أ.د. أحمد محمد وهبان

الطبيعة والدولة عند توماس هوبز

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العيفان

1ـ حالة الطبيعة عند هوبز.
أ ـ حرب الكل ضد الكل:
في رأيي هوبز، الطبيعة جعلت من الناس متساويين. في الواقع يوجد اختلافات في القوة الجسدية والفكرية بين البشر،ولكن هذا لا يبرر اللامساواة الدائمة. فالضعيف،يقول هوبز،هو دائما لديه القوة الكافية من أجل قتل القوي، فالاختلافات الجسدية يمكن أن تصبح لا قيمة لها. أما بالنسبة للاختلافات العقلية فهي وهمية لحد كبير: فكل واحد يعتقد نفسه أكثر ذكاء من الآخرين، ولكنها فكرة موجودة عند كل البشر.
ب ـ (…) من المساواة تأتي الريبة والشك:
المساواة نفسها تسمح لكل واحد بالاعتقاد أنه يستطيع هزيمة الآخر، أو أن يكون مهزوما من قبله.إذا المساواة وبعكس ما نعتقد في الغالب، لا تحدث الألفة أو الود،بل تحدث الشك والريبة[26].
ت ـ (…) من الشك إلى الحرب:
بفعل هذه الريبة، فإنه تصرف عقلاني بالنسبة للإنسان ألا ينتظر أن يهاجمه الآخر، بل أن يأخذ المبادرة و يجعله غير قادر على مضايقته المحتملة وحتى يصل إلى درجة لا يمكن لأي شخص أن يهدده.(المرجع السابق).

ضمن هذه الظروف، نحن نفهم أن المجتمع، في حالة الطبيعة، هو بشكل كبير غير مستقر، وفي هذه الحالة البشر “هم في ظرف كهذا نستطيع أن نسميه بالحرب، وهذه الحرب هي حرب الكل ضد الكل”[27]،”وما هو أخطر من كل شيء، أن هذه الحالة من الحرب هي مستمرة، وبالتالي حياة الإنسان ستكون مليئة بالوحدة والرعب وقريبا جدا من حياة الحيوان”[28].

2 ـ حالة الطبيعة هل هي حقيقة موجودة ؟
هوبز يجيب : لم يوجد لحظة في التاريخ حيث كل الإنسانية عاشت في حالة الطبيعة. بالمقابل يوجد مناطق عرفت هذه الحالة ويعطي مثالا عن القارة الأمريكية. وحالة الطبيعة توجد أيضا بين الأمم، أما الدليل فهو واضح جدا: كل الدول تتسلح وترسل الجواسيس وتبني جيوشا. لكن المثال الأكثر عمقا عن حالة الطبيعة عند هوبز فيراه في “الحرب الدائمة وحالة الطبيعة الدائمة” في الدولة البوليسية نفسها، فهي تهدد بالظهور في كل لحظة.
3 ـ لا يوجد عدالة في حالة الطبيعة.
يصل هوبز إلى هذه النتيجة من خلال العديد من المضاعفات التي يتحدث عنها. ففي الحرب”العنف و الخديعة هما الفضيلتان الأساسيتان”،حيث لا مكان للحديث عن العدالة و الظلم، ما يمكن حسابه فقط هو علاقات القوة. وحالة الطبيعة هي حالة من الحرب، إذا نستطيع القول أن العدالة و الظلم غير موجدين فيها،حتى أنه لا يوجد قانون طبيعي”. (المرجع السابق،الصفحة 126). أيضا يقول هوبز:”في حالة الطبيعة، مفاهيم الشرعية و اللاشرعية،العدالة و الظلم، ليس لها مكان. هنا حيث لا يوجد سلطة مشتركة،لا يوجد قانون”. ( الصفحة 126).
4 ـ مشكلة التعاقدات.
حالة الطبيعة إذا لا يمكن العيش فيها، لذلك لا بد من البحث عن مخرج. ولكن كيف؟ للإجابة على هذا السؤال ،يحاول هوبز توضيح مفهوم العقد أو التعاقد. فالقانون الأول للطبيعة هو حماية النفس،ولهذا الغرض الإنسان يقوم بالحرب. ولكن إذا وجدت وسائل أقل تكلفة للحماية من الأخطار، فإن هذا سيكون بالنسبة للإنسان قانونا طبيعيا للعقل أن يقبل بالوسائل الجديدة. وحتى توجد هذه الوسيلة لا بد من المضي إلى مرحلة العقد. للأسف،من أجل إقامة العقد لا بد إجباريا عند هوبز من رفض الأفكار التقليدية “للحالة الاجتماعية الطبيعية”، للوعي الأخلاقي وللنيات الطيبة، هذه الأفكار التي تقع ضمن النظريات التقليدية للقانون الطبيعي؛ لأن هوبز يعتقد ومن أجل الوصل للتعاقد مع الآخر، أنه لا بد من الحديث معه، لكن الكلام لا يكفي فهو ليس إلا كلاما في الهواء، خاصة عند يشعر الإنسان بخطر يهدده فإنه يتخلى عن هذا الكلام. وفي هذه الحالة لا يحترم الكلام إلا بوجود قوة مشتركة تعاقب من لا يحترم التعاقدات وفي جميع الظروف وبالتساوي بين الجميع. وفي هذه الحالة فقط لا غير يمكننا الاعتماد على احترام التعاقد، ويصبح العقد عقلانيا و ليس طبيعيا. يبقى في هذه الحالة اختبار مدى إمكانية و طرق إقامة تلك القوة التي تحكم بين الجميع والتي هي إشارة لانتهاء عصر بأكمله وبداية طريقة أخرى في الحياة. في الجزء الثاني من كتاب”التنين” والمعنون “بالجمهورية” يختبر هوبز هذه الإمكانية.

5ـ العقد الاجتماعي عند هوبز.
أ ـ مقدمة أساسية:
القوة التي ستحك بين الناس سيتم إذا التعبير عنها من خلال عقد اجتماعي، هذا العقد سيكون فريدا بشكله ومحتواه، بمعنى أنه لن يحتاج إلا ضامن له، لأنه هو الضمان بحد ذاته. هنا هذا العقد سيؤدي إلى قيان “سلطة مرئية” قادرة على :” إقامة الاحترام بين البشر، ربطهم ببعضهم من خلال الخوف من العقوبة”[29]. يحدد هوبز في هذا الموضوع العديد من النقاط الأولية :
ـ القوة “التحكيمية” التي سيقيمها العقد يجب أن تكون وحيدة في الدولة، حتى لا توجد قوى أخرى ضد هذه القوة.
ـ بما أنه لا يوجد عدالة أو ارتباط واختلاط اجتماعي طبيعي، فإن هوبز يرد بشكل “مبطن”،كما سنرى، على أطروحة أرسطو والتي وفقها يوجد تناغم عفوي أو طبيعي بين البشر،وأن العقد ليس ضروريا.

ب ـ إنشاء أو خلق الكومونويلث Commonwealth أو “الرابطة”.
ما يجب القيام به وفق هوبز:” أن يسلم أو يعهد الناس بكل سلطتهم وقوتهم لشخص واحد،أو إلى مجلس واحد والذي يستطيع التقليل أو تخفيض كل أشكال العنف، وذلك من خلال قاعدة الأغلبية، أو على إرادة واحدة (….)حيث كل واحد يعترف و يعترف له ككاتب لكل ما سيحصل أو ما يجب أن يحصل فيما يتعلق بالسلم والأمن المشترك”.( الجمهورية،الكتاب الثاني، الفصل 17، الصفحة 177).

وما يجب أن يحصل:” من خلال تعاقد كل واحد مع الآخر و كأن كل منهم يقول للثاني: أسمح لهذا الإنسان أو هذا المجلس وأترك له حقي في حكمي”. (المرجع السابق). نشير هنا إلى أن العقد الاجتماعي عند هوبز ليس بين مواطنين وملوك، بل “بين واحد و واحد آخر”. أما العلاقة هنا فهي قائمة بين المتعاقدين، والملك “أو صاحب الحكم والسيادة” هو خارج العقد وليس جزءا منه. بمعنى آخر انه غير مرتبط بأي شيء،لا يعد المتعاقدين بشيء. طبعا هذه النسخة من العقد الاجتماعي هي أصلية وجديدة أتى بها توماس هوبز. إذا المتعاقدون والملك لا يشكلون كائنا واحدا نسميه الجمهورية (الكومونويلث أو civitas في اللاتينية)، لأنه من خلال هذا النقل للإرادات إلى إرادة واحدة تمثلها جميعا،هذا النقل هو أكثر من “توافق”. فما يتم تحقيقه هو وحدة حقيقية، “شخص واحد”. ومن يمتلك هذه الشخصية نسميه الملك، والآخرون هم خاضعون له ” حيث أنه،هذا الملك،يمثل المجموع،وأن هذا العقد للتمثيل هو من يؤسس المجموع، فالملك هو المجموع.لا يوجد مجموع لوحده و ملك لوحده من جهة أخرى، فالمجموع ليس مجموع أو جماعة إلا لأن أعضاءه يربطون شخصيتهم في ممثل واحد لهم هو الملك”. (المرجع السابق). بهذه الحالة نلاحظ عدم الفرق عند هوبز بين المجتمع والدولة،إنهما كلا واحدا. المجتمع هو الدولة، والدولة هي المجتمع. والسبب أنه لا يوجد عقد بين ” ليفياثان” Léviathan ( وهو وحش مائي في الأسطورة الفينيقية تم ذكره في التوراة،حيث أصبح رمزا وثنيا للعبادة) و الشعب،لا يوجد مكان في نظرية هوبز للفكرة الليبرالية القائلة “بمجتمع مدني” يميز عن الدولة. فالمجتمع ليس موحدا إلا من خلال وداخل الملك،ليس له سوى رأس واحد وصوت واحد، إنه صوت الملك، وإذا هذا الأخير رفض أو تاجر بسلطته المتفردة فإنه يتوقف عن الوجود.

6 ـ ” الليفياثان” Léviathan.
يرى هوبز أن الدولة هي كائن قوي مهما كان الشكل أو الطريقة التي وجدت من خلالها. هوبز يعطي أو يهب هذه الدولة اسما غريبا ” الليفياثان الكبير”، وهو أقل من إله وأكثر من إنسان، و عن هذا الكائن أيضا يقول هوبز :” إن سلامنا وحمايتنا تعود لهذا الله الذي لا يموت” أي الدولة. إنه يشكل بهذه الطريقة بل يؤسس من دون أدنى شك واحدة من النظريات الأكثر تطرفا التي عرفت عبر التاريخ فيما يتلق بموضوع الدولة وسلطاتها على الأفراد.

“الليفياثان” هو من سيضع القانون القضائي والأخلاقي في كل ما يتعلق بالأفراد. فالقانون ليس شيء آخر سوى إرادة الملك.القانون بالمعنى الدقيق للكلمة هو “قيادة الشخص”، هذا الأخير الذي لديه في نفسه مبدأ الخضوع. ( من كتاب ” المواطن” De Cive ، الفصل 14، الصفحة 1). القانون هو : ” بالنسبة لكل خاضع، مجموعة من الأحكام، والتي الجمهورية، شفهيا أو كتابيا أو أية طريقة أخرى تشير إلى إرادتها، تقوده للتميز بين ما هو صحيح وما هو خطأ ( right….wrong) بمعنى ما هو ضد القانون وما هو ليس ضده”. ( الليفياثان،الكتاب الثاني، الفصل 26،الصفحة 282).

يرى هوبز أن المذاهب البرلمانية أخطأت عندما اعتقدت أن قبول أو رضاء الجسم التمثيلي يمكن أن يضيف شيئا على القانون. فسلطة الملك غير محدودة.لا يوجد قانون أعلى منه، فهو من يعرّف القانون والأخلاق،وهي ليست إلا شرحا لإرادته. سلطته أيضا لا يمكن الحد منها بسلطات أخرى، لأن جميع السلطات موهوبة منه. أيضا حكمه المطلق غير قابل للتجزئة وهنا يلتقي هوبز مع جان بودان في هذا الموضوع.
أيضا ووفق هوبز، لا يستطيع أحد الاعتراض على المؤسسة الملكية التي تم الاعتراف بها من قبل الأغلبية، ولا أحد يستطيع تجريم أفعال الملك. لأن كل واحد أراد مسبقا كل ما يريده الملك؛ لا شيء من تصرفات الملك يمكن أن يعاقب عليها من قبل الخاضعين له، لأننا نعاقبه بهذه الحالة بسبب فعل قمنا به بأنفسنا. الملك هو من يقدر الضروري للسلام والدفاع عن رعاياه. إنه يختار مستشاريه ووزرائه،يحقق العدالة،يقرر السلم والحرب.
إن نظرية الحكم المطلق عند هوبز،كما هي عند جان بودان، تتلاءم مع أشكال متعددة للأنظمة، لأنها تستطيع اتخاذ تجسيدات متعددة للملك، ومنها التقسيم التقليدي للأنظمة: ملكية،أرستقراطية و ديمقراطية.لكن هوبز يفضل الملكية من بين مختلف الأنظمة الأخرى التي تشبه الملكية. إن حجج هوبز في دعمه للملكية أو أهمية نظريته تكمن في أنها تدافع عن السلطة المطلقة للدولة، وبعيدا عن أية مراقبة ديمقراطية، أخلاقية أو أي شكل من أشكال القضاء. فالدولة عند هوبز لديها جميع الحقوق.

Leave a Comment