الطبيعة القانونية للمسؤولية الدولية عن الأضرار الناتجة عن ال
كاتب الموضوع الأصلي: سعود اليوسف 1
إن المسؤولية الدولية عن النتائج الضارة الناجمة عن أعمال لا يحظرها القانون الدولي ضرورة ملحة ومشكلة صعبة، إذ أننا نتساءل في حالة وقوع أضرار كهذه، فمن الذي يجب أن يتحمل نتيجتها؟ أيتحملها المضرور الذي شاءت الأقدار أن يكون ضحيتها صدفة، أم يتحملها محدث الضرر وهو المستفيد من هذه الأنشطة؟.
وإذا كان المنطق يقتضي إسناد المسؤولية للمتسبب في تلك الأضرار، فما هي طبيعة هذه المسؤولية، وعلى أي أساس تقوم.
ما يمكن قوله هنا أن المسؤولية عن النتائج الضارة عن أعمال لا يحظرها القانون الدولي موضوع صعب، ليس لأنه لم تسبقه دراسات وافية في الماضي فحسب؛ بل – أيضاً – لأنه يقتضي محاولة القضاء على التناقض الموجود بين حرية الدولة في القيام بأنشطة مشروعة في إطار القانون الدولي، وبين اهتمام الدول الأخرى بتجنب الأضرار الناجمة عن مثل هذه الأنشطة، كما أن عدم مشروعية إلحاق خسارة أو ضرر بدولة أخرى ليس موضع شك من حيث المبدأ؛ ولكن من الواضح أنه إذا مارست دولة شؤونها المشروعة على نحو معقول فإن تسببها في خسارة أو ضرر لدولة أخرى يترتب عليه بالضرورة مسؤولية دولية على الدولة المصدر.
وعلى ضوء ما تقدم، ومن خلال ما تناولنا في طلبات هذا البحث، فقد توصلنا لجملة من الاستنتاجات، والتوصيات والمقترحات، نرمي من خلالها إلى تعزيز المسؤولية الدولة عن الأعمال التي لا يحظرها القانون الدولي، نوردها على النحو التالي:
أولاً: الاستنتاجات
1. إن موضوع مسؤولية الدول عن الأعمال غير المشروعة، وموضوع مسؤوليتها عن الأضرار الناجمة عن أعمال لا يحظرها القانون الدولي، يمثلان موضوعين مستقلين ومنفصلين سواءً من حيث الطبيعة القانونية أو من حيث الأساس أو المضمون.
2. في موضوع مسؤولية الدول عن الأعمال غير المشروعة ينجم الحدث الضار عن خرق التزام دولي، وفي الموضوع الحالي فإن الحدث الضار، وإن كان يشكل حدثاً يمكن التنبؤ به لا يشكل خرقاً لالتزام دولي، إذ ينجم عن نشاط إنساني، يعتبر مشروعاً أو غير محظور دولياً طبقاً للمبدأ (21) المنصوص عليه في إعلان استكهولم 1972م، والذي يمنح للدولة أقصى قدر من حرية العمل داخل إقليمها بما يتواءم مع احترم سيادة الدول الأخرى.
3. في حالة مسؤولية الدول عن العمل غير المشروع، فإن الدولة تعفى من المسؤولية إذا أثبتت أنها قد استخدمت جميع الوسائل المعقولة والمتوافرة لديها لمنع الحادث، ولكنها فشلت على الرغم من ذلك، غير انه بموجب نظام هذا الموضوع فإنه يكون على الدول المسؤولة أن تدفع تعويضاً كقاعدة عامة عن الضرر الذي سببته لدولة أو لدول أخرى، حتى ولو قامت بالتزامها بالمنع على الوجه المعقول، أي طبقاً للوسائل والمعارف العلمية والتقنية المتوافرة لديها، بما فيها قيامها بالإعلام والإخطار والتفاوض مع الدول التي قد تتعرض لأخطار وعواقب من جراء الأنشطة أو المشاريع التي تقوم بها، سواءً بناء على طلب من الدولة التي قد تتضرر أو الدولة المصدر.
4. إذا كان الغرض من جبر الضرر هو استعادة الوضع القانوني الذي كان موجوداً قبل ارتكاب الفعل غير المشروع، فإن التعويض في الموضوع الحالي يتحدد استناداً إلى عدد من العوامل كمبدأ توازن المصالح الذي يمكّن الدول من التوفيق بين أهدافها وأنشطتها، بحيث لا تستتبع المنفعة التي ترنو إليها، وتسعي إلى تحقيقها، إلحاق الخسارة أو الضرر بدولة أخرى، وهذا ما يجعل التعويض لا يكون دائماً معادلاً للضرر الفعلي المعانى منه.
5. إن الموضوع قيد البحث لا علاقة له بالسياسة، ولكنه مرتبط أكثر بقضية التنمية، وبعبارة أخرى فهي مشكلة بين شمال الكرة الأرضية وجنوبها، عكس ما هو عليه الحال في المسؤولية الدولية عن العمل غير المشروع، فنحن لو نزلنا إلى الواقع الدولي، فإن من الصعب تصور فرض عقوبة على الولايات المتحدة أو أي دولة كبرى، على العكس من ذلك نجد توقيع عقوبات على بلدان كثيرة مثل كوبا، وليبيا، والعراق، وسوريا، وقد تكون عقوبات سياسية أو اقتصادية.
ثانياً: التوصيات
1. يرى الباحث بأنه ولفرض مسؤولية الدولة المترتبة على العمل غير المشروع، فإنه يفترض – على الأقل – وجود خطأ وقعت فيه الدولة مع إمكانية نقل نظرية المخاطر والتي أقرتها بعض التشريعات المدنية في دول كثيرة، إلى ميدان القانون الدولي، مع الإبقاء على نظرية الخطأ كأساس للمسؤولية الدولية.
2. يرى الباحث بأنه يتعين على المجتمع الدولي حث لجنة القانون الدولي للإسراع في تكملة مشروعها الخاص بالمسؤولية الدولية عن الأعمال التي لا يحظرها القانون الدولي، وتقنينه من أجل سد الذرائع أمام الدول التي تحتج بمشروعية أنشطتها التي ينتج عنها أضرار تصيب دولاً أخرى.
3. باعتبار أن الأضرار العابرة للحدود عادة ما تكون أضراراً تمس عنصراً من عناصر البيئة، لذا يرى الباحث بأنه ومن أجل الحفاظ على مصلحة الجنس البشري، فإنه لابد بالضرورة الإبقاء والمحافظة على الخصائص الطبيعية للبيئة، لكونها تمثل عناصر أساسية للحياة البشرية.
4. كما هو معلوم فإن بعض النشاطات تفرز كمية من المواد الملوثة بصورة عادية ومستمرة، ولذا يوصي الباحث الجهات المعنية بضرورة العمل على الحد من هذه النشاطات؛ لأن تزايدها من حيث الحجم والعدد في بلد ما من الطبيعي، أن يؤدي إلى إفراز مواد ملوثة بكميات مرتفعة قد تتجاوز الحد المسموح به دولياً.
5. يوصي الباحث بضرورة قيام الدول ومنها الجمهورية اليمنية بمنح محاكمها الوطنية استناداً لتشريعاتها الوطنية اختصاصاً نوعياً للنظر في دعاوى الضرر العابر للحدود التي تقدم من هيئات أو مؤسسات أو أفراد.
6. يوصي الباحث الأجهزة المعنية بالبيئة في الجمهورية اليمنية (وزارة المياه والبيئة، الهيئة العامة لحماية البيئة) بضرورة السعي وبجدية في نشر الوعي البيئي والمعلومات البيئية فيما بين الجمهور، حتى يدرك أن هناك قضية هامة من الضرورة الوقوف أمهامها بحزم، وحتى يتحمل كل فرد في المجتمع مسؤوليته في حماية البيئة.
خلاصة، يمكننا القول أن جوهر موضوعنا يتمثل في وجود الضرر الفعلي كأمر أساسي لقيام المسؤولية، وهذا ما يؤكد لنا مرة أخرى بما لا يدع مجالاً للشك بأنه ليس هناك ما يسوغ للدول التنصل من التزاماتها الدولية بالاستناد إلى أحكام قوانينها الداخلية كأساس لذلك؛ لأن مسألة التزام الدول بأحكام قواعد القانون الدولي التعاقدية منها والعرفية أصبح أمراً مسلم به، وصار في الواقع أحد المبادئ العامة للقانون الدولي التي لا يمكن – بل لا يجوز – الخروج عليها.