أ.د. أحمد محمد وهبان

الشورى والديمقراطية

كاتب الموضوع الأصلي: نواف محمد الغفيلي

الشورى والديمقراطية المعاصرة

أولاً: تعريف الديمقراطية:

الديمقراطيةـ Democracyـ كلمة مشتقة من لفظتين لاتينيتين (Demos ) الشعب و ( Kvatos ) سلطة، ومعناها: الحكم الذي تكون فيه السلطة للشعب، وهي كلمة إغريقية الأصل([55]).

وقد اتسع مفهوم الديمقراطية في العصر الحديث، وتبنتها أنظمة حكم متباينة، ومن ثم صار لها تعاريف كثيرة بحسب الزاوية التي ينظر إليها، ولكن لا يزال تعريف الرئيس الأمريكي ( لنكولن ) للديمقراطية بأنها: ” حكم الشعب بالشعب وللشعب ” وهو الأكثر شيوعاً([56]).

ثانياً: الديمقراطية بين التحفظ والرفض:

تعددت كتابات العلماء والمفكرين المسلمين في الموقف من الديمقراطية المعاصرة، والمتتبع لهذه الكتابات يرى ثمة ثلاثة اتجاهات متباينة.

فمن الكتابات من حاولت إبراز مصطلح ديمقراطية الإسلام مقابل الديمقراطية المعاصرة، متجاوزة ما إذا كان الإسلام يتعارض والديمقراطية([57]).

وبعضها حاولت أن تبرز نظرية الشورى في الإسلام في مقابل الديمقراطية المعاصرة، وأن الشورى أوسع وأعمق من الديمقراطية المعاصرة([58]).

وثالثها هاجمت الديمقراطية المعاصرة، ورفضتها جملة، واعتبرت أن لا سبيل

إلى مزج الإسلام بالديمقراطية، ولا سبيل إلى القول بأن الإسلام نظام ديمقراطي([59]).

وعلى ضوء ذلك يمكن القول على صعيد المصطلح: إنه لا بأس من الاستعانة بكل كلمة رائجة تعبر عن معنى، وإدراجها في سياق الدعوة للإسلام، ولفها بأطر التصورات الإسلامية([60]).

ويمكن القول: إنه من حقنا اقتباس ميزات الديمقراطية، فالإسلام قد سبق الديمقراطية بتقرير القواعد التي يقوم عليها جوهرها، ولكنه ترك التفصيلات لاجتهاد المسلمين وفق أصول دينهم، ومصالح دنياهم، وتطور حياتهم بحسب الزمان والمكان، وتجدد أحوال المسلمين([61]).

حتى هذه الأمور الجزئية إذا اقتبست من غير المسلمين، تعد في هذا الوقت جزءاً من الحل الإسلامي؛ لأنها إنما اقتبست باسم الإسلام، وعن طريقه، وبعد إذنه، ووفقاً لقواعده في استنباط الأحكام الشرعية لما لا نص فيه من الوقائع والتصرفات، ولا يضيرنا أن هذه الجزئية بالذات قد أخذت من نظام غير إسلامي، فإنها باندماجها في النظام الإسلامي تفقد جنسيتها الأولى، وتأخذ طابع الإسلام وصبغته([62]).

ولا يوجد شرعاً ما يمنع اقتباس فكرة نظرية أو حل عملي من غير المسلمين، فقد أخذ النبي r في غزوة الأحزاب بفكرة حفر الخندق، وهو من أساليب الفرس([63]).

ولكن لا يعني ذلك أن نحتكم إلى الديمقراطية في حياتنا على إطلاقها، وندع إسلامنا، أو نترك الشـورى التي تمثل قيمة إسلامية عليـا في حياة الأمة: } أَفَحُكْمَ

الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَن أَحْسَنُ مِن اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ {([64]).

ثالثاً: أوجه الاختلاف بين الشورى والديمقراطية المعاصرة:

يمكن تلخيص الفروق ووجوه الاختلاف بين الشورى والديمقراطية في النقاط التالية:

1. إن الديمقراطية المعاصرة تمثل نظاماً للحكم فقط، يهدف إلى إقامة سلطة يكون الشعب هو الممارس لها، ودون أن يأخذ بالاعتبار أي أسس دينية، ولا مجال بالطبع في الإسلام لحكم شعبي منقطع عن معاني الإيمان؛ لأن الدين الإسلامي دين توحيدي يحيط بالحياة، ويضفي عليها جميعاً معنى العبادة، وينظمها بشريعة شاملة([65]).

2. إن الشورى نظام إيماني قائم على قواعد المنهاج الرباني، وهي رسالة إلى الناس جميعاً تحمل صفة الشمول، وتعد منهجاً صالحاً للتطبيق في كل عصر وزمان، أما الديمقراطية فهي تجربة بشرية محصورة بمدى استيعابها، ومحدودة بمدى إيفائها لمتطلبات الحياة، ومواءمتها لمتغيرات العصر.

3. إن سلطة الأمة في الديمقراطية المعاصرة مطلقة، فالأمة هي صاحبة السيادة المطلقة، وهي أو المجلس الذي تنتخبه التي تضع القانون، أو تلغيه، ولكن في الشورى ليست سلطة الأمة مطلقة هكذا، وإنما هي مقيدة بالشريعة، ولا تستطيع أن تتصرف إلا في حدود هذا القانون([66]).

إن الشورى الإسلامية مرتبطة بقيم أخلاقية نابعة من الدين نفسه، ولذلك فهي ثابتة غير خاضعة لتقلبات الميول والرغبات، ومن ثم فهي تضبط تصرفات الأمة ورغباتها، بينما لا تستند الديمقراطية المعاصرة إلى مثل هذه القيم الثابتة، بل هي قيم نسبية تتحكم فيها رغبات وميول الأكثرية([67]).

——————————————————————————–

Leave a Comment