أ.د. أحمد محمد وهبان

العالم الإسلامي بين التحديات الداخلية و الأخطار الخارجية

كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332

يشكل العالم الاسلامي رقما صعبا في المعادلة الدولية.و منشأ الأهمية موقعه الجغرافي الاستراتيجي بين اسيا وافريقيا مع “جيوب” في البلقان.و تعداد سكانه البالغ مليارا و نصف المليار نسمة،فضلا عن ثرواته النفطية و الغاز الطبيعي بشكل أساسي.

لكن هذا العالم يعاني من مشكلات ذاتية تكبح تطوره و تتمثل في ثلاثة اسباب رئيسية و هي:

ـ التخلف العلمي و استيراده لمختلف التكنولوجيا و الصناعات بما فيها المنتجات العسكرية.

ـ و الثاني تخلف الأنظمة السياسية التي تحكمه و التي لا تراعي عملية تداول السلطة و تعميم الحريات و ترجمة ارادة الشعوب في السلطة و تختصر بالاستبداد.

ـ و الثالث ان العالم الاسلامي يعاني العديد من مشكلات بنيوية اجتماعية والمتمثلة في تراجع دور الدولة المدنية لصالح العصبيات الدينية و المذهبية و الاتنية و المناطقية و العشائرية. و في ظل غياب دولة المواطنة المتكافئة لا تزال ذهنية إلغاء الآخر هي المتحكمة في سلوكيات الأنظمة تجاه الشعوب و في رؤية المجموعات المختلفة لبعضها البعض.

ان نظرة الى المشكلات التي تعاني منها الجغرفيا الاسلامية نلحظ أربعة عناوين :

1 ـ مشكلات داخل كل دولة

ـ العصبيات الدينية بين المسلمين و غير المسلمين.

ـ العصبيات المذهبية بين المذاهب مثل السنة و الشيعة و العلويين و الوهابيين و الاباضيين و المالكيين و ما الى ذلك.

ـ العصبيات الاتنية بين المجموعات الكبيرة و تلك الصغيرة. مثل الاكراد و البربر و ما الى ذلك.

ـ المشكلات الاجتماعية و الاقتصادية الناتجة من الاختلال في توزيع الثروات و انتشار الفقر و من الفساد المستشري.

ـ المشكلات السياسية الناتجة عن الاستبداد و اغلاق الأبواب امام المشاركة الفاعلة للسواد العام من المجتمع في الحياة السياسية.

2 ـ مشكلات بين الدول الاسلامية نفسها و هي ناتجة عن الخلافات على ترسيم الحدود أو التنقيب عن النفط و الغاز برا و بحرا أو على تقاسم المياه العابرة للحدود او التي تحد بين دولتين أو اكثر. أو تدخل دولة في الشؤون الداخلية لدولة أخرى عبر دعم مجموعات معينة داخل الدولة الأخرى لأسباب مختلفة. أو التنافس بين الدول من اجل الهيمنة لأسباب ايضا متعددة.

3 ـ مشكلات بين دولة اسلامية و أخرى غير مسلمة أو لا تنتمي الى منظمة التعاون الاسلامي

و من ذلك وجود اسرائيل في المنطقة الاسلامية و الخلاف بين المغرب و اسبانيا، و بين تركيا و كل من قبرص و اليونان و ارمينيا، او بين باكستان و الهند، او السودان و جنوب السودان و ما الى ذلك.

4 ـ الأطماع الخارجية تعرض الجغرافيا الاسلامية الدائم لأطماع الدول الاستعمارية في ثرواتها و في موقعها الاستراتيجي و خوفا من تكتلها و اتحادها و إبقائها بالتالي مفتتة.

ان السعي الجاد لحل المشكلات بين الدول الاسلامية يبدأ من حل المشكلات داخلها.اذ ان جانبا مهما من المشكلات البينية ناتج من طبيعة الذهنية التي تحكم العلاقات بين المجموعات الداخلية.إن إحدى اكبر المشكلات التي تعاني منها الدول الاسلامية هي أن الأنظمة التي تحكمها لا تنظر بعين واحدة الى كل رعاياها بل يسود التمييز بينهم على أسس اتنية او دينية أو مذهبية.و هذا يفضي الى ثغرات تتيح الفرصة للخارج للتغلغل و استغلال التباينات لتعزيز الهيمنة و إضعاف قدرات الأمة.

إن البحث عن سبلٍ لتغيير الذهنية السائدة الدينية و المذهبية و الاتنية هو من أهم المهمات التي تتطلب التصدي لها و لا سيما من جانب مراكز البحث و الدراسات و وسائل الاعلام و هذا يتطلب جهودا هائلة و لا سيما من جانب المؤسسات الدينية و التربوية في المؤسسات التعليمية أيضا. و على الرغم من خصوصيات المجتمعات الاسلامية و طبيعة المشكلات التي تعاني منها فإن الاستفادة من تجارب المنظمات الاقليمية الأخرى سيكون امرا مهما و لا سيما تلك التي دخلت في حروب دامية لكنها نجحت في تجاوز العديد من المشكلات و من أبرز الأمثلة على ذلك “الاتحاد الأوروبي”.

منظمة التعاون الاسلامي: فلسفة الدور و آليات الحلول تحولت منظمة التعاون الاسلامي الى مؤسسة عاجزة عن ايجاد الحلول للخلافات بين دولها او في استباق المشكلات قبل انفجارها او في العجز عن إيجاد موقف مشترك قوي لمواجهة التدخلات الخارجية. و لا يمكن بالطبع تحميل المسؤولية لقيادة المنظمة لأنها في النهاية تعبير عن واقع العالم الاسلامي و عن الدول و القوى المؤثرة فيها.

و مع ان الكثير من المقترحات التي سنقدمها قد تضمنتها عشرات المبادرات و التقارير السايقة غير ان الزاوية التي يمكن النظر من خلالها الى أسس المعالجة هي التي قد تقدم مساهمة قد تكون جدية في هذا الإطار.إن تحديد فلسفة منظمة التعاون الاسلامي مهمة جدا هنا.

1 ـ ضرورة تحديد التهديدات الداخلية التي يواجهها العالم الاسلامي و التي تعاني منها المجتمعات و الدول الاسلامية و لا سيما التطرف و العنصرية الاتنية و التعصب المذهبي و الاستبداد و الفساد و التنمية غير المتوازنة.و المشكلة هنا هي المواربة و عدم المصارحة و الشفافية في تحديد هذه المشكلات.و هنا يمكن تشكيل لجنة حكماء خارج اللعبة السياسية الرسمية تقوم برسم خريطة المشكلات تمهيدا لمعالجتها. إن التشخيص السليم للمشكلات هو المدخل الوحيد لإيجاد حل لها.

2 ـ تحديد التهديدات الخارجية التي تستهدف دور و موقع و مكانة العالم الاسلامي على الخريطة الدولية.فالعالم الاسلامي لا يزال يتعرض منذ قرون الى هجمة استعمارية قاسية تنهب ثرواته و تحتل أرضه و تمعن تفتيتا في وحدته. و قد تناوبت عليه قوى و دول من انتماءات متعددة.

لقد كانت الشيوعية واحدة من المنظومات التي كانت تستهدف لأسباب دينية العالم الاسلامي. لكنها باستثناء غزو أفغانستان لم تسع بشكل جدي الى احتلال اي من دوله القريبة او البعيدة. و هي قد انتهت مع انتهاء الحرب الباردة .لكن الدول الغربية و لا سيما فرنسا و انكلترا كانت السباقة و الأكثر دموية في استهداف الجغرافيا الاسلامية منذ عصر النهضة و حتى اليوم. و في اللحظة الراهنة إن مسرح الحروب التي يشنها الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة خصوصا هو العالم الاسلامي (أفغانستان، العراق، ليبيا). إن تحديد الأطماع الغربية في العالم الاسلامي كواحدة من أكبر الأخطار و التحديات يتطلب الشجاعة الكاملة من منظمة التعاون الاسلامي لكي تنجح في رسم سياسات المواجهة و الدفاع عن الجغرفيا الاسلامية.

و رغم كل الأخطار التي ذكرنا غير أن واحدا منها يبقى الأكبر من دون لبس و هو تأسيس الكيان الصهيوني في قلب العالم الاسلامي و على أرض فلسطين و دوره في تهديد المسلمين و العرب في وجودهم و مستقبلهم و ثقافتهم و دينهم و عرقلة تنميتهم و في تشكيله رأس حربة لإبقاء المسلمين تحت الخطر و التبعية. و لعل من أكبر الأخطاء التي يرتكبها المسلمون أن يتراخوا في تشخيص وجود اسرائيل، و ليس فقط سياساتها، كخطر اول على العالم الاسلامي. و حرف البوصلة عن هذا الخطر الى رسم أخطار و همية أو تقديم أخطار أخرى.

3 ـ إن اعتبار الدفاع عن العالم الاسلامي و إعطائه الأولوية على ما عداه يجب ان يتقدم أي هدف من التحالفات بين دول اسلامية و اخرى غير اسلامية. إن من أهم الأخطار التي تتهدد المسلمين و وحدتهم و منعتهم هي تحالف قسم من الدول الاسلامية مع دول خارجية ضد دول اسلامية أخرى. و استمرار مثل هذه الذهنية في التعامل بين المسلمين يحول دون نجاح اي محاولة لحل المشكلات داخل العالم الاسلامي.

إن ابتعاد العالم الاسلامي عن سياسات المحاور و الاستقطابات الدولية و غليب المصالح الاسلامية أولا هو من شروط تجنيبه لمخاطر خارجية و عداوات الآخرين.

ان افتراض التوصل الى تحديد واضح للتهديدات الخارجية و التحديات الداخلية التي يتعرض لها المسلمون تسهل الانتقال الى تحديد آليات فض النزاعات بين الدول الاسلامية و حتى داخل كل دولة من دون اعتبارها تدخلا في شأن داخلي.

في آليات حل النزاعات:

Leave a Comment