أ.د. أحمد محمد وهبان

العلاقة بين الدين والسياسة في الفكر السياسي الغربي

كاتب الموضوع الأصلي: عمر الحمودي 36

رموز الفكر السياسي الغربي من يتأثر بالدين في صياغة رؤيته الفلسفية ونجد من لم يتأثر بالدين ولا ينطلق منه ولكنه متصالح معه ولا يقصيه بل يترك له حيزا في فلسفته السياسية وهناك من يهمشه ويحيده ويفصله عن السياسة وفلسفتها , وفي محاولة للتدليل على هذا التباين في العلاقة قمت ببحث تلك العلاقة في فلسفات الشخصيات الفلسفية التالية :
أفلاطون:
القارئ لمحاورات كتاب الجمهورية لأفلاطون يلاحظ من خلالها أن الطقوس الدينية الشائعة في عصر متحاوريها كانت حاضرة بشكل واضح حيث ابتدأ أفلاطون أول محاورات سقراط بمحاورته لبوليمارخس ذلك الكهل الفيلسوف المتدين وذلك خلال عودة سقراط من مراسم تقديم العبادة للآلهة. وقد كانت تلك الطقوس تشف عن بقايا ديانات سماوية ممزوجة بالكثير من الأساطير والخرافات الوثنية الناجمة عن الأشعار والأعمال الأدبية الدينية المتداولة في ذاك الوقت والذي بدا أن متحاوري الجمهورية يحفظون الكثير منها ويستظهرونه ويستشهدون به في محاوراتهم الفلسفية . وقد كانت مسألة العدالة وتحديد ماهيتها مسألة محورية في محاورات الجمهورية حيث تطرقت تلك المحاورات لجزاء الآلهة للعادل في الدنيا وما بعد الموت فالآلهة تجعل أشجار العادلين السنديانية : أفنانها بالجنى تزداد زينتها وتحتها ما جناه النحل من عسل وشاؤهم بجزاز الصوف زاهية كأنها الثلج يكسو ذروة الجبل
وغيرها من الأبيات التي تصف البركات التي تنال العادلين في الدنيا أما بعد الموت فقد اختتم أفلاطون محاورات سقراط بالرواية الأسطورية التي أوردها قائلاً أنها وقعت فعلا في عالم الحقيقة و تصف تلك الأسطورة جزاء الظالمين المعتدين بعد الموت وما يلقونه من العذابات والأهوال . ونجد أن فلاسفة الجمهورية الفاضلة السعيدة وهم يرسمون منهجها التربوي لشبابها المهيئين للحكم والقيادة لا يستبعدون الدين حتى وإن كان قد لحقه الكثير من التحريف والتشويه بل ينتقون ما يدل على الدين الصالح ويستبعدون الخرافات والآساطير التي تسيء للإله إذ يقول سقراط :” فأول واجب علينا هو السيطرة على ملفقي الخرافات , واختيار أجملها ونبذ ما سواه ” . ثم مضوا في نقد تلك الأساطير التي تشوه الإله وتسيء صورته وانتقاء الأساطير وأبيات الشعر التي تمدح الإله وتجعله علة الخير وأصل سعادة البشرية وأنه ثابت لا يتغير وأنه لا يخدع ولايكذب … . ثم مضوا إلى أن استعرضوا دور الدولة وشرائعها في تنظيم طقوس العبادات وتشييد الهياكل وترتيب الذبائح وفق شرع الإله أبلّو لأن هذا الإله عندهم هو المفسر الأوحد لجميع الناس في مواضيع كهذه , جالسا في نقطة الكون المركزية .” وهكذا فإنه وإن كانت فلسفة أفلاطون للجمهورية الفاضلة متأثرة بالدين الشائع في عصره إلا أنها أيضا قد كانت مبنية في أغلبها على جدل عقلي فلسفي يعترض على أجزاء من ذلك الدين ويقبل أجزاء أخرى منه ويعيد ترتيب ذلك الدين ويأخذ بما يوافق عقل المتحاورين.
أرسطو :
لم يبدِ أرسطو للأديان الشائعة في وقته اهتماما كبيرا مثل ما فعل أستاذه أفلاطون فبالنظر لكتابه السياسة نجد ندرة في النصوص التي تتطرق إلى الدين أو العبادة أو الآلهة كما أنه في تنظيره لما يجب أن تكون عليه الدولة أو في نقد الدساتير الأخرى لا ينطلق من منطلقات دينية بل منطلق العقل وأدواته الفلسفية. وفي علاقة الدولة بالدين عدد أرسطو العناصر الضرورية في المدينة حيث يقول : ” وخامسا وكان بوسعي أن أضع هذا في رأس القائمة , العبادة الإلهية أو كما يسمونها الكهنوت. ” وذلك بعدما ذكر بالترتيب المواد الغذائية والفنون والأسلحة والثروات التي تسد الحاجات الداخلية والحروب والسادس ذكره بعد الكهنوت وقال أنه الأهم هو تقرير المرافق العامة ما يعني أنه الأول وما يجعل الكهنوت السادس ! . ووجدت نصا آخر يقول فيه : ” تبقى هيئة الكهنة التي لها في الدولة مكان بيّن لا يمكن زارعا أو عاملا أن يصل إلى وظائف الكهنوت أبدا . بل المواطنون وحدهم هم الذين يختصون بخدمة الآلهة . فالهيئة السياسية إذن موزعة على جزئين : الأول الجند والثاني الجمعية العمومية لكن لما أنه من المناسب أن تقام شعائر العبادة للألوهية وأن يدبر أمر الراحة للمواطنين الذين أضناهم الكبر وجب لهذين الأمرين معا أن يوكل إلى هؤلاء أمر الكهنوت .” ثم لما تكلم عن تصميم المدينة قال :” الأبنية المخصصة للحفلات الدينية يجب أن تكون من الفخامة على ما ينبغي أن تكون , وتصلح كذلك للموائد الرسمية لكبار الحكام ولأداء جميع الشعائر التي لا يقضي بسريتها القانون أو هاتف فينيا …. ينبغي أن تكون على نحو يناسب كرامة السراة الذين يؤمونه.” كما تحدث عن نفقات العبادة وأنها يجب أن تكون عبئا مشتركا على أهل المدينة .هذه النصوص القليلة والمقتضبة تفيد بمقدار الحجم الذي أعطاه أرسطو للدين تحت إدارة الدولة وسلطانها كما أنه حجم النصوص القليلة الضئيل في كتاب السياسة الضخم يشير إلى باقي المساحة الكبيرة التي ملأها أرسطو بمناهج واستدلالات عقلية أخرى ليس الدين من بينها .

Leave a Comment