أ.د. أحمد محمد وهبان

الشورى في الاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: سليمان الفراج 3332

فإن هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خير هدي وطريقته خير الطرق وأقومها , فهو القدوة الأسوة{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }من امتثل نهجه تسهلت له السبل , وتيسرت له الأمور , وإن من أعظم أفعاله التي ربى عليها صحابته قبل قيام دولة الإسلام وبعدها وهي التي أثنى الله عليهم بها وقرنها بأعظم العبادات ألا وهي أمر الشورى فقد قال { َالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم.أه
وقال الشوكاني رحمه الله: يتشاورون فيما بينهم ولا يعجلون ولا ينفردون بالرأي.أه
ثم إن أمر الشورى أمر يحتاج إليه في كل حين ومن عظم أمره سمى الله سورة بالشورى، وقد أمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه وجعل العزم بعد المشاورة { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم مؤيد بالوحي من السماء كان كثير المشاورة لأصحابه يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ما رأيت أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه.
ومن تأمل في القرآن الكريم أدرك أن الله جل وعلا جعل الشورى شرط لتحقيق أمر صغير جدا يختص بطفل رضيع عند فطامه ،وجعل الشورى بين الزوجين سبب لنفي الجناح { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاًعَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍفَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } وعند عدم اتفاق الزوجين المتفارقين على أجرة إ رضاع طفلهما فإن على الأب ان يستأجر مرضعة لإبنه { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى }ومع أن الزوجين مفترقين لم يهمل الله أمر الشورى والإتفاق بينهما حتى لايضيع الطفل بسبب الخلاف بينهما وتفرقهما.
ولوكان أمر الشورى امراً هيناً لما جعله الله بهذه المنزلة فأمر به في أعظم الأمور وفي أيسرها ، وإن المتأمل في هدي النبي صلى الله عليه وسلم يلحظ استشارته للرجال والنساء في كل مالم ينزل به نص قرآني وهو مكان للشورى , فقد استشار أول مابعث أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وفي أسرى بدر استشار أبا بكر وعمر، ويوم أحد استشار أصحابه في الخروج للقتال من المدينة أو المكث فيها واستشار يوم الخندق السعدين في ثمار المدينة واستشار أم سلمة في ذي الحديبية، وكان يقول لأصحابه كما عند البخاري (أشيروا عليّ أيها الناس ).
وقد تقرر هذا عند الصحابة رضوان الله عليهم فكانوا يشيرون عليه , فأشار عليه الحباب بن المنذر في موقع غزوة بدر, وأشارعليه سلمان الفارسي في حفر الخندق.
ودرج أصحابه على نهجه اقتداءً وامتثالاً فجعل أبو بكر عمر عنده عندما سير جيش أسامة ليستشيره ويكون عضداً له وكان عمر يستشر ابن عباس ويقول له : غص غواص مع أنه كان صغير السن , وكان يستشير الصغار ليربيهم على أمر الشورى واستشار أيضاً حفصة في قدر مكث الغازي في الثغر وصبر أهله عنه , وكانت الشورى أمراً دارجاً بين الصحابة والتابعين والعلماء الراسخين فأفلحوا وأنجحوا ,
ومن استشار شخصا فقد ضم عقله إلى عقله , ليتخير أرجح العقول وأسلمها وأحكمها ، ومن طبق أمر الشورى في معظم أحواله فهذا دليل على كمال عقله ونبله , لاكما يظن البعض أنه ضعفاً وعدم استطاعة تصرف , فالعاقل لايكتفي برأيه بل يتهم عقله , إذ لوكا ن يستغني عن الشورى أحد لستغنى عنها ذا العقل الراجح والقول الصائب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقد كما روى ابن عباس رضي الله عنه عنه أنه قال (مامن نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر ) وإبراهيم عليه السلام عندما رأى في الرؤيا الأمر بذبح إبنه ورؤيا الأنبياء حق استشار ابنه فقال : { يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ }
والحق أن النقص والضعف فيمن اقتصر على رأيه , وتارك المشورة حيرته دائمة وورطته مستمره , وقد جاء في الأثر (ماخاب من استخار ولا ندم من استشار ) وكان شيخ الإسلام ابن تيميه ؟ رحمه الله – يقول: ما ندم من استخار الخالق ، وشاور المخلوقين ، وثبت في أمره .وقد قال سبحانه وتعالى ( وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ).أه
والحق أن ابن آدم ظالماً جاهلاً مخطئا {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَاوَأَشْفَقْنَ مِنْهَاوَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} و (كل ابن آدم خطاء) ولا ينكر هذا لبيب , وإلا فإن العاقل يسد الثلمة بعقل يقرنه بعقله.
والشورى كما أنها تكون خاصة بفرد يستشير بأمر يخصه , فهي أيضا تكون لجماعة وطائفة ويستشيرون من يتفقون عليه لسداد رأيه وإدراكه , فلا يتفق شباب مثلاً على أمر بدون مشورة من له فيما يريدون خبرة ومعرفة , فما أفسد بعض المجتمعات إلا اجتهادات أخطئ أصحابه الصواب , فقد يتفق شباب على عمل أمر مفضول يكون بحصوله فقدان أمر فاضل , وقد يصلحون جهة فتفسد بسببها جهة أخرى خير منها , وكذلك ينبغي لمن أمِّر على جماعة أن يشاورهم ليجبر خواطرهم ويستفيد من آرائهم , وأن لا يحتقر رأي أحد منهم وإن كان صغيرا , وإذا تبين له أن رأيهم يخالف الصواب أو كان رأيه أصوب بين لهم ذلك وأقنعهم , فإن ملكة سبأ قالت لقومها { يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ }ولما أشاروا عليها بما لايوافق الصواب وأحالوا الأمر إليها {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ } قالت مبينة لهم أمراً قد يكون خافيا عليهم { إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً}ولذلك وافق الله مقولتها فقال {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ }فأنجاها الله من الكفر والضلال إلى الإسلام والهداية , ولما عرض ملك مصر الرؤيا على ملئه أخرج الله من بينهم من بسببه كانت نجاة مصر من مصائب ستحل بهم .

Leave a Comment