الصراع العربي الغربي
كاتب الموضوع الأصلي: محمد عمير القحطاني
الصراع العربي الغربي
على الرغم من أن أوروبا دائماً تساند إسرائيل وتدعم موقفها ضد الشعوب العربية ، إلا أن بعض المنظمات المدنية التي تحكم الضمير الإنساني تتفاعل مع الأحداث المأساوية التي تحدث يومياً على أرض فلسطين ، وكان على سبيل المثال حصار مقر الرئاسة الفلسطينية وحصار كنيسة المهد .
وقد قام بعض المشاركين في منظمات المجتمع المدني بعمل دروعاً بشرية تدرأ الشر عن المحاصرين فإنهم لم يكونوا يمثلون مجرد حالات فردية من حالات الشهامة ونُصرة المظلوم، بل إنهم كانوا يواصلون بشكل مشهود العمل التضامني المؤسسي الذي تقوم به منذ أكثر من عامين منظمات المجتمع المدني الغربي في إطار بعثات تُسمى البعثات المدنية من أجل حماية الشعب الفلسطيني.
وقد قامت هذه المنظمات غير الحكومية بدور فعال في تبصير الرأي العام بحقائق الأمور في فلسطين ، ولولا ضغط الرأي العام لما صوت البرلمان الأوروبي قبل شهر بالموافقة على مشروع قرار يتعلق بتعليق اتفاق الشراكة الاقتصادية الأوروبي الإسرائيلي الموقع عام 1995، والذي تحصل إسرائيل بموجبه على معاملة تجارية تفضيلية تشمل إعفاء صادراتها من الرسوم الجمركية، هذا ولو أن الحكومات لم تأخذ برأي البرلمان.
ورغم أن المفوضية الأوربية اعترضت مراراً على تزييف إسرائيل لشهادات منشأ منتجات المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة بعد أن تبين أن هذه المنتجات تستفيد بشكل غير قانوني من الإعفاءات الجمركية التي تستفيد منها الصادرات القادمة من إسرائيل فإن هذا التحايل الإسرائيلي لم يُصبح قضية سياسية إلا بعد أن تحركت منظمات المجتمع المدني الأوروبي في حملات توعية للرأي العام، بل إن هذه الحملات توسعت في الأسابيع الأخيرة لتصل إلى حد الدعوة إلى مقاطعة جميع السلع الإسرائيلية لحمل إسرائيل على إنهاء الاحتلال.
وقد شملت حملة المقاطعة المؤسسات والشركات البريطانية التي تتعامل وتبيع البضائع الإسرائيلية المنتجة في المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان تصعيداً كبيراً هذه الأيام خاصة في ظل الاتهامات التي وجهتها عدد من المنظمات الأوروبية الدولية لإسرائيل باقتراف جرائم حرب في مخيم جنين ورام الله وغيرها من المدن الفلسطينية، منظموا الحملة سيروا حافلة خاصة تجوب شوارع العاصمة البريطانية لندن تحمل عليها شعارات تدعو إلى مقاطعة المحال التجارية والمؤسسات التي تبيع البضائع الإسرائيلية.
وقد عددت الحملة مجموعة من المحال والمنتجات التي تشارك فيه إسرائيل مثل ( محل شركة Marks and Spencer منتجات مؤسستي East Logger وloyal لمواد التجميل والعطورات، منتجات شركتي Danon، ونستله الغذائية والتي من أشهرها قهوة نيسكافيه وبسكويت جاكوبز، شركة جونسون آند جونسون الأميركية للمنتجات الصحية ولوازم رعاية الأطفال، شركة كوكا كولا للمشروبات، مؤسسة ولت ديزني ومنتجات كمبلي كلارك والتي من بينها حفاضات هوجيز، ملابس مؤسستي ريفر أيلند وجفلوند ، ثم شركة دلتا ومقاهي استاربك .
وبعض مؤيدي الحملة يشيرون إلى أن جهودهم كللت بنجاح قبل بضعة أشهر عندما أقدمت بعض المحلات على سحب البضائع الإسرائيلية المنتجة في المستوطنات لعدة أسابيع رغم أنها تراجعت عن قرارها ذلك بعد ضغوط إسرائيلية شديدة ، لذلك فإن البعض يبقى غير مقتنع بجدوى مثل هذه الحملات خاصة في ظل النفوذ القوي والفعال الذي تحظى به إسرائيل داخل المؤسسات السياسية والاقتصادية البريطانية وبين رجال الأعمال وسطوتها على وسائل الإعلام، علاوة على ذلك فإن تلك الشركات والمحال المستهدفة هي أصلاً ملك ليهود لم يتورع بعضهم في التعبير عن تأييده المادي والمعنوي لإسرائيل على مرأى ومسمع من العالم أجمع.
ومن الأمثلة الحية على ذلك شركة (ماركس آند سبنسر) التي تدعم إسرائيل تجارياً كل سنة بأكثر من 500 مليون دولار أميركي، وحينما طلبت قناة الجزيرة لقاءً مع مدير ماركس آند سبنسر غير أن الشركة أرسلت بدلاً عن ذلك بياناً أهم ما جاء فيه هو أن شركة ماركس آند سبنسر لا تفاضل في تعاملاتها التجارية بين الدول، وأن بيع بضائع المستوطنات على أنها إنتاج إسرائيلي لا يخالف قوانين التجارة البريطانية أو الأوروبية.
ومع كل هذا يشكك البعض في قدرة هذه الحملات على التأثير في الشارع العام ، غير أن آخرين يشيرون إلى أن مثل هذه الحملات تحديداً أسهمت في الإطاحة بنظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وهذه هي المهمة التي وضعتها البروفيسيره هيلاري روز وزوجها على عاتقهما إذ يقودا حملة في صفوف الأكاديميين الأوروبيين لوقف كل أشكال التعاون العلمي بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي مستحضرين الأثر الإيجابي الذي تركته حملة مقاطعة مماثلة على نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا خلال السبعينيات.
وقد استطاعت جهود هذين الزوجين أن تثمر أكثر من 800 توقيع من قِبَل أساتذة وباحثين من مختلف أنحاء القارة الأوروبية فيما يعتبرهم البعض جبهة جديدة في حرب مقاطعة أي تعاون مع إسرائيل.
ولكن يبدو أن المقاطعة أصبح لها وجهان، وجه عربي ووجه أوروبي، ولهذا فإن السؤال الآن يتعلق بمعرفة أي من المسعيين هو أكثر واقعية ونجاح، المسعى الشعبي الأوروبي لمقاطعة السلع الإسرائيلية، أم المسعى الشعبي العربي لمقاطعة السلع الأميركية، فقد وصلت المبادلات التجارية بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي إلى60% من المبادلات التجارية الإسرائيلية فهي مهمة جداً بالنسبة لإسرائيل، وهذا يعني ذلك أن المقاطعة الشعبية الأوروبية للسلع الإسرائيلية لو توسعت لكان أكثر نجاحاً من المقاطعة الشعبية العربية للسلع الأميركية.
وربما هناك نجاحات وتقدم خصوصاً بما يتعلق بنظم المعلومات التي تم جمعها حول حجم وتفاصيل التبادل الأوروبي الإسرائيلي، وما رأيناه للتو يعكس تقدماً معيناً في هذه الحملة، ولكن أياً كان شأن الحملة الأوروبية لا أعتقد أن المجال متاح للمفاضلة بينها وبين الحملة العربية الشعبية والرسمية التي ينبغي أن تبقى ذات أولوية بالنسبة لنا، وفي رأيي أنه ينبغي الإقرار بداية أن هناك تقصير سياسي وتقني من قِبَل حكوماتنا العربية بالنسبة لهذه المسألة.
وإذا رجعنا إلى الماضي قليلاً نرى أن هذا الموضوع لا يُطرح إلا كردة فعل على أحداث وليس هناك قرار سياسي أو تصور استراتيجي لجعل موضوع المقاطعة سواءً للبضائع الإسرائيلية أو للبضائع، أو على الأقل يعني التهيؤ لاستعمال المقاطعة ضد البضائع الأميركية لا يبرز هذا الاهتمام كخيار استراتيجي أو كجزء من خياراتنا الاستراتيجية في مواجهة تحديات لا نزال منذ نحو 100 عام نواجهها .
أما فيما يتصل بموضوع الصراع العربي الإسرائيلي، فنحن نؤيد وندعم ما جرى في لبنان ومصر والأردن وعدد من دول الخليج وغيرها من الدول من حملات عفوية لا أرى أن الأفق كبير جداً وبالتحديد لا أرى إن هذا يشكل بديل عن فتح ملف هذا الموضوع على أعلى مستوى وتحضير ما يسمح بنقل مجرد ردود فعل كما يجري حالياً، وكما جرى في فترات سابقة الانتقال من مجرد ردود الفعل إلى جعل هذه المقاربة جزء من خيار استراتيجي يقوم أساساً.
كما أنه ينبغي بذل الجهود لمعرفة تفاصيل هذه المبادلات سواءً تمت.. تمت مباشرة أو عن طريق أطراف ثالثة، وفي اعتقادي أن ما يجري إلى الآن يطال فقط حركة السلع، أنا في تقديري الموضوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام، هناك استيرادنا للسلع، هناك استيرادنا للخدمات، وهناك موضوع النفط، باختصار ما أراه ممكن كخيار استراتيجي بالنسبة لتجارة السلع، بالنسبة لاستيرادنا للسلع هو أن نتوصل إلى أولويات لأن حركة التبادل وتنوعها وشمولها مئات بل آلاف الأصناف قد يجعلنا نصطدم بعراقيل كثيرة إذا لم يكن لدينا أولويات، والأولويات أرى أن تتحدد بحسب 5 مؤشرات:
1) الوزن النسبي للبنود الأساسية للسلع التي نستوردها من.. من الولايات المتحدة.
2) أهم الشركات في كل بند من البنود الرئيسية للمستوردات.
3) درجة تعاطي هذه الشركات وتعاملها مع إسرائيل كشريك تجاري، سواءً مباشرة أو عبر أطراف ثالثة.
4) مدى تأثير هذه الأنشطة المعنية بتلك المستوردات على نشاط القطاع الاقتصادي في بلداننا.
5) مدى توفر بدائل لكل من البنود التفصيلية التي حددناها.
ومن الطبيعي ألا نضع أولويات بحسب تدرج الشركات الأميركية وتورطها في التعامل مع إسرائيل ، فنأخذ بتحضير موقف من جانبنا تجاه هذه الشركات، وكذلك موضوع الخدمات هي تخفي على معظم الناس، نستورد خدمات مصرفية، نستورد خدمات تأمين، نستورد خدمات أسواق مالية، نستورد خدمات مكاتب تدقيق محاسبي، نستورد خدمات نقل وطيران، نستورد خدمات سياحية، نستورد نظم معلومات، أليست هناك بدائل خارج الولايات المتحدة؟ فعلينا أن بحث بجد عن البديل الذي لا يجبرنا على الخضوع لأي قوى طاغية .