاتورياً ثورياً من قبلها، مع أنها لم تصل إلى السلطة إلا عن طريق الديمقراطية.
رابعاً: الديمقراطية وفق مبادئها المعلنة حقل خصيب جداً، لتنمية أنواع الكذب والخداع والمكر والحيلة والدس الخبيث والغش والخيانة والغدر والغيبة والنميمة والوقيعة بين الناس وتفريق الصفوف ونشر المذاهب والآراء الضالة الفاسدة المفسدة، إلى سائر مجمع الرذائل الخلقية الفردية والجماعية. لتتخذ هذه الرذائل وسائل ، حتى يستأثروا بكل السلطات في البلاد، وكل خيراتها وثوراتها وحتى يتمكنوا من مطاردة الدين وأنصاره وحماته والمتمسكين به، وإماتة الحق والخير والفضيلة.
خامساً: الحريات الشخصية في الديمقراطية حريات مسرفة، تفضي إلى شرور كثيرة وانتشار فواحش خطيرة في المجتمع ومآلها إلى الدمار الماحق.
سادساً: الحريات الاقتصادية في الديمقراطية حريات مسرفة، تفضي إلى عدوان المحتالين على حقوق الشرفاء ونشر الاستغلال والاحتكار، وحيل سلب الأموال وتمكين الغشاشين والمقامرين والمرابين والمحتكرين والرائين والمحتالين ومستغلي السلطة الإدارية أو العسكرية من تحقيق مكاسب مالية وفيرة بالظلم والعدوان وهضم الحقوق وأكل أموال الناس بالباطل والغلول في الأموال العامة.
سابعاً: حق كل مواطن في المساواة السياسية في الحكم، دون شرط الإسلام والعدالة الشرعية والأهلية للمشاركة في الرأي أو المساهمة في الاقتراع أو الانتخاب والاختيار، يفضي إلى نسف دعائم الدولة الإسلامية، وجعلها علمانية غير دينية، أو تمكين الأرذال من اعتلاء سلطة الحكم، وتحويل الدولة إلى دولة فساد وإفساد، وفسق وفجور، وفحش في الأقوال والأعمال، وشر كبير.
وقد يلعب أعداء الأمة بالجماهير غير الواعية، فيركبون ظهورها، ويصلون بذلك إلى حكم الشعب رغم إرادته، عن طريق تزوير إرادته نفسها.
ثامناً : حق الفرد في ترشيح نفسه للحكم في الديمقراطية، يجعل طلاب مغانم الحكم يتنافسون عليه، ويتقاتلون من أجله، ويسلكون مسالك كثيرة غير شريفة للوصول إليه، ويبذلون أموالاً طائلة، أملاً بأن يعوضوها أضعافاً مضاعفة، متى ظفروا بالحكم.