أ.د. أحمد محمد وهبان

العلاقة بين الحاكم والمحكوم: كيف يجب أن تكون؟

كاتب الموضوع الأصلي: رائد العـيسى 1

إن عامة الناس يتبعون في حياتهم سادتهم وحكامهم، اتباع تقليد وإعجاب، أو اتباع إجبار وإكراه، وفي جميعها اتباع لأنهم هم الذين يقومون برعاية شؤونهم وإدارة مصالحهم، وهم الموجهون لهم. وقد أمر الإسلام بطاعة الأمراء فقال: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء 59] ولكنه استثنى من ذلك الطاعة في المعصية بقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل» (رواه أحمد) ولقوله: «لا طاعة لمخلوق في معصية الله» (رواه مسلم) وقد ذم الإسلام الاتباع والتقليد الأعمى قال تعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) [البقرة 116] وقال تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) [الأحزاب 67].

باستقراء الواقع الموجود في وقتنا الحاضر، نلاحظ أن الأمة منفصلة انفصالاً تاماً عن الدولة، أي عن حكامها، وأن العلاقة بين جمهرة الناس والحكام علاقة فئتين متباينتين لا علاقة بين رعية ودولة، وفضلاً عن ذلك فهي علاقة كره وتضاد وتناقض، وليس فيها أي تقارب ولا ما يشعر بإمكانية التقارب. هذا من شأنه أن يؤدي إلى إضعاف الدولة وإضعاف كيان الأمة؛ لأن الرعية بدون وجود راع لها تكون واهية البنيان، والدولة بدون رعية تقف صفاً واحداً خلفها تكون واهية الوجود ويمكن إزالتها أو فرض الشروط عليها، وتكون عرضة للاستعانة بأعدائها.
إن الانفصال بين الأمة والدولة كان طبيعياً واجباً عندما كانت الدول الكافرة تحكم البلاد مباشرة يوم كان الاحتلال العسكري والانتداب هو المطبق على البلاد، ولكن بعد أن أزيل سلطان الكافر المستعمر وأصبح حكام البلاد الذين يباشرون تنفيذ الحكم هم أبناء الأمة الإسلامية، فإنه لم يعد هناك مبرر لبقاء هذا الانفصال، وكان يجب أن تتحول العلاقات بين جمهرة الناس والدولة إلى علاقة التحام بين الراعي والرعية، غير أن الواقع أي هذا الانفصال بقي ولا يزال، وظل الحكام فئة والأمة فئة أخرى، وظلت هذه الفئات تحكمها علاقة تضاد متبادلة، فالأمة تنظر إلى الحكام بأنهم أعداؤها كما كانت تنظر إلى الإنجليز، والحكام ينظرون إلى الأمة بأنها تتآمر عليهم وتود أن تفتك بهم، وأنها عدوة لهم، فهم يكيدون لها وهي تكيد لهم، وهذا ما جعل الأمة في حالة يأس من أن تتقدم نحو النهضة والعزة.
وقد أصبح تفكير الحكام محصوراً فقط بما يبقيهم على كراسي الحكم، ولو بالاستعانة بالأجنبي، ولا يفكرون برفع الأمة إلا نفاقاً وكذباً وبأساليب تبعد الأمة عن الرقي وتجعلها دائما في حالة ضعيفة حتى يظلوا مستقرين عليها.
إن هذه الحالة من الانفصال بين الأمة والدولة هي نتيجة عدم قيام الأمة بما فرضه الله عليها من محاسبة الحكام وعدم شعورها بأنها هي مصدر السلطان. فلو كانت هذه الأمة تشعر بأنها هي مصدر السلطان وتقوم بمحاسبة الحكام، لما تولاها حاكم خائن عميل عدو لها، ولما كانت العلاقة بينها وبين الحكام علاقة انفصال، ولما كانت في هذا الضعف وفي هذا التفكك والتأخر، ولما ظلت تحت نفوذ الكفار فعلاً، وإن كان الذي يحكمها مباشرة من أبناء المسلمين؛ لذلك كان لا بد للأمة حتى تكون كياناً واحداً هي والحكام أن تقوم بواجب المحاسبة، وأن تقول كلمة الحق في وجوههم، وأن تعمل بقوة وبجد للتغيير على الحكام أو تغييرهم.
وفي الختام أقول: إن الأمة الإسلامية، وهي الودود الولود، لم تعقم من إنجاب علماء عاملين، أو شخصيات إسلامية تجمع بين العلم الغزير والرجولة الحقة لإعادة الحكم بما إنزل الله وإقامة الدولة الإسلامية.
نسأل الله أن يكون ذلك قريباً إنه سميع مجيب.

Leave a Comment