الشورى ..
كاتب الموضوع الأصلي: رائد العـيسى 1
مفهوم الشورى، وأهميتها
أولاً: مفهوم الشورى:
الشورى في اللغة:
الشُّورَى: المشورة، والمشاورة: استخراج الرأي، يقال: شَاوَرْتُهُ في الأمر، استشرته، وطلبت منه المشورة.
والشُّورَة، والشَّارة: الحُسن والهيئة، يقال: شَارَ الرجل، إذا حسن وجهه، وشَارَ العسل: استخرجه واجتناه من مواضعه، وشَارَ الدابة: عرضها للبيع، كأنه من الشَّور، وهو عرض الشيء وإظهاره.
والخلاصة: فالشورى الإظهار، والاستخراج.
الشورى في الاصطلاح:
قال الراغب الأصفهاني ـ رحمه الله ـ: ” هي استخراج الرأي، بمراجعة البعض إلى البعض “.
ويقول ابن العربي ـ رحمه الله ـ: ” هي الاجتماع على الأمر، ليستشير كل واحد منهم صاحبه، ويستخرج ما عنده “.
وقال الطاهر بن عاشور ـ رحمه الله ـ: ” هي أن قاصد عمل يطلب ممن يظن فيه صواب الرأي والتدبير، أن يشير عليه بما يراه في حصول الفائدة المرجوة
من عمله “.
وعرفها الدكتور جابر الأنصاري ـ من المعاصرين ـ بقوله: ” هي استطلاع رأي الأمة، أو من ينوب عنها في الأمور العامة المتعلقة بها “.
فالتعاريف تتفق على معنى واحد للشورى، فتفيد أنها قائمة على تبادل الآراء؛ للتوصل إلى الرأي الأصوب.
الشورى في الكتاب والسنة:
أولاً: القرآن الكريم:
وردت كلمة الشورى في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع:
أولها: في خطاب موجه لولي الأمر. وثانيها: في خطاب موجه للأمة الإسلامية. وثالثها: في أمر اجتماعي.
1. قال الله تعالى: } وَشَاوِرْهُم فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُ المُتَوَكِّلِينَ .
وجه الدلالة: أمر الله نبيه r أن يشاور المسلمين؛ تطييباً لنفوسهم، ورفعاً من أقدارهم، ولتصير سُنة، فإذا عزمت على ما تريد إمضاءه من الشورى، فتوكل على الله لا على المشاورة.
2. قال الله تعالى: } وَالذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِم وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَأَمْرُهُم شُورَى بَيْنَهُم وَمِمَّا رَزَقْنَاهُم يُنْفِقُونَ .
وجه الدلالة: إن طابع الشورى في الجماعة كان مبكراً، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة، وشئون الحكم فيها، إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة
مميزة للجماعة المختارة لقيادة البشرية.
3. قال الله تعالى: } فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا.
وجه الدلالة: في الآية دليل على إباحة الله تعالى للوالدين التشاور في الرضاعة، فيما يؤدي إلى إصلاح الصغير، وذلك موقوف على غالب ظنونهما لا على الحقيقة واليقين.
ثانياً: السنة:
عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: ” المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ “.
وجه الدلالة: أفاد الحديث أن من أفضى إلى أخيه بسره، وأمنه على نفسه، فقد جعله بمحلها، فيجب عليه ألا يخون المستشير بكتمان مصلحته، وألا يشير عليه إلا بما يراه صواباً، فهو أمين على ما استشير فيه.
ثانياً: أهمية الشورى في حياة الأمة:
تعد الشورى ركيزة أساسية في بناء الدولة الإسلامية، بل هي من أُسس الحكم في الإسلام، ومن أبرز خصائصه؛ فالشورى تحتل مكان الصدارة في عداد المبادئ التي جاء بها الإسلام، وأرسى دعائم دولته.
ولأهمية الشورى في حياة الأمة، سمى الله تعالى سورة في القرآن الكريم باسم
الشورى، ومدح أهل الشورى في معرض حديثه عن فرائض كلية في الإسلام؛ ليدلل على عظيم شأنها ومكانتها، فالأمة تعيش على وجه الأرض بالخيرية من السعادة في تطبيقها؛ لهذا المبدأ قال رسول الله r: ” إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارُكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاؤُكُمْ، وَأُمُورُكُم شُورَى بَيْنَكُمْ، فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا “.
والشورى في الأمة مبدأ أصيل، وصفة لازمة، بدونها تفقد الأمة صلاحها كما لو تركت الصلاة أو الصيام، حيث ترتكز عليها كل دولة راقية تنشد لرعاياها الأمن والاستقرار، والفلاح والنجاح؛ ذلك لأنها الطريق السليم التي يتوصل بها إلى إجراء الآراء والحلول، لتحقيق مصالح الأفراد، والجماعات، والدول.
وما تمسك المسلمون بالكتاب والسنة، فإنهم لن يضلوا بقرار يصدرونه بالشورى، ولا يجمعون على باطل، كما روي عن رسول الله ، وتلك العصمة النسبية من الباطـل لنتيجة الشورى العامة، تؤكد جليل شأنها في الحياة الإسلامية، والسياسية.
والشورى في الإسلام أصل مشروعية الولاية العامة على الأمة، وهي الشورى السياسية، قال عمر t: ” فَمَنْ بَايَعَ امْرَأً مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ المُسْلِمينَ، فَإِنَّهُ لا بَيْعَةَ لَهُ وَلا للذِي بَايَعَهُ .
وقد تفرد الإسلام بهذا المبدأ الأصيل، وأقره سلوكاً عاماً في المجتمع، وأسلوباً في إدارة الشئون العامة، حتى ربط العالم ابن عطية ـ رحمه الله ـ به شرعية الحكم فقال :”إن من لا يستشير أهل العلم والدين، فعزله واجب لا خلاف فيه “.
والشورى تحتاج إليها كل جماعة ترغب في إصلاح شأنها وتقدم بلادها؛ لأنها من أهم أسباب صلاح المجتمع، ومن أهم أسس الحضارة الإسلامية الإنسانية، وتشتد حاجة الأمة إلى الشورى حرصاً على استمرار حضارتها واضطراد تقدمها، … ويكفي أن الشورى مطلب الأمم الواعية المتنورة يكفي هذا دليلاً على عظمة نظام الشورى أساساً من أسس الشريعة الإسلامية الخالدة.