العوامل المؤثرة في بلورة السياسة الخارجية الإسرائيلية
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالوهاب الحربي 4
العوامل المؤثرة في بلورة السياسة الخارجية الإسرائيلية
يتمثل تحقيق الأهداف القومية الإسرائيلية، بحسب رؤية ونهج المؤسستين السياسية والأمنية الحاكمتين في إسرائيل، في الفرضية القائمة على دمج ومواءمة قدرة الردع والقوة العسكرية والأمنية بالسياسة الخارجية والدبلوماسية، وبالتالي يتشكل ويتحدد كل من الخطاب السياسي ووسائل العمل الميدانية الأمنية منها والعسكرية إن ابتداءً أو رد فعل على عمل مباشر ضد الكيان الإسرائيلي، من منظومة التقاطع بين القدرتين. وعادة ما تعمد وعمدت إسرائيل إلى تغليب قدرة الردع والقوة العسكرية واستنزافها إلى أقصى وأقسى مدى ممكن على أي اعتبار آخر، خاصة مع نجاح هذا المنحى في أغلب المحطات التاريخية للصراع الذي خاضه المشروع الصهيوني ووليدته إسرائيل مع الطرف العربي.
بيد أن “محصلة العبر” التي استفادت منها إسرائيل في تكوين قدرة ردع معقولة تجاه الدول العربية منذ العام 1948، خاصة في ما يتعلق بمستوى التهديد الإستراتيجي المتمثل في أسلحة الدمار الشامل والمجال التقليدي، بقي قاصراً وغير فاعل إلى حد كبير في المجال المتدني القوة، أي في الساحة التي تخوض فيها إسرائيل صراعاً ضد مقاتلي حرب العصابات والحروب المنخفضة المحدودة. وكان للاندحار الإسرائيلي من لبنان عام 2000، تأثير مباشر على زيادة حدة القصور، أو أقله عدم الفاعلية الكاملة لقدرة الردع الإسرائيلية، مما أسهم إسهاماً فاعلاً في انطلاق الانتفاضة الفلسطينية والعمل المقاوم الفلسطيني الذي كادت إسرائيل أن تستنزف كل طاقاتها السياسية والعسكرية والأمنية دون القضاء عليه.
منذ اندحار الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلتها وما زالت تبذلها إسرائيل على كافة المستويات السياسية والأمنية لمواجهتها ومواجهة تداعياتها، لم تستطع إعادة ترميم قدرة الردع الإسرائيلية المهشمة أمام قدرة الردع الناجعة التي يفرضها حزب اللَّه. وأمام انسداد أفق أي نهج يمكن أن يتبع من قبل الكيان بوسائل تقليدية (أمنية أو عسكرية)، كانت توصية طواقم التقدير والتقييم في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية المختلفة بسلوك المسار والضغط الدبلوماسي والسياسي واستنزافه عله يجدي نفعاً…
هذا المنحى، المفروض ميدانياً على أصحاب القرار السياسي والأمني في إسرائيل، يدفع المحرك الإسرائيلي باتجاه إعادة الاعتبار قسراً للدبلوماسية وللسياسة الخارجية، التي يؤمل منها استجلاب أمن مفقود وقدرة ردع مهشمة مع فقدان الخيارات الأمنية لصعوبة تحمل ثمنها، مما يدفعنا للاهتمام بدراسة مكونات السياسة الخارجية الإسرائيلية والعوامل المؤثرة فيها، كان الحرص على أن ننقل إلى العربية مقتطفاً من ورقة العمل الموسعة التي تقدم بها طاقم الفكر السياسي المعني بدراسة وإعطاء توصيات تتعلق بشؤون السياسة الخارجية الإسرائيلية نتيجة لمداولات مؤتمر مركز هرتسيليا الثاني تحت عنوان “التوازن بين المناعة والأمن القومي” المنشورة أعماله في النصف الأول من العام الحالي، والملفت أن مداولات المؤتمر والكلمات التي ألقيت ساهم فيها صانعو القرار السياسي والأمني في إسرائيل والنخب الأكاديمية التي تعتبر شريكاً أساسياً في صناعة المشهد السياسي والأمني الإسرائيلي.
المقدمة
إحدى الفرضيات الأساسية في هذه الورقة، هي في عدم وجود كينونة ذاتية للسياسة الخارجية منفصلة عن السياسة القومية العامة، وعلى ذلك فمن غير الممكن التحدث عن أهداف غير مقتطعة للسياسة الخارجية عن الأهداف القومية العامة. وبناء عليه، فمن المناسب استخدام مصطلح “هدفية” السياسة الخارجية لتأكيد التصور بأن السياسة الخارجية هي أداة الدولة تستخدم خارج إطار حدودها من أجل تحقيق الأهداف القومية.
تأسيساً على ذلك، ينبغي أن ننظر إلى “السياسة الخارجية” باعتبارها إجمال الأعمال غير العنفية التي تنفذ بتوجيه رسمي في الساحة الدولية، والتي تستهدف المساهمة في تنفيذ الأهداف القومية لدولة إسرائيل.
وزارة الخارجية هي المحور المركزي الذي يدير السياسة الخارجية، إذ إن السياسة الخارجية لإسرائيل غير محددة بنشاطات وزارة الخارجية فقط، وإنما تشمل أيضاً أبعاداً مختلفة في نشاط أجهزة حكومية رسمية أخرى مثل الوكالة اليهودية وأجهزة الاستخبارات بالإضافة إلى وزارات حكومية أخرى كوزارتي الزراعة والاستيعاب.
كما ذكرنا، ينبغي أن نقتطع ماهية السياسة الخارجية من الأهداف القومية، وعدم مواءمة الأهداف القومية مع الصعوبات السائدة في ساحة السياسة الخارجية، وينبغي اقتطاع وسائل العمل للسياسة الخارجية من المميزات العامة للمنظومات الدولية والمنظومات الإقليمية الأساسية. أضف إلى ذلك، أن وسائل العمل لا يمكن أن تأخذ بالحسبان اتجاهات التشكل في هذه المنظومات في المجالات الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية والتكنولوجية.
الفرضيات الأساسية:
الفرضية الأساسية هي أن الهدف القويم الأعلى لكل حكومة من حكومات إسرائيل هو تحصين الدولة وتحصين مكانتها، وبقاؤها كدولة قومية للشعب اليهودي تعيش بسلام مع جيرانها. وهي ليست نقطة عادية أو مفهومة بحد ذاتها في سياق النقاش حول السياسة الخارجية الإسرائيلية. بل على العكس، فلهذه الفرضية تأثير بعيد المدى على طابع هدف السياسة الخارجية لإسرائيل، أدوارها وأهدافها التي لا ينبغي الاستخفاف بها.
المنطق يقول إن تعريف الدولة ك”دولة يهودية” من جهة، أو من جهة ثانية ك”دولة لكل مواطنيها” دون وجود وزن خاص للبعد اليهودي فيها، غير مرتبط فقط بفروقات جوهرية حول أساليب الحياة في الدولة، كتغيير التقويم الرسمي والأعياد ومواعيدها، أو كالرموز الأساسية فيها، مثل مكانة نجمة داود في العالم والشمعدان في المؤسسات الحكومية وفي قوانينها، أو نشيدها الوطني، وإنما أيضاً في ماهية أهدافها القومية وأهداف سياستها الخارجية، التي تشمل على سبيل المثال سياسة السلام تجاه جيرانها وعلاقتها بمشكلة الحدود الدائمة أو حق العودة.
هذه المشاكل غير منفصلة عن السعي لتحصين دولة إسرائيل كدولة يهودية. ومن الواضح سلفاً أن عناصر مركزية في السياسة الخارجية مثل الهجرة وتشجيعها، مكانة بعض المؤسسات كالوكالة اليهودية (والحاجة إلى وجودها أيضاً)، وعدم التحدث عن تحديد التهديدات وتشخيص الخصوم على الساحة الدولية ستؤثر بشكل حاسم بما يتلاءم مع التصنيف الشرائحي لدولة إسرائيل كدولة يهودية.
فرضية أساسية أخرى هي رؤية إسرائيل نفسها كجزء لا يتجزأ من العالم الحر ومن الحضارة الغربية. صورة إسرائيل الدولية بهذه الروحية في كل المجالات الممكنة (نظام، مجتمع، ثقافة، علوم، تكنولوجيا، اقتصاد…) هي حيوية أيضاً كقيمة سياسية إستراتيجية. تعميق الاعتراف في العالم الغربي بأن إسرائيل هي في الواقع جزء لا يتجزأ من تراثه، يُمكِّن إسرائيل من تأمين مدى للدعم الدولي الذي تحتاجه بالإضافة إلى تفهم حاجاتها في المواجهة أيضاً.
على ذلك، إن عرض الفرضيات الأساسية فيما يتعلق بكون إسرائيل دولة قومية لليهود ودولة ترى نفسها كجزء من عالم القيم الغربي، هو تحصين لمكانتها وتشكل ضمانة مستقبلية لها. فهدف السياسة الخارجية هو: الطموح لتحقيق هذه الأهداف عبر بلورة إجمال المسارات التي تنفذ عبر أجهزة رسمية تعمل في الساحة الدولية.
العوامل المؤثرة على بلورة السياسة الخارجية الإسرائيلية المستقبلية:
لا بد من الإشارة إلى أن مختلف الوسائل التي تشكل السياسة الخارجية الإسرائيلية ستكون نتاجاً، وستقتطع من مجمل عوامل مختلفة جزء منها مفاهيمي ينبع من رؤية مبلوري السياسة إزاء ماهية المنظومة الدولية، والجزء الآخر تجريبي مصدره السيناريوهات الفعلية لتلك المنظومة.
وسنتناول فيما يلي:
تأثير التصورات المفاهيمية.
تأثير اتجاهات العولمة، التقدم التكنولوجي والتغيرات الديموغرافية.
تأثير الثروات الإسرائيلية.
تأثير تغير موازين القوى على الخارطة العالمية
أ- تأثير التصورات المفاهيمية المتعلقة بالطابع الأساسي للمنظومة الدولية:
المفاهيم المتعلقة بطابع المنظومة: طابع السياسة الخارجية يتحدد أيضاً بما يتلاءم مع فهم أن العالم ومعه العلاقات الدولية موجود في مسار انتقالي (عناصر عدم اليقين فيه غير قليلة) بين وضع قهري تعتبر فيه القوة العامل الأساسي الذي يحدد النتائج وطابع السلوك في الساحة الدولية، وبين وضع فيه للقانون وللمعايير الأخلاقية دور أكبر في الحياة الدولية.
وينبغي على إسرائيل أن توائم نفسها مع التوتر القائم بين هذين الأمرين، فهي لا تستطيع الاعتماد فقط على القوة من خلال تجاهل عولمة المعايير وقيم القانون الدولي، ولكن أيضاً من غير المسموح لها الاعتماد فقط على هذه القيم، وبشكل أساسي إزاء حقيقة أن البيئة الجغرافية الثقافية التي تعيش فيها هي إما تتجاهله أو أن قوتها السياسية والديبلوماسية تُمكِّنها من عدم التعرض للعقوبات على خرقها لقواعد السلوك الدولي المتفق عليه. وبالطبع لا تستطيع إسرائيل أن تعتمد فقط على مدى الثقة التي من الممكن أن توليها للتحالفات وللمصداقية البعيدة المدى للحلفاء أو للقيمة الأبدية للاتفاقات بين الكيانات السيادية.
المفاهيم المتعلقة بطابع الأنظمة: طابع النظام الداخلي للدولة يشكل عاملاً محدداً لسلوكها في المنظومة الدولية. من هنا، فمن غير المسموح لإسرائيل أن تتجاهل ضرورة ملاءمة إدارة العلاقات مع دول مختلفة مع ماهية أنظمتها (وبشكل أساسي دراسة التعددية والتنافس فيها). فلهذه المسألة آثار على مواضيع عامة، كمعقولية استقرار إقليمي متبادل، صمود اتفاقيات السلام، سياسة الردع والاستعداد لحلول وسط قابلة للاستمرار أو على سبيل المثال تأثير التحسن الاقتصادي في الأنظمة غير الديمقراطية. ويتوجب السؤال: هل يشكل هذا الأمر في الواقع رافعة للاعتدال أم على العكلس تحسين القدرة الهجومية؟
ب- تأثير اتجاهات منظوماتية عامة: العولمة، التقدم التكنولوجي، تغيرات ديمغرافية.
العولمة: يبرز في المنظومة الدولية حالياً مساران متناقضان تسود بينما علاقات معززة وأحياناً ذات طابع (معكوس)، فمن جهة تقف العولمة التي من المفترض أن تضرب وتطمس الفروقات والكيانات القومية وتسحق مركزية السيادة والدولة القومية كمفهوم مُنظّم سيادي في المنظومة الدولية. ومن جهة أخرى تبدو ظواهر يقظة زائدة للمشاعر والحركات القومية، الشوفينية وأيضاً الدينية تؤدي إلى تفكيك دول متعددة الإثنيات أو متعددة الثقافات، وتشكل دول تطمح إلى الأحادية الإثنية و”حروب ثقافية” تُصعب مسارات العولمة وتعرقلها.
… ضمن إطار النقاشات حول اتجاهات منظوماتية عامة، من الصعب تجاهل تأثير التحولات الثقافية الشمولية وعلى رأسها التأهب في مقابل الإسلام. أيضاً في هذه الحالات يجري صراع بين قوى التقدم التكنولوجي والعولمة التي تطمح لإلغاء الحواجز بين الطوائف في العالم، وبين نظرية الأصولية التي تعتمد على جمود قيم الماضي والفصل بين “المؤمنين” والكفار. لا ينبغي حالياً تجاهل أن المتعصبين مستعدون ويعملون على تجنيد واستغلال عناصر التقدم والعولمة لأهدافهم وتعزيز قوتهم (مثل نقل أشخاص وتمويل، وتطوير وسائل القتال وغيرها).
العولمة وصدام الثقافات: من المقبول أن نفكر حالياً أن البشرية تقف على عتبة نوع جديد من المواجهات العالمية، تختلف جوهرياً عن المواجهات المعروفة بين دول قومية ميزت التاريخ حتى الآن، وبشكل عام اعتادت على التمييز بين شريحتين ثانويتين من المواجهات المستقبلية المتنبأ بها:
vصدامات تكمن جذورها في الأسباب الاقتصادية، وقد تدور بين جماعات تتمتع بوفرة اقتصادية وبين أولئك الذين يعانون من الحرمان الاقتصادي (أو على الأقل نقص يعتبر كحرمان).
vصدامات تكمن جذورها في عوامل إثنية ثقافية بين تشكيلات كبيرة بشرية تتميز عن بعضها البعض عبر مفاهيم متناقضة وغير منسجمة من ناحية قيمها الاجتماعية، معتقداتها الدينية وتعاملها الأخلاقي، سواء فيما يتعلق بالفرد أو فيما يتعلق بالجمهور. غير أنه إزاء الحقائق الآخذة بالتراكم، يبدو أن النقص الاقتصادي لا يُرتسم كعامل يقود في نشر العنف في أنحاء العالم وإنما العداء الإثني الثقافي. وتعزز هذا الادعاء بالذات في أعقاب العمليات في نيويورك وواشنطن حيث إن المشتبه بكونهم المخططين لها محسوبون على أغنياء العالم، وينتمي المنفذون إلى الطبقة الوسطى.
ومن دون تجاهل الأخطار، وضمن الصمود على حالة التأهب وتطوير وسائل الدفاع والرد، ينبغي على إسرائيل أن تهتم بتعزيز اتجاهات عولمة صراع الظواهر الانقلابية التي “ترضع من حليب” نفس المجتمعات والثقافات الثائرة ضد العولمة وقيمها.
التطور التكنولوجي: للتطور التكنولوجي أيضاً… تأثير بارز على المنظومة وتوازن القوى فيها… فالدول التي تنجح في الاندماج في اتجاهات التطور عبر تخصيص الموارد للثقافة والتعليم وتكريس نخبها الإبداعية وربطها باقتصادها، تستطيع أن تقلص الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة، والدول والمجتمعات التي لا تنجح في عملية الانتظام هذه ستبقى فقيرة ورهن كرم الآخرين.
تغيرات ديمغرافية: أمر آخر سيكون له تأثير بعيد المدى هو التزايد الديموغرافي ومستوى المورد البشري. يرتسم في هذا المجال حالياً اتجاهات هامة يتضح منها أن سكان الصين والهند آخذون في النمو بينما غالبية الدول الأوروبية تتجه نحو الشيخوخة والانحسار، وفي المقابل سيزداد عدد سكان الولايات المتحدة.
وجه آخر للتغيرات الديموغرافية هو أن الغرب وبشكل أساسي غرب أوروبا سيضطر لزيادة سكانه عبر الهجرة، ويمكن لهؤلاء المهاجرين أن يكونوا رأسَمالٍ بشرياً وقدرة متجددة إذا تساوقت كفاءاتهم وحوافزهم مع حاجات الدولة المستضيفة لهم. وقد تنجح هذه الدول في دمجهم أو دمج أبنائهم في ثقافتها، غير أن هناك إمكانية أن يكون هؤلاء المهاجرون مصدراً للأزمات ولانعدام الاستقرار… خاصة إن لم يكن لديهم استعداد ذاتي للاندماج في المجتمع الغربي ويتجهون نحو البقاء متماسكين ومتمسكين بقيم وعادات وثقافة بلاد المنشأ… وقد تتحول هذه الجاليات بعد استقرارها بين الحين والآخر إلى مصدر تمويل للحركات الراديكالية المرتبطة ببلد المنشأ…
ج- تأثير الثروات الإسرائيلية:
لإسرائيل مجموعة من الثروات القومية، المادية وتلك التي تمثل منظمومة المثل السياسية وهذا ما يشكّل مناعتها القومية. وتمكِّن هذه الثروات من إيجاد مساحة مناورة للسياسة الخارجية الفاعلة والمبادرة، ويمكن لها أن تخدم مصالحها على الساحة الدولية. وتشمل هذه الثروات: الثروات القيمية الثروات السياسية الثروات الأمنية والإستراتيجية الثروات التكنولوجية والاقتصادية وثروات القوة اليهودية الأمريكية.
vالثروات القيمية: تمثل إسرائيل بنظر العالم الغربي بشكل خاص قيماً تجد تعاطفاً إيجابياً في وعيه وتلائم المبادىء الأساسية للأمم المتنورة وعلى رأسها الولايات المتحدة، ومع ذلك فإن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني وثمنه في مجال المواجهة العنيفة القاسية وتعابيره الإعلامية القاسية، تهدد في بعض الأحيان بسحق بنظر الغرب الثروة القيمية لدولة إسرائيل. هذا المفهوم، مثلما هو في مفاهيم أخرى، تشكل المشكلة الفلسطينية تحدياً إستراتيجياً من الدرجة الأولى، والتخفيف الجوهري لهذا النزاع سيُمكِّن إسرائيل من أن تحافظ أو أن تمنع المس بما يفترض أن تمثله هي بنظر الغرب:
– مهد الثقافة اليهودية المسيحية (ثروة ذات أهمية سياسية وإعلامية على حد سواء).
– وطن قومي لشعب تعرض للمحرقة.
– الروح الطلائعية والاستيطانية للمهاجرين الذين تمسكوا بهدف سام في مواجهة كل الصعاب.
– دولة صغيرة، ديمقراطية تطمح للسلام وتصارع على وجودها في بيئة ثقافية وسياسية قاسية.
– بلد قليل الموارد الطبيعية يُلقى على عاتقه عبء اقتصادي اجتماعي ثقيل نجح رغم المصاعب المادية والأمنية الثقيلة في تحقيق إنجازات دراماتيكية في أغلب المجالات المهمة المعاصرة.
v ثروات سياسية:
أ- نظام ديمقراطي: تتلاءم إسرائيل مع الأيديولوجية السياسية للدول الحرة وتلبي مصلحة المنظومة الليبرالية من نفس سلوكها كدولة ديمقراطية. والعلاقات السليمة والمتساوية بين الأغلبية اليهودية في الدولة والأقلية العربية فيها هو أمر حيوي للمحافظة على الصورة الديمقراطية لإسرائيل.
ب- نظام مستقر: إسرائيل تحتاج لأن تبرز كمجتمع يواصل المحافظة على استقرار النظام، على الرغم من تناقضاته الداخلية وما يحمله من احتمالية مواجهة أوضاع وجودية صعبة.
ج- مفتاح نهاية النزاع: تعتبر إسرائيل طرف أساسي من غير الممكن الالتفاف عليه لتحقيق اتفاق في الشرق الأوسط، وهو الاتفاق الذي يحتل اهتماماً كبيراً لدى الدول العظمى ولدى لاعبين مهمين آخرين في المنطمومة الدولية، وهذا الاهتمام ينبع أساساً من مصالح هذه الدول في مجال الطاقة ومن خوف الغرب من تمدد الهجرة والإسلام المتطرف.
وفقاً لذلك، يبدو أن السعي للسلام بين إسرائيل وجيرانها ينسجم مع المصلحة العامة ويندمج مع أهداف “النظام العالمي الجديد”.
د- “العلاقات الخاصة” مع الولايات المتحدة: المكانة الاستثنائية لإسرائيل في السياسة الخارجية الأمريكية تكسبها قدرة على الساحة الدولية، كما تظهرها بمظهر القادر على فعل كل شيء في واشنطن. ومع الأخذ بعين الاعتبار لمكانة الولايات المتحدة كدولة عظمى وحيدة وقائدة ل”النظام العالمي الجديد”، هناك أهمية كبرى لهذه الصورة، سواء في المنظومة المتعددة الأطراف أو في العلاقات الثنائية لإسرائيل. حيث إن المحافظة على الثروة القيمية والسياسية لإسرائيل بنظر الولايات المتحدة وسط تنمية العلاقات الخاصة معها، سيشكل كنزاً ثميناً للسياسة الخارجية الإسرائيلية.
v ثروات أمنية إستراتيجية:
أ- شراكة إستراتيجية: تعتبر إسرائيل دولة عظمى عسكرية فيما يتعلق بالشرق الأوسط ودولة تمتلك قدرة ذات بعد دولي. وهي شريك إستراتيجي للولايات المتحدة وقادرة على أن تشكل أيضاً شريكة لدول أخرى، كونها محاوراً صادقاً وذات قدرات في حالة حدوث أزمات وفي قدرتها على التهديدات المشتركة. ومن المناسب أن نشير إلى أن أهمية إسرائيل نابعة أيضاً وبشكل خاص من قدرة ردعها لمنع حصول تدهور إقليمي. ينبغي أن نسعى لأن يتواصل هذا المنحى بأهمية إسرائيل في حالة تصاعد الوضع في السنوات القادمة.
ب- الحد من بناء القوة غير التقليدية في الدول الأكثر خطورة: تساهم إسرائيل في تحديد انتشار الأسلحة غير التقليدية في الشرق الأوسط وإحباط الصفقات المرتبطة بتطوير قدرات في مجال أسلحة الدمار الشامل. فإسرائيل تجسد مدماكاً مهماً في الصمود أمام التهديدات المشتركة من جانب إيران والعراق بشكل خاص، على الرغم من أنه توجد جهات، مثل روسيا تدعّي بأن إسرائيل تبالغ في مطالباتها إزاءهم.
ج- كبح التمدد الإسلامي المتطرف والإرهاب: تواجه إسرائيل الإرهاب المرتبط أيضاً بظاهرة الإسلام الراديكالي وتلعب دوراً هاماً في مكافحة هذا التهديد.
v ثروات تكنولوجية واقتصادية:
أ- تطور علمي وتكنولوجي: … قدرات إسرائيل الكبيرة من الممكن أن تُدخلها في مجالات التطور الأكثر تقدماً وتمنحها نقطة ثقل اقتصادية علمية ذات أهمية كبيرة آخذة بالتزايد.
ب- تطور منظومات الدفاع والاستخبارات المتقدمة: … فيما يتعلق بالتهديدات المتزايدة في مجال الأسلحة غير التقليدية صواريخ أرض أرض بشكل خاص لإسرائيل القدرة على أن تقترح على دول كثيرة ردوداً تتلاءم مع وسائلها.
v القوة اليهودية الأمريكية:
المكانة القوية ليهود الولايات المتحدة في كل المجالات الرائدة، بالإضافة إلى عدد غير محدود من اليهود في الحكومات المختلفة وتكاثر “الأصدقاء” أصحاب النفوذ على المستوى غير الرسمي وسط القادة الأمريكيين، يُكسب هذه الجالية قوة سياسية بارزة. قدرة الجالية اليهودية الأمريكية وعلى رأسها (الإيباك) والتي تتمظهر في الانتخابات الرئاسية ومجلس النواب والشيوخ تساهم في البناء والمحافظة على “العلاقات الخاصة” بين إسرائيل والولايات المتحدة. هذا المخزون من النفوذ اليهودي أوجد لإسرائيل صورة ذات قدرة على الوصول المباشر (والمتغلغل) في ثنايا الإدارة الأمريكية. وبنظر دول كثيرة في العالم تبدو القدس كمحطة مرغوب بها في الطريق إلى واشنطن. ومن شأن ذلك أيضاً أن يكون ذا فائدة بعيدة المدى لقدرة الولايات المتحدة.
د- تأثير تغيير موازين القوى على الخارطة العالمية:
القوى العالمية الآخذة بالتشكل، والقدرات غير المتساوية للاعبين مختلفين على الساحة الدولية في مواجهتها، سيؤدي إلى تغييرات في قدراتها وتأثير مناطق جيوسياسية ودول منعزلة على حد سواء، وللتشخيص الصحيح والمتبصر للنزعات المتكونة للتغييرات التي ستجري يقول المنطق إنه سيكون لها وزن حاسم في بلورة السياسة الخارجية الإسرائيلية الديناميكية، ويتطلب هذا الأمر تحديد المخاطر وفرص تطوير نماذج وتخصيص موارد وتحديد الأولويات لمصالح الدول الأخرى.
هناك شك إزاء التقديرات المتعلقة بالمكانة النسبية للصين إزاء الولايات المتحدة، إن كان ينبغي أن تدفع إسرائيل لتجاهل معارضة الولايات المتحدة بنقل التكنولوجيا المتقدمة من إسرائيل إلى الصين. ومع ذلك لا يُشك بأن مكافحة الولايات المتحدة والدول الغربية للإسلام الراديكالي وحاجة هذه الدول لدعم الدول العربية، قد يثير خلافات متتالية بين القدس وواشنط