الطبيعة القانونية للحماية الدبلوماسية
كاتب الموضوع الأصلي: أحمد عيظه 3
الطبيعة القانونية للحماية الدبلوماسية
من القواعد المسلمة في الفقه والقضاء الدوليين أن الحماية الدبلوماسية حقللدولة ولكنها ليست حقاً من حقوق الأفراد , وأن دعوى المسئولية الدولية التيتحركها الدولة المدعية لحماية مواطنيها دبلوماسياً علاقة قانونية بين الدولتينالمدعية والمدعى عليها لا شأن للفرد موضوع الحماية بها إطلاقا , فبمجرد تدخلالدولة المدعية لحماية الفرد المتمتع بجنسيتها – أو ما في حكمه – تنتهي العلاقةالقائمة بينه وبين الدولة المدعى عليها , لتحل محلها علاقة من نوع جديد بين هذهالأخيرة والدولة المدعية .وبناء علي ذلك قضت المحكمة الدائمة للعدل الدولي في حكــمـها الصــــــادرفي 30 – 8 – 1924 ف , في النزاع بين ” بريطانيا واليونان” في شأن قضيةعقود الامتياز الممنوحة في فلسطين ” لمافروماتيس” بما يأتي (( منالمبادئ الرئيسية في القانون الدولي أن كل دولة لها الحق في حماية مواطنيها إذالحقتهم اضرر نتيجة لما يصدر عن الدول الأخرى من أعمال تخالف أحكام القانون الدولي, وذلك إذا لم يستطيعوا الحصول علي الترضية المناسبة عن طريق الوسائل القضائيةالداخلية . والدولة إذا تتبني قضية أحد مواطنيها , وتلجا في شأنها إلي الطريق الدبلوماسيأو إلي الوسائل القضائية الدولية , فإنها – في واقع الأمر – إنما تؤكد حقها هي ,أي حق الدولة في أن تكفل – في أشخاص مواطنيها – الاحترام اللازم لقواعد القانونالدولي … , وإذا حدث أن تقدمت إحدى الدول , نيابة عن أحد مواطنيها , بقضية ماإلي محكمة دولية , فإن هذه الدولة وحدها هي التي تعتبر في نظر المحكمة التي ترفعإليها الدعوى الجهة المطالبة بالتعويض )) . وقد أيدت محكمة العدل الدولية في قضية نوتنبوهم بين ” ليشتنشتين وغواتيمالا ” في 6 – 4 – 1955ف , ما انتهت إليه محكمة العدل الدولية الدائمةفي قضــــــــــية ” مافروماتيس ” , حين أكدت أن الحماية الدبلوماسيةتعتبر حق للدولة . وقد ذكرت : (( بأن الحماية الدبلوماسية تُشكِل , عن طريقالوسائل القضائية , إجراءات للدفاع عن حقوق الدولة )) .وبهذا فإن الحق في ممارسة الحماية الدبلوماسية حقا خاص بالدولة لإصلاحالأضرار التي تلحق بمواطنيها ورعاياها , ولذلك فبمجرد أن تتدخل الدولة لحمايةالفرد المتمتع بجنسيتها تنتهي العلاقة بينه وبين الدولة المسئولة , لتحل محلهاعلاقة جديدة بين دولة الفرد المضرور والدولة التي ارتكبت الفعل غير المشروع ,فيتحول النزاع من المستوى الداخلي إلي المستوى الدولي .
ويترتب علي اعتبار الحماية الدبلوماسية حقا خاصا بالدولة عدد من النتائج فيغاية الأهمية والتي تتمثل في الأتي :-1- للدولة مطلق الحرية في التدخل أو عدم التدخل لحماية مواطنيها , فهذاالأمر يخضع للسلطة التقديرية المطلقة لدولة الشخص المضرور , دون أن تكون ملزمةبتبرير قرارها بأي طريقة كانت , والفرد لا يستطيع أن يجبر دولته علي ممارسةالحماية الدبلوماسية إذا لحق به ضرر . ومحكمة العدل الدولية أشارت في قضـــــية” برشلونة للقوي المحركة” عام 1970ف , إلي حرية الدولة في ممارسةالحماية الدبلوماسية عندما قررت انه (( يجب أن يكون للدولة الحرية التامة في تقديرما إذا كانت ستمارس الحماية الدبلوماسية …., ومدي نطاق هذه الحماية , ومتي ينتهيأجل هذه الحماية … )) .
2- إن للدولة الحق في التنازل عن حقها في حماية رعاياها سواء بعد وقوعالفعل الضار أو قبل وقوعه , كما لها الحق في التنازل عن دعوى المسئولية الدولية فيأي مرحلة من مراحلها , بل والتنازل عن تنفيذ الحكم الصادر لمصلحتها بعد صدوره ,ولا يؤثر في صحة التنازل رضا الفرد موضوع الحماية بالتنازل أو اعتراضه عليه , وإنالقرار الذي تتخذه الدولة في هذا الصدد يكون من قبل أعمال السيادة , التي لا يجوزالطعن فيها أمام المحاكم الداخلية .
3- كذلك يترتب علي اعتبار الحماية الدبلوماسية حقا للدولة التي يحملالمضرور جنسيتها , مطلق الحرية في اختيار لحظة تحريك دعوى المسئولية الدولية , وفياختيار وسيلة تحريكها والجهة القضائية التي تلتجئ إليها .
4- للدولة الحق في التصالح مع الدولة المدعى عليها أياً كانت شروط الصلحوأحكامه , حتى ولو كان من شأنها المساس بحقوق الفرد موضوع الحمــاية أو الإضرار به.
5- إذا ما حكم للدولة المدعية بتعويض , فلها مطلق الحرية في تحديد كيفيةالتصرف فيه , ولا يوجد في القانون الدولي العام ما يلزم الدولة بتسليم التعويض كلهأو بعضه للفرد موضوع الحماية , والتعويض في نظر القانون الدولي حق للدولة وليس حقمن حقوق الفرد , ومن ثم فلها حرية التصرف فيه علي النحو الذي تراه . ومن خلال ما تقدم فقد أوضحت أن الحماية الدبلوماسية في تكييفها الصحيح , حقللدولة وليست حق للفرد , ويترتب علي هذا التكييف نتيجة منطقية مقتضاها أن التنازلعن الحماية الدبلوماسية من الأمور الجائزة لدولة , ولكنه يكون باطلا إذا وقع منالفرد , في صورة ما يعرف “بشرط كالفوا” , لان الشخص لا يملك التنـــــازلإلا عن حقوقه وحدها دون تلك الثابتة لغيره من الأشخاص , ولذلك سنتطرق إلي بيان”شرط كالفوا”شرط كالفوالقد عملت بعض الدول على أن تضمّن العقود العامة التي تبرمها مع الأجانبشرطاً بموجبة يتنازل الأجانب المتعاقدين مع الدول عن حقهم في الحصول على حمايةدولتهم فيما يتعلق بتنفيذ العقد , فهذه الدول حاولت تحديد مسؤوليتها الدولية عنالأضرار التي تصيب الأجانب على إقليمها , وتقرير الإعفاء المطلق من تحمل تبعةالمسؤولية الدولية سواء تبث التقصير أم لم يثبت , وتتعهد الشركة أو الفرد بمقتضىهذا الشرط , أن تكتفي بطرق التقاضي المحلية , وعدم الالتجاء إلى دولته لممارسةالحماية الدبلوماسية لصالحه , ويعرف هذا الشرط بشرط كالفوا ذلك نسبة إلى”كارلوس كالفو” وزير خارجية الأرجنتين الأسبق وأستاذ القانون الدوليبجامعاتها .هذا ومن المعروف أن دول أمريكا اللاتينية كثيراٌ ما تضمن ما تبرمه من عقودمع الأجانب هذا الشرط ” شرط كالفوا ” , وقد اتخذ هذا الشرط صوراٌ عديدة, أكثرها شيوعاٌ ذلك النص الذي درجت المكسيك علي تضمينه في عقودها مع الأجانب المقيمين على إقليمها, وهذا صورته (( يعتبر المتعاقد الأجنبي كالوطنين في كلالأمور التي قد يتطلبها أو يثيرها تنفيذ هذا العقد داخل جمهورية المكسيك , ومن ثمليس له أن يطالب بأية حقوق أو وسائل تقاض , أو تعويض أكثر من الحقوق والوسائلالمقررة في قوانين جمهورية المكسيك الخاصة بمواطنيها , كما يقر بعدم الإذن بالتدخلالدبلوماسي من جانب دولته للمطالبة – نيابة عنه – بأي حق من حقوقه تنفيذاً لهذاالعقد )) .
ومن منطلق أن الحماية الدبلوماسية حق للدولة ولكنها ليســـت حــــقللفـــرد , جواز التنازل عنها من قبل الدولة , وبطلانه إذا ما وقــع من الفردفـــي صـــــورة ما يعرف “بشرط كالفوا” , لان الشخص لا يملك إلا التنازلعن حقوقه وحدها دون تلك الثابتة لغيره من الأشخاص .
وقد استقر القضاء الدولي – بعد تردد لم يطل – على الحكم ببطلان هذا الشرط ,ومن ثم فلم يرتب عليه أيه نتائج على الإطلاق .
![]()