أ.د. أحمد محمد وهبان

العالم قرية صغيرة

كاتب الموضوع الأصلي: حسن الغشيان

بالتوافق مع ثورة الاتصالات الكبيرة التي حدثت في السنوات العشر الاخيرة كتب الكثير عن تأثير هذه الثورة على العالم وتحويلها له إلى قرية صغيرة أصبح من الصعوبة بمكان عزل ما يحدث في أي بقعة من العالم عن البقع الأخرى المنتشرة في الكرة الأرضية والتي تقاسمتها التجمعات البشرية و سعت ثورة الاتصالات هذه, كما ادعى كثير من المنظرين المتفائلين , إلى توحيد هذه التجمعات و التقريب فيما بينهم وصهرها في حدود قرية صغيرة ولربما استطاعت هذه الثورة إزالة الفوارق بينهم ثقافية كانت أم دينية أم إجتماعية . وعلى هذا الاساس سنتفاءل مع الكثير من الذين كتبوا حول هذا وسنفترض أن العالم قرية صغيرة سكانها ألف نسمة وسنحاول قدر الإمكان توزيع النسب الحالية المختلفة التراكيب والتنوع على سكان هذه القرية بالقياس إلى سكان العالم والتوزيع السائد فيه فستكون النسبة السكانية في هذه القرية حسب التوزيع السائد الآن في العالم كالتالي: حصة آسيا من هذه الكثافة السكانية هي 570 , وأوربا 210 , و أفريقيا 80 , وكل الامريكات ( الشمالية و الجنوبية و اللاتينية ) 140 نسمة .
وسيكون عدد الأشخاص الذين يسيطرون على نسبة 60% من ثروة هذه القرية هو 60 شخصا فقط من سكان هذه القرية ومعظمهم من أمريكا الشمالية, وسيكون 800 من سكان هذه القرية يسكنون بيوتا غير صالحة للسكن الآدمي حسب المعايير الإنسانية المتفق عليها, 700 من السكان أمّيين , و500 تحت خط الفقر , وسيولد في كل يوم 10 مواليد جديدة وسينفق تقريبا 9 والنسبة العظمى من هذه المواليد والوفيات من الفقراء, 10 فقط من سكان هذه القرية يملكون كمبيوتر , و10 فقط يتمون دراستهم الجامعية.
وإذا تابعنا إفتراضنا لهذه القرية الصغيرة فستتفهم وتقبل وتوافق معنا وعليه ستشكر الله :
1_ إذا ما استيقظت اليوم صحيح الجسم والنفس,سليما معافى من الأمراض, ستشعر أنك كنت ذو حظوة أن تربيت وترعرعت أفضل من الملايين من البشر سكان هذه القرية العالمية والذين لن يعيشوا لأكثر من أسبوع مقبل من كتابة هذه السطور.
2_ أنك غير مهدد بخطر الموت في كل يوم ودقيقة لتصبح ضحية مجزرة ما , أو سيارة مفخخة ما , أوحزام ناسف لإرهابي في حافلة للركاب أم قطار, أو قصف طيران أمريكي أو إسرائيلي أو نظام قمعي مجرم .
3_ أن لا تكون أحد نزلاء الزنزانات في أقبية أنظمة شرق متوسطنا أو نزيل غوانتنامو أو أمانة لأمريكا عند أحد الجلادين , أو أي بقعة من القرية العالمية تعاني هناك سكرات الموت تحت التعذيب.
4_ أن لا تكون أحد سكان المناطق المهددة بالمجاعة فيتهددك خطر الموت جوعا, واعلم أن حالك أفضل بكثير من حال 500 مليون من سكان الأحياء الفقيرة من قريتنا العالمية .
5_ عندما يكون بإمكانك الذهاب إلى أماكن عبادتك أو مكتبك أو زيارة أحبتك ,دون خوف يتهددك من قمع أو انفجار قنبلة تودي بحياتك أمام دار عبادتك عندما تهم للذهاب إلى أطفالك بعد أن أنهيت صلاتك لربك , أو أن تختطف , أو تسجن وتعذب حتى الموت بسبب هويتك الدينية أو الفكرية وسيكون حالك أفضل من حال 3 مليارات من سكان قريتنا العالمية.
6_ أن يكون برادك مليء بالمأكولات عندما تفتحه لتختار من بينها وجبتك المفضلة , أن تكون خزانة ملابسك عامرة بأنواع مختلفة من الألوان والطراز , أن تحتذي حذائا يقيك حر الصيف وبرد الشتاء , أن يكون لديك سقفا يحمي رأسك أنت وعائلتك ومكانا يتسع لنومك وأولادك , وستكون حالك بهذا أفضل من حال ثلاثة أرباع سكان قريتنا العالمية.
7_ عندما تستطيع أن توفر نقودا في البنك تكون تحت تصرفك أو فائضا منها في محفظة نقودك تقي بها نفسك الحاجة أو الاستيدان إن غدر الزمان فستكون أنت من الأكثر تميزا بين سكان قريتنا وستنتمي بهذا إلى نسبة 8% من سكان القرية العالمية.
أن تكون قد ترعرعت في كنف والديك طفلا حتى كبرت لم تضطر لفقد أحدهما لسبب ما وجمع بين والديك حياة مشتركة مستمرة , فسيكون لديك حياة نادرة في خضم الحياة الاسرية المأزومة التي تسود قريتنا العالمية.

وأخيرا عندما ستتمكن من قراءة سطورنا هذه فستكون محظوظا لأمرين: أنك استطعت قراءتها ولم يمنعك رقيب ولا حسيب , وأنك تمكنت من قراءتها لأنك لست أميا ولست منتميا إلى أكثر من مليارين أمي لا يستطيع القراءة أو الكتابة في هذه القرية العالمية.

Leave a Comment