أ.د. أحمد محمد وهبان

العلاقه بين الاتوقراطيه والديمقراطيه

كاتب الموضوع الأصلي: محمد البطي 1

الأُتوقراطيّة(autocracy) : حكومة يقوم على رأسها شخص واحد أو جماعة صغيرة أو حزب, لا تتقيد بدستور أو قانون. ويقال أُتوقراطي autocratic لمن يحكم حكماً مطلقاً ويقرر وحده السياسة التي تتبع دون أية مساهمة من الجماعة.

ويتخذ الحكم المطلق أشكالاً عدة: كحكم الأقلية oligarchy أو الديكتاتوريةdictatorship. وقد يحتوى حكم الأقلية على ممارسات ديمقراطية صورية تتخذ غطاء خادعا غايته ذر الرماد في العيون واستمرار حكم الأقلية. وخير مثال على ذلك الانتخابات الداخلية في حزب البعث المنحل وانتخابات صدام حسين.

وتختلف الأتوقراطية عن الديكتاتورية من حيث السلطة المطلقة في أن الأولى قد تقوم على ولاء الرعية أو الخوف من العقاب, بينما يخضع المحكومون في النظام الديكتاتوري لسلطة الديكتاتورية بدافع الخوف وحده.

الحضارات الإنسانية الكبرى: الفرعونية، والكلدانية، والسومرية، والبابلية، والآشورية، والفينيقية، والصينية، والفارسية، والهندية، واليونانية، والرومانية… والأديان العالمية الكبرى: الهندوسية، والبوذية، والكنفوشية، واليهودية، والمسيحية… هي التي عمرت ونورت الربع المعمور من العالم القديم وأورثته قيمتة الحضارية، وفلسفاته، وأديانه، ونظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سادت لخمسة آلاف عام حتى القرن السابع الميلادي.

منذ القرن السابع الميلادي حتى القرن السابع عشر, أي لمدة ألف عام هيمنت على العالم المعمور الحضارة الإسلامية العربية والإسلامية التركية والإسلامية الفارسية والإسلامية الهندية.

منذ القرن التاسع عشر الميلادي حدثت في الغرب ثلاث طفرات هامة هي: ثورة سياسية أدت إلى بلورة الدولة القومية منذ 1684م, وثورة ثقافية حققت عصر النهضة الذي بلغ مداه في القرن الثامن عشر, وثورة اقتصادية هي الثورة الصناعية بلغت مداها في القرن التاسع عشر. هذه الثورات أدت إلى تقويض المجتمع التقليدي القديم؛ وأدت إلى حرية البحث العلمي والتكنولوجى بصورة لم يعهد الإنسان مثلها في تاريخه؛ وأدت إلى قفزة نوعية في قدرات الإنسان الإنتاجية، وقدراته في الاتصال والمواصلات؛ وأدت إلى تطوير نظام سياسي حقق لأول مرة التداول السلمي للسلطة، وإخضاع القوات المسلحة للقرار المدني وكفالة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. أي أدت إلى قيام النظام الديمقراطي.

العالم الغير غربي وقف في الحال الحضاري والاجتماعي الذي كان سائدا في العالم قبل الطفرات الثلاث التي شهدها الغرب, فحقق بها الحضارة الغربية الحديثة، مما أحدث هوة حضارية كبيرة بين العالمين.

الحضارة الغربية الحديثة أبطلت مفاهيم ونظم العالم القديم في الغرب نفسه, وواجهت الأجزاء الأخرى من العالم وحضاراتها ونظمها الموروثة بمفاهيم ونظم وقدرات لا قبل لها بها فأخضعتها لها إخضاعا تاما عن طريق الاستعمار, وأقامت فيها الإمبراطوريات الأوربية الحديثة: البريطانية، والفرنسية، والألمانية، والهولندية، والأسبانية، والبرتغالية.

ونتيجة لتطورات معينة داخل الإمبراطوريات، ونتيجة للصراع فيما بينها، ونتيجة للنزاع بين المستعمرين والشعوب المغلوبة، تراجعت الإمبراطوريات لتخلفها الدول المستقلة الجديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وجزر الهند الغربية.

كانت إجراءات انتقال السلطة من الأيدي الاستعمارية إلى الأيدي الوطنية في الغالب سلمية. وكانت نظم الحكم الانتقالية ثم المستقلة في الغالب مصممة قياسا على نظام الحكم في الوطن الأم أي ديمقراطية.

الديمقراطية (democracy): نظام اجتماعي يؤكد قيمة الفرد وكرامة الشخصية الإنسانية على أساس مشاركة أعضاء الجماعة في إدارة شؤونها. وقد تكون الديمقراطية سياسية political democracy, وهي أن يحكم الناس أنفسهم على أساس من الحرية والمساواة, لا تمييز بين الأفراد بسبب الأصل أو الجنس أو الدين أو اللغة. ويستخدم اصطلاح الإدارة الديمقراطية للدلالة على القيادة الجماعية التي تتم بالمشورة والمشاركة مع المرؤوسين في عملية اتخاذ القرارات.

أما الديمقراطية البورجوازية (bourgeois democracy): فكرة يرجع منشؤها إلى (كارل ماركس), وتتلخص في أن المتناقضات الداخلية من صميم الاقتصاد الرأسمالي ينشأ عنها قيام الدولة الديمقراطية البرجوازية, التي تقوم على أساس النظم البرلمانية, وعلى الأخص نظام الأحزاب القواعد الخمسة:

الديمقراطية في الغرب تنامت ثم نضجت عبر اكثر من قرن من الزمان. وسبقتها او تزامنت معها الثورات الثلاث: السياسية, والثقافية, والاقتصادية. لكنها في التربة الآسيوية والأفريقية غرست بصورة فوقية ودون أن تسبقها أو تتزامن معها الثورات السياسية والثقافية والاقتصادية. هذه الحقيقة تفسر لنا إلى حد كبير لماذا تعثرت الديمقراطية في بلدان آسيا وأفريقيا.

القاعدة الأولى التي يجوز لنا استنتاجها هي: الديمقراطية في الدول التي كانت مستعمرة نظام وافد, وقد طبق دون أن تسبقه أو تصحبه المقدمات السياسية والثقافية والاقتصادية كما كان الحال في الغرب. مشاكل غرس الديمقراطية صحبتها مشاكل تخلف الانتماء القومي وضعفه أمام انتماءات طائفية وقبلية وجهوية, فانعكس ذلك سلبا على استقرار الحكم.

القاعدة الثانية: عدم استقرار الحكم في ظروف الحرب الباردة التي تمددت آثارها في كل مكان في الفترة ما بين 48– 1991 جعل بلدان العالم الثالث عرضة لتدخلات أجنبية من المعسكر الشرقي أو الغربي. عثرات الديمقراطية وعدم استقرار الحكم والتدخلات الأجنبية أدت في أكثرية بلدان العالم الثالث إلى وقوع انقلابات عسكرية أو مدنية غيرت نظم الحكم الديمقراطية إلى نظم أتوقراطية ذات انتماء واضح لأحد طرفي الحرب الباردة.

القاعدة الثالثة: ولكن بصرف النظر عن عوامل الحرب الباردة، فإن هشاشة التكوين القومي للبلدان المعنية، ورخاوة مؤسسات الدولة الحديثة فيها، وتقاصر قدراتها الاقتصادية عن تلبية ضرورات الحياة، وهي من أعراض الأقدام على الديمقراطية قبل أن تسبقها المقدمات المذكورة سابقا، عوامل فاعلة في تعرية النظم الديمقراطية وإغراء البدائل الأتوقراطية لبسط سلطانها.

دراسة تاريخ الانقلابات العسكرية أو المدنية والنظم الأتوقراطية التي أقامتها في آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية تفصح عن الحقائق الآتية:

الانقلابات العسكرية والنظم الأتوقراطية التي تقيمها صالحة كوسائل احتجاج على قصور النظم الديمقراطية، وصالحة كوسائل للتعبير عن الأهداف الوطنية المنشودة، وصالحة للتعبير عن تطلعات النخب الفكرية والسياسية الحديثة.

النظم الأتوقراطية صالحة في إقامة شكل مستقر للحكم مدافع عن الاستقرار بوسائل حديثة مستمدة من أحكام وأجهزة الدولة البوليسية كما أتقنها في اليمين موسيليني وفي اليسار ستالين. وإذا كنا ذكرنا أن الديمقراطية وافدة, فإن الأتوقراطية أيضا وافدة, وإن اتفقت مع بعض النظم التقليدية في نفي الرأي الآخر.

سجلت الأتوقراطية إخفاقا ملموسا في أربعة مجالات هي:

إخفاق في مهمة البناء القوى للبلاد لأنها تحاول القفز فوق الواقع, تدفع الرأي الآخر والولاءات التقليدية إلى استقطاب حاد يجعل الاختلافات عداوات. وإخفاق في بناء الدولة الحديثة لأنها تجعل مؤسسات الدولة كالخدمة المدنية، والقضاء وغيرها أدوات لسلطانها فتفرغها من محتواها الوظيفي وتحاول جعلها روافد لحزب السلطة.

هنالك علاقة تلازم بين الديمقراطية والتنمية, فأغنى بلدان العالم ديمقراطية أفقر بلدان العالم أتوقراطية. وفي عام 1993 نشرت مجلة الايكونمست Economist دراسة أحصت دول العالم ونظمها ومستواها التنموي, وأثبتت تلازما واضحا بين درجة الديمقراطية والمستوى التنموي. هذا التلازم منطقي لأن من شروط التنمية احترام قوانين الاقتصاد وإقامة العلاقات الاقتصادية مع العالم على أسس موضوعية. هذان الشرطان تهدمهما الأتوقراطية وتكفلهما الديمقراطية.

الأتوقراطية تهزم نفسها لأنها تنطلق من استخدام القوات المسلحة أداة للسلطة. والقوات المسلحة كفاءتها في انضباطها وتدريبها, فإذا أقحمت في مجال السياسة فرطت في ذلك وترهلت, مثلما حدث للمشير عبد الحكيم عامر 1967، وجيش كولونيلات اليونان 1980، وجيش الأرجنتين 1981، وجيش عمر البشير الآن. الأتوقراطية تقوم على الكفاءة العسكرية, ولكنها حتما تستنزفها.

القاعدة الرابعة: مهما كان إخفاق التجارب الديمقراطية، فإن التجارب الأتوقراطية أكثر إخفاقا, وهي إلى ذلك أكثر خطورة لسببين هما: 1- زيادة حدة المشاكل الوطنية وتحويل الاختلاف حولها إلى عداوات, وفتح الباب لتمزيق الوطن. 2- أبطال الضبط والربط في القوات المسلحة يودي بكفاءتها ويبطل دورها الأساسي كصمام أمان لوحدة الوطن وسيادته.

القاعدة الخامسة: أعداء الديمقراطية في أوربا ركزوا على سلبياتها داعين لبدائل يمينية ويسارية لها. قال خرتشوف: التاريخ معنا وسوف ندفنكم. لكن الديمقراطية أثبتت أنها مع سلبياتها قادرة على هزيمة النازية في الحرب الساخنة, وهزيمة الشيوعية في الحرب الباردة. قال تشرشل: الديمقراطية أسوأ نظام إذا استثنينا النظم الأخرى (أي أنها الأفضل إذا قورنت بغيرها). لقد ركز أعداء الديمقراطية في العالم الثالث من دكتاتوريين وأتوقراطيين وشموليين ومستبدين وجلادين، على إخفاقاتها لكي يفسحوا المجال لنظمهم البديلة. ولكن الاستقراء التاريخي يثبت أن نظمهم أكثر إخفاقا وخطرا على مصالح الشعوب والأوطان.

إن الفرق الأوضح بين الديمقراطية والديكتاتورية في كون الأولى نظام يقوم على احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ويسمح لجميع الآراء أن تعبر عن نفسها، وللشعب أن يختار من يحكمه. بينما الثانية تقيم نظاما يصادر تلك الحريات والحقوق ويستند على الدولة البوليسية، ليدعم اسمتراريته في الحكم ويحمي نفسه من الرأي الآخر. في هذا الصدد لا يختلف اثنان أن الديمقراطية أفضل من الديكتاتورية. ولكن، وفي بقية الأوجه نشأ جدل بين النخب المثقفة حول النظام الأفضل للحكم في بلداننا، وشاعت عند العديدين مقولة: المستبد العادل، الذي يستطيع أن يتجاوز فوضى الديمقراطية، ويقيم بالقوة النظام الذي يحقق الإنجاز الوطني في جميع المجالات التنموية والتأصيلية وغيرها.

ولابد من الإشارة إلى اكتساب العمل الإداري على مر العصور أهمية كبرى في حياة المجتمعات والمؤسسات, وتتزايد أهميته مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها الحياة المعاصرة وتشابكها, وتكتسب الإدارة الناجحة بمستوياتها أهمية خاصة لتأثيرها على أفراد المجتمع. وقد تطورت النظرية في الإدارة بأشكال عدة, كان من أبرزها الإدارة الأتوقراطية (الاستبدادية) وشبة الأتوقراطية (شبه الاستبدادية) والإدارة الدستورية أو المؤسساتية. كما جاءت في العصر الحديث الإدارة الديمقراطية, ونظرية النظم والنظرية التوافقية والإدارة التعاونية ولتطوير المؤسسات واستمرار نجاحها في المنافسة والتحديث ويرتبط نجاح التجارب الديمقراطية بمدى نجاح الأجهزة الإدارية في تنفيذ ممارسات ديمقراطية إصلاحية في مؤسسات الدولة وفي نسيج السلوك اليومي للأفراد والمجتمع وإلا فإن الأجهزة الإدارية التي تصاب بالبيروقراطية أو الترهل أو الفساد المالي فإنها قادرة على إسقاط التجارب الديمقراطية الفتية.

Leave a Comment