أ.د. أحمد محمد وهبان

العدالة الدولية بين القانون والسياسة

كاتب الموضوع الأصلي: عبد المجيد الراجحي

العدالة الدولية بين القانون والسياسة

هل تجري في يوم من الايام محاكمة المسؤولين عن الحرب الخارجة على القانون ضد العراق؟ فهل يؤدي اللجوء الى القوة المسلحة خارج الحالات التي تنص عليها شرعة الامم المتحدة، الى المحاكمة امام العدالة الدولية؟ اي محكمة دولية يمكنها النظر في جرائم الحرب والاعتداءات على حقوق الانسان المرتكبة في الاراضي العراقية؟ ولا واحدة على الارجح لان الولايات المتحدة وبريطانيا وضمن حدود مختلفة هي من الدول المسيطرة.

ذلك لا يعني في المقابل ان اي عقاب من اي نوع لن يلحق ابدا بالمسؤولين ودولهم كون العدالة الدولية تطورت كثيرا حتى في المجال الجزائي. فنحن نشهد وبالرغم من الاحداث الجارية في العراق اتجاها تاريخيا لدى الدول للرضوخ الطوعي للقواعد المشتركة. ضمن هذه الجدلية بين الحفاظ على السيادات الوطنية وتطوير القواعد العليا الهادفة الى القضاء على الممارسات التي تتجاوز القانون، يمكن العدالة والسلم الدوليين ان ينموَا بدل التضحية العامة وغير المشروطة بتلك السيادات.

يفتح القانون الجزائي الدولي امكاناً مشروطاً لمحاكمة رؤساء الدول والمسؤولين السياسيين اثناء قيامهم بمهامهم. وخير دليل على ذلك توقيف الجنرال اوغوستو بينوشيه ـ بالرغم من حصانته كعضو في مجلس الشيوخ التشيلياني ـ في بريطانيا عام 1998 بطلب من القاضي الاسباني المعروف، ولو ان المحاكمة لم تحصل في نهاية المطاف. لكن ما يؤكد هذا الاتجاه هي القوانين التي تنظم عمل محكمة الجزاء الدولية التي أقسم قضاتها اليمين في 11 آذار/مارس 2003 في الوقت الذي كانت تقترب فيه الحرب على العراق. وفي استثناء لقواعد الحصانة الديبلوماسية يمكن ملاحقة رؤساء الدول والحكومات. فخلافا لمحكمة العدل الدولية التابعة للامم المتحدة والتي انشئت عام 1946 وتنظر في الخلافات بين الدول، فان محكمة الجزاء الدولية تحاكم الافراد على طريقة المحاكم المتخصصة مثل المحكمة من اجل يوغوسلافيا السابقة [1] ورواندا. ويحدد نطاق صلاحياتها بجرائم الابادة والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب والاعتداء [2] الواقعة في اي مكان ابتداء من سريان صلاحياتها في الاول من تموز/يوليو 2002.

لكن وبالرغم من هذه الانجازات، فإن النظام القانوني الدولي لا يزال مبنيا على مبدأ السيادة ولا تزال الدول ومسؤولوها يحتفظون بوسائل حماية فعالة. فمحكمة الجزاء الدولية لا يمكنها التدخل مثلا الا اذا كانت الدولة التي وقعت فيها الجريمة والتي ينتمي اليها المتهم قد صدقت على قانون هذه المحكمة [3] . وقد صادقت عليه بريطانيا منذ العام 2001 خلافا للولايات المتحدة برئاسة جورج والكر بوش التي لم تكتف بالرفض بل تنكرت في اللحظة الاخيرة لتوقيع الرئيس السابق بيل كلينتون. كذلك فان روسيا والصين واسرائيل وتركيا لم توقع على هذا القانون. لكن الجديد في الموضوع ان عدم التوقيع لا يحمي الحكام بصورة مطلقة. وبالفعل فان وقوع الجريمة في بلد وافق على انشاء المحكمة يكفي لاعطاء المحكمة صلاحية النظر فيها [4] . أضف الى ذلك ان على الدول المعنية التعاون مع محكمة الجزاء الدولية ولا سيما من خلال تقديم المطلوبين الموجودين فوق اراضيها الى المحاكمة. اقله يضطر المجرمون الى البقاء في بلدانهم! لذلك عمدت واشنطن الى طلب توقيع اتفاقات ثنائية مع جميع الحكومات تمتنع فيها عن تسليم الرعايا الاميركيين. ومن المؤسف بالتالي ـ ومن مختلف الجوانب نظرا لطبيعة النظام ـ ان العراق لم يصادق على قانون انشاء محكمة الجزاء الدولية.

هكذا يمكن السيد بلير والمسؤولين البريطانيين ان يجدوا انفسهم امام المحكمة باعتبارهم ممثلين لدولة تعتبر طرفا في القضية التي ينظر فيها. بيد ان المحكمة لا يمكنها التدخل الا اذا وجدت العدالة الوطنية نفسها عاجزة عن التصرف او تفعل ذلك بسؤ نية واضح. ويرغم هذا البند ـ الذي يطرح امام مدعي عام محكمة الجزاء الدولية تحديات كبيرة لتقديم البراهين ـ المحاكم البريطانية على التحقيق مع المسؤولين المتورطين…

من جهتها محكمة العدل الدولية يمكنها ان تنظر في مشروعية لجوء دولة من الدول الى استخدام القوة واحترامها لقوانين الحرب. وهي تستعد الآن مثلا للنظر في شكاوى تقدمت بها يوغوسلافيا ضد التدخل الدولي في كوسوفو عام 1999 وهو تدخل جرى ايضا من دون موافقة مجلس الامن الدولي. بيد ان محكمة العدل الدولية لا يمكنها التدخل الا بموافقة الدول التي تقر بصلاحياتها الدائمة ومن دون شروط للنظر في كل النزاعات او الموافقة على صلاحياتها للنظر في قضية محددة [5] .

في العام 1946 كانت الولايات المتحدة وافقت على الصلاحية الدائمة لمحكمة العدل الدولية لكنها تراجعت عن قرارها بعدما ادانتها تلك المحكمة عام 1986 واثر شكوى من نيكاراغوا بالقيام بنشاطات “عسكرية وشبه عسكرية” مناهضة لهذه الدولة. لا يمكن اذن ملاحقة واشنطن امام المحكمة بسبب حربها على العراق. في المقابل يمكن مقاضاة بريطانيا اذا تقدمت احدى الدول المعترفة بالمحكمة بشكوى ضدها. وفي الواقع ان بريطانيا هي العضو الوحيد الدائم في مجلس الامن الذي يعترف بالصلاحية الدائمة لمحكمة العدل الدولية [6] . لكن اذا تمت ادانة لندن فان محكمة العدل لا تملك وسيلة جذرية لتنفيذ حكمها، كما حدث عندما عجزت عن احترام قرارها في القضية التي رفعتها نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة. يمكن بالطبع طرح المسألة امام مجلس الامن لكن في هذه الحال تؤدي ممارسة حق النقض الى تجميدها.

لا يمكن ان نفاجأ او ان ندين سلفا الحماية التي يوفرها مبدأ السيادة الوطنية. وهي في واقع الحال لا تمثل مجرد مخلفات من النظام القديم بل عنصر استقرار في مجتمع دولي لا يزال في حال من الفوضى. فمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ـ والذي اعيد النظر فيه لصالح مجلس الامن الدولي منذ نهاية الحرب الباردة وذلك باسم التدخل الانساني ـ قد تمت بلورته تدريجا في مطلع القرن العشرين لمنع التدخل الاستنسابي للدول العظمى. فيعتبر الميثاق الاممي ان الحرب التي تشن لتغيير النظام السياسي في بلد ما هي حرب غير مشروعة (وهذا في الواقع احد الاهداف المعلنة للحملة الاميركية ــ البريطانية على العراق).

كذلك فان الحصانات الديبلوماسية التي تعترض عليها احيانا المنظمات الانسانية هدفت في الاساس الى تسهيل العلاقات بين الدول من خلال حماية ممثليها من الملاحقات التي قد تؤثر على عملهم. وقد ذكّرت محكمة التمييز بهذا المبدأ في 13 آذار/مارس 2001 اذ اعلنت عدم صلاحية القضاء الفرنسي لمحاكمة السيد معمر القذافي في قضية الاعتداء على طائرة دي. سي. 10 عام 1989 [7] . شيئا فشيئا بدأت النصوص الدولية وخصوصا قانون محكمة الجزاء الدولية تلغي الحصانات في حالات “الجرائم الاكثر خطورة” (ضد الانسانية وضد السلم وجرائم الحرب). ويشترط تطبيقها ان يصار الى ترجمتها في القوانين الوطنية وهذا ما تتلكأ الحكومات في الاقدام عليه.

ان المطلوب مبدئيا من الدول هو ان تقوم بتكييف قوانينها مع القانون الدولي. فقد اقرت بلجيكا مثلا القانون المعروف بـ”الصلاحية الكونية” والذي يسمح للمحاكم البلجيكية بمحاكمة مجرمين اجانب بسبب جرائم ارتكبوها خارج بلجيكا، لكن بلجيكا عدلت هذا القانون في نيسان/ابريل 2003 [8] . هكذا تمت ادانة مرتكبي مجازر الابادة في رواندا واحد العسكريين الكونغوليين. ويتعرض هذا القانون للانتقاد كونه يؤدي الى استمرار ميزان القوى الاستعماري الذي كان يربط بروكسيل بافريقيا الوسطى [9] . وقد تقدمت بعض الجمعيات بشكوى في بلجيكا ـ من دون ان تحرز تقدما حتى الآن ـ ضد السيد أرييل شارون بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية بسبب مسؤوليته في مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982.

خلافا للاستخدام المفرط للعبارة فانه لا وجود فعليا لـ”الجماعة الدولية” يبرر التخلي غير المشروط عن مبدأ السيادة لصالح عدالة ما فوق وطنية. صحيح انه في بعض المجتمعات الوطنية تمنع موازين القوى والفروقات الاجتماعية السلطة القضائية من ممارسة صلاحياتها، لكن الفرق كبير بين الحالتين كما يبين اوليفيه كورتن، استاذ القانون الدولي: يمكن هذه المجتمعات “الاستناد على الاقل وفي اغلب الاحيان الى تماسك ايديولوجي وثقافي قوي وهذا ما ليس متوافرا على الساحة الدولية حيث يمكن التحدث في احسن الاحوال عن “مجتمع” قيد الانشاء. واذا امكن التوصل الى اتفاق حول بعض القواعد والمبادئ الاساسية، كما يحصل داخل الدول، الا انه عند وضع هذه المبادئ المرجعية موضع التنفيذ يسود التباين والتنوع” [10] .

وتأخذ انظمة محكمة الجزاء الدولية في الاعتبار هذا الواقع اذ تنص على ضرورة ان يعكس تشكيل المحكمة تنوع الانظمة القانونية من جهة وعدم تدخل المحكمة الا في حال قصور القضاء الوطني من جهة اخرى. ويخشى ان يؤدي هذا البند الاخير الى تمييز بحق البلدان الفقيرة حيث النظم القضائية نادرا ما تتمكن من تأمين سير العدالة بصورة مرضية. ذلك انه لا يفترض بالعدالة الدولية ان تتحول اداة اخرى في يد الدول الكبرى، ويمكننا ان نتخيل كيف سيقدم الاميركيون والبريطانيون على محاكمة المسؤولين العراقيين تماما كما تقوم المجموعة الدولية بمحاكمة مجرمي الحرب من الصرب من دون التعرض بالطبع لمن ارتكبوا هذه الجرائم في صفوف حلف الناتو.

وتصطدم العدالة الدولية في بعض الحالات بكون الجانب القانوني يعاكس الجانب السياسي. فمحاولة جلب الجنرال بينوشيه الى المحاكمة تتعارض مثلا مع التسوية التي حصلت في المجتمع التشيلياني للخروج من الديكتاتورية، كما ادى توقيف الجنرال الصربي جورج دجوجيك من قبل محكمة الجزاء ليوغوسلافيا السابقة في العام 1996 الى اضعاف اتفاقية دايتون. فبالرغم من ضرورة مكافحة التجاوزات والافلات من العقاب، على العدالة ان لا تؤدي الى تضعضع العلاقات الدولية. اضافة الى ذلك، كيف يمكن ملاحقة رئيس انتخب بطريقة ديموقراطية؟ فالجمعية البريطانية “مرقب العدالة” تقدمت بشكوى لدى يوروبول والانتربول بحق الرئيس الفرنسي جاك شيراك بتهمة “نشر الاسلحة النووية” [11] . وبغض النظر عن صحة التهمة هذه فان التحدي يطال الانتخاب الديموقراطي الشعبي وخصوصا ان السيادة الوطنية هي سيادة الشعب في الديموقراطيات.

في مطلق الحالات، يجب على العدالة الدولية ان تبرهن عن صفاء كبير في مواجهة الملاحقات المبالغ فيها حيث تضغط المنظمات غير الحكومية باستمرار لادخال تهم دولية جديدة كالاعتداء الجنسي على القاصرين والارهاب. كما على هذه العدالة مقاومة النزعة الكلاسيكية لتوسيع دائرة صلاحياتها تلقائيا. هكذا قامت المدعية العامة كارلا دل بونته بتوسيع صلاحيات محكمة الجزاء ليوغوسلافيا السابقة حتى طالت اقليم كوسوفو في العام 1999 من دون انتظار قرار من مجلس الامن الدولي.

اخيرا، لا يجب ايضا ان يكون انشاء هذه المحاكم “نوعا من التمويه على العجز والجبن وعدم قدرة الجماعة الدولية على التدخل والقطع” [12] .

[1] اقرأ Catherine SAMARY, “Fiasco a LaHaye” et Xavier Bougarel, “Du bon usage du tribunal penel international”, Le Monde diplomatique, Avril, 2002

[2] يجب التعريف عن هذه الجريمة بموجب اتفاقية.

[3] يمكن مجلس الامن تعليق التحقيقات التي يجريها المدعي العام.

[4] كما ان اللجؤ الى مجلس الامن يعطيها الصلاحية التلقائية.

[5] شرط تحكيمي.

[6] روسيا والصين لم توافقا عليها ابدا. وقد سحبت فرنسا موافقتها بعد ملاحقتها بسبب التجارب النووية في المحيط الهادىء.

[7] اقرأ Eric David, “La question de l’immunite des ches d’ Etats etrangers, in SOS Attentats, Livre noir. Terrorisme et responsabilite penale internationale, XXX, Paris, 2002.

[8] يسمح هذا التعديل للحكومة بإرسال الدعوة الى البلد الذي ينتمي اليه المدعى عليه من المسؤولين الملاحقين في بلجيكا عملا بالقانون العائد الى العام 1993 اذا كانت الدعوى تعرقل عمل الحكومة على الصعيد الدولي.

[9] www.diplomatiejudiciaire.com/DJ/Bel

[10] اقرأ Olivier Corten, “Une competence universelle sans communaute internationale?”, Politique, XXX, n 23, fevrier,2002

[11] www.revue-politique.com

[12] السيد وليم بوردون، الامين العام للاتحاد الدولي لروابط حقوق الانسان، حول محكمة الجزاء ليوغوسلافيا السابقة.

Leave a Comment