العولــــــــــمه
كاتب الموضوع الأصلي: مبارك محمد الشهري 1
العولمة :mondialisation أو الكوكبة : globalization تعني ، حسب قاموس وبستر ، ” إكساب الشيء طابع العالمية ، وجعل نطاقه وتطبيقه عالمياً “؛ ولكن هذا المفهوم الموحي بالبراءة لا يلبث أن يتكشف عن مخاطر كبيرة تقف وراءها قوى شرسة، ترفع مصالحها فوق كل اعتبار وتنظر إلى العالم كله على أنه مساحة مفتوحة، أو ينبغي أن تكون مفتوحة أمامها، وتستخدم القوة لفرض تلك المصالح وما يرافقها ويتمخَّض عنها من تهديد على الآخرين ولحماية ما تسفر عنه مما يحقق أهدافها، وهي بذلك تضفي هيمنتها الشاملة على عصرنا الحاضر.
فالعولمة بالمعنى والأفق اللذين أسفرت عنهما السياسات والتوجهات المعاصرة للأقوياء وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، لا سيما بعد أن أصبح العالم محكوماً بسياسة قطب وحيد الطرف:
ـ كسب الحرب الباردة بعد أن هزم التنظيمات الأيديولوجية المناوئة له وسياساتها.
ـ وتجاوز منافسيه وحلفاءه بامتلاك التفوق في مجالات العلم والتقانة والمعلوماتية، فعزز بذلك قدراته الاقتصادية والمالية والعسكرية .
ـ وأعلن أنه يعمل على نشر القيم الأميركية والسلوك الأميركي ونمط الحياة الأميركي في العالم كله، وهو ما يفتح باب غزو للشعوب وثقافاتها وعقائدها!!
ـ وأكد انتصاره وتفرُّده في صنع القرار السياسي الدولي في حرب الخليج الثانية وما بعدها.
ـ وبعد أن أحلَّ المنظمة الدولية للتجارة محل اتفاقية الغات Gatt، وأُعطيت الدول مهلة زمنية حتى عام 2005 حتى تسوي خلالها أوضاعها وتدخل المنظمة المشار إليها؛ وهي تسفر عملياً عن خدمة وسيطرة مطلقتين للولايات المتحدة الأميركية بالدرجة الأولى.
العولمة، بعد هذا كله، أصبحت عملياً خطراً يهدد دولاً وشعوباً وثقافات ومجتمعات، ومصالح شرائح اجتماعية واسعة في العالم وطبقات مسحوقة ومستباحة بشكل فظيع أخذت تزداد بؤساً ويأساً وانسحاقاً .
فالشركات المتعددة الجنسية وتلك المتجاوزة للقوميات / أي الـ ما فوق قومية / التي تشكل قوام عالم العَوْلَمة، تتحكم عملياً باقتصاد السوق وتقوم بإقناع جميع الدول تقريباً في العالم اليوم أو بإجبارها ـ تحت ضغط الدولة الأعظم وممارساتها، تلك التي تفرض العَوْلَمَةبكل أنواع القوة وترعاها رعاية خاصة، بوصفها أهمَّ سمات النظام الدولي الجديد وأهم ركن من أركانه الظاهرة الباهرة ـ لتقوم بتفكيك القطاع العام ونقل ملكيته للقطاع الخاص، أي لأصحاب رؤوس الأموال القادرين على شراء مؤسسات القطاع العام، أي الذين يُراد لهم أن ينضموا إلى مجموعات الدلافين والحيتان المالية الضخمة. ويتم ذلك بأسلوب جديد لنقل الثروة من دون عنف، أسلوب يعتمد على إلحاق خسائر هائلة بالقطاع العام لحساب أشخاص يدفعون القليل ليملكوا الكثير، ويشكلون بشركاتهم الصغيرة أحجار جدران قلعة العَوْلَمَةالمتعالية؛ حيث ترتبط مصالحهم نهائياً بالشركات الضخمة التي يصبحون جزءاً من تكوينها وممثلين لها أو ملحقين بها وهم في ” أوطانهم”، وبذلك يقومون عملياً بإلحاق أوطانهم بتلك الشركات من خلال عملية دفاع مستميت عن البقاء الذاتي والمصالح الخاصة والربح الذي ينشدون!؟ ويقوم الثلاثي الذي تسيِّره وتسيطر عليه الولايات المتحدة الأميركية : البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظمة الدولية للتجارة العالمية بدور الجرافات الضخمة التي تزيل العقبات وتمهد الطريق ـ بل تفرض السير في تلك الطريق ـ التي يرسمها ” النظام الجديد”، الذي يقف وراء العَوْلَمَةبكل قواه وتبدو العَوْلَمَةإحدى أبرز سماته وأهم مرتكزاته .
وكل هذه الشركات الصغيرة والمتوسطة الكِبَر الموجودة، وتلك التي يمكن أن توجد ، تبقى، بحكم تطبيق قاعدة اقتصاد السوق وانفتاح الأسواق أو تهشيم أسوارها ومجاوزة حدودها، تبقى محكومة بقرار الشركات الأكبر منها وبالسياسة العامة التي يفرضها الكبار على مناخ العمل والتعامل في السوق. صحيح أنها تتحرك بحرية في المدى المنظور ولكنها تبقى في الحوض المخصص لها سواء أدركت ذلك أم لم تدركه، تعيش وهمَ الاستقلال وحتى الوطنية إن شاءت ولكنه يبقى وهماً كبيراً؛ وتبقى هي تحت يد الصياد يخرجها من الحوض متى شاء أو يبتلعها عندما تثير شهيَّته .
وهكذا تصبح الشركات المئتان الأكبر في العالم ـ وقد تقلص عددها اليوم بحكم حركة الاندماج السريعة التي تشهدها السوق بين الشركات الكبرى ـ هي التي تتحكم في سوق العمل والتعامل: بالإنتاج وتوزيعه وتسعيره وتيسير الحصول عليه أو منع وصوله إلى من يحتاجون إليه ، كما تتحكم بموضوع استقرار صناعته وتوطُّنه في هذا المجال الجغرافي أو ذاك، في هذه الدولة أو تلك وبالعمالة والبطالة معاً. وكنتيجة لذلك فإنها تتحكم أيضاً برأس المال وبالسيولة المالية وتحكُم القرار السياسي للدول على نحو ما، وتستطيع تهديد نظامها واستقلالها وسيادتها وتتدخل في رسم خططها وسياستها وبرامجها وتحديد أهدافها أو التدخل لتعديل تلك الأهداف، لأنها تستطيع أن تتحكَّم بخلق الأزمات أو حلَّها وبالسيولة النقدية وقيمة العملة في السوق، وبعصب السياسة: أعني الاقتصاد؛ كما تتحكم بمصير الحكومات والأشخاص الحاكمين .
إن تسخير الاحتكارات العظمى لقوى الدول العظمى والصغرى لتكون في خدمتها ، من خلال تنصيب تلك الاحتكارات للحكام بدعم مالي وإعلامي أو إنزالهم من سدة الحكم بأساليب غدت معروفة عندما يعرقلون مصالح تلك الاحتكارات أو لا يكونون في خدمتها؛ يشكل حالة فساد وإفساد عالمية شبه مقرَّة عرفاً، ويجهض الديمقراطية السليمة عملياً ليقدم بديلاً مغشوشاً لها يصنعه المال ويروِّجه الإعلام؛ كما يجعل قوة الشعوب وقدراتها المعرفية في خدمة رأسمالية ـ إمبريالية احتكارية عالمية تشيع الفساد في سلالم السلطة، وتجعل رجالها شركاء في استغلال شعوبهم ومتواطئين مع الاحتكارات التي تساندهم ويساندونها، ومتحكِّمة حتى بتوجهات التشريع على نحو ما.
وتبقى هذه الشركات بعيدة عن سطوة القانون والضريبة والسياسة لأنها تتقن التهرب منها، ولأنها تتخذ من المال وطناً يستقر حيث يأمن وينمو بعيداً عن كل مسؤولية والتزام من أي نوع ، وتوظِّف الأوطان في خدمة أغراضها ، أياً كانت تلك الأغراض ؛ ولا تستطيع ولا تريد أن تقدم للدول والمجتمعات خدمات جراء ما تنفذه في بلدانها من صناعات وما تلحقه ببيئتها من تلوث، بل إنها على العكس من ذلك تلاحق تلك الدول والمجتمعات لتقدِّم لها تسهيلات وخدمات وإغراء من أجل بقاء المصانع والمعامل ووسائل الإنتاج والعمالة مستقرة في بلدانها وحتى لا تخلق لها أزمة تخلف أو بطالة أو أزمة تزوُّد بالمنتجات؛ بعد أن تكون قد حوَّلت مجتمعات تلك الدول إلى مجتمعات استهلاكية اتكالية ، وحوَّلت أفرادها إلى مجرد أفواه تأكل وسواعد تعمل، أمَّا العائدات فكلها لصاحب رأس المال وسيد السوق .
وتلك الشركات التي تسيطر على 95% من التجارة العالمية، لم تستخدم أكثر من /3,5% من أبناء الجنس البشري في التشغيل ولم تقدم أكثر من/9%/ من قيمة الضرائب العامة على دخلها العام ، كما يقول المتابعون في هذا المجال .
ومن البديهي أن الذي يسيّر هذه الشركات الكبيرة / وهي في حدود 4000 إلى 5000 شركة / ويبتلع الدخل الأكبر الذي يتحقق من أعمالها هو الشركات الأم من بينها ، ومثَلُها في علاقاتها مثَلُ تاجر المفرق الذي يحكمه تاجر الجملة ويتحكم بعمله وربحه وحياته؛ وتلك الشركات تعود لأصحاب رؤوس أموال أميركيين بالدرجة الأولى تدعمهم قوة تلك الدولة أو يسيّرون قوتها ويرسمون سياستها ويضعون طاقاتها وإمكانياتها في خدمة مصالحهم وأهدافهم. ويكاد رأس المال اليهودي يكون الأكثر سيطرة على الكبار، لا سيما من خلال إمبراطوريات الإعلام والسينما والمصارف المملوكة من قِبَل هؤلاء أو المسيطر على قرارها من قِبَلِهم، ويردف أولئك في توجهاتهم واستثماراتهم ويعزز نفوذهم وأهدافهم رأس المال المتصهين والمؤمن بأهداف الصهيونية: إمَّا اعتقاداً دينياً مثل جماعات المسيحية ـ اليهودية المتعصبة ، لا سما أتباع الكنيسة الإنجيلية ، الذين يعدون خمسين مليوناً في الولايات المتحدة الأميركية ويؤثِّرون في القرارات والتوجهات والسياسات، أو يكنُّون عداء للآخرين ويصدرون عن رغبة في السيطرة والتحكم والإثراء وتكوين الإمبراطوريات المالية المترامية الأطراف، وهم قادرون بقيادة اللوبي الصهيوني وتحت تأثيره، على تركيع مؤسسات وحكومات ودول، وفرض قوانين وملاحقة أشخاص في بلدانهم وتنظيمات وأنظمة بوسائل متعددة لا نهاية لشرورها ـ من الأمثلة على ذلك: البنوك السويسرية وقانون غايسور فابيوس وأعمال بناي بريت التي لاتحد شرورها .
-2-
إن العَوْلَمَة تفسح المجال واسعاً أمام أصحاب رؤوس الأموال لجمع المزيد من المال على حساب سياسة قديمة في الاقتصاد كانت تعتمد على الإنتاج الذي يؤدي إلى تحقيق ربح وتوسيع هامش ذلك الربح ؛ بينما يتم الاعتماد في إمبريالية اليوم ـ العَوْلَمَةـ على المعرفة المضافة إلى المادة لتنتج فضل قيمة أو فائض قيمة يتجاوز بما لا يقاس ما حققته إضافة قوة العمل إلى المادة من فضل قيمة في العصر الصناعي ، كما يتم الاعتماد على تشغيل المال فقط من دون تحمُّل مغارم أو الدخول في مغامرات غير مأمونة العواقب من أي نوع للوصول إلى احتكار الربح باحتكار المال والسلع والسيطرة على السوق، التي غدا مجالها : العالم كله بعد توسُّعها وما تعِد به من آفاق مفتوحة. إنه الوضع الاحتكاري الرَّبَوي المستند إلى القوة الغاشمة المطلقة النفوذ الوحشية الأغراض في قمة تجسَّده ، وهو لا يُعْنَى، كما أن بعض المسلمين الضالعين مع رموزه لا يعنون، بأبعاد قوله تعالى : ( وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ(39)؛ إنه نوع من تحويل المعمورة إلى مساحة إمبريالية جديدة و ” إنشاء نظام من الطبقة السفلى داخل الديموقراطية الصناعية يتسم بالفقر وانعدام الأمل ” كما قال الوزير الأميركي روبير ريتش.”2″ وهي مقولة تُلخَّص إلى حد ما بعودة ” شايلوك ” المرابي اليهودي التاريخي ” محمولاً على أجنحة المعلوماتية والصواريخ البالستية في عالم مفتوح لسيطرة القوة المتغطرسة العنصرية الكريهة، المزركشة بمقولات إنسانية وتعالٍ مقيت ؛ وعودته تلك: المدججة بعلم وتقانة وقوة موظفة جميعاً لتخدم الخرافات والأساطير اللاهوتية والسياسية ، تبقي على الأهداف القديمة وتغير الوسائل والأساليب والأدوات ، وتعيد قولبة وتغليف القاعدة القديمة القائلة : إن القوي يأكل الضعيف : إلى قاعدة معدَّلة جديدة عصرية عولمية تقول ” السريع يأكل البطيء ” وسمك القرش المزوَّد بالطاقة النووية ومعطيات الحواسيب وغزو الفضاء والهندسة الوراثية وحمى الاستنساخ يستطيع أن يبتلع الأسماك الأخرى والصيادين الذين يغامرون في المضي إلى أبعد من المدى المحدد وشاطئ الانطلاق!!؟.
ومن منظور آخر لمعطيات في توجّهات العَوْلَمَةوخلفياتها نشير إلى حقيقة أن البلدان المتقدمة لا تريد أن تشغل نفسها بصناعات أولية ضرورية ومكلفة وإنما تريد أن تأخذ مكاسب هذه الصناعات وإنتاجها وأن تلقي أعباءها وما يرتبه ذلك النوع من الإنتاج على البلدان والمجتمعات النامية؛ إنها تستفيد من ذلك بدورها ولكن جزئياً وتجد نفسها مقبِلَة على ذلك ولو قسرياً ، بينما تذهب الفائدة الأكبر للمحتكر الأكبر وعملاق السوق ؛ أمَّا التفوق والتقدم وأنواع الفروق فسوف تكون هائلة جداً وستزداد الهوة اتساعاً بين الدول المتقدمة والنامية، لأن الأولى سوف تتفرغ لصناعة المعلومات والخدمات العليا والأسلحة ذات القوة التدميرية الشاملة وغزو الفضاء … إلخ وتطويرها وستبقى متحكّمة بالإنتاج الآخر، الإنتاج “الترسو” الضروري، وبصناعاته، ذاك الذي سينتقل إلى مواقع أخرى ورعاية دول أخرى” نامية” حيث تتحمل تلك الدول أدواته وأوساخه ولكن عائداته والتحكم به /حجباً وتوزيعاً/ فسيكون من نصيب الدول الكبرى والاحتكارات العالمية بشكل تام؛ وهو ما ينتج عملياً حالة برمجة الأزمات وتوظيفها واستثمارها .
وللتقريب فإنه حين تتنازل الدول المتقدمة عن صناعة المحرك الانفجاري أو النفاث مثلاً فإنما تفعل ذلك لتتفرغ للصناعات النووية والفضائية والمعلوماتية وتشغِّل الآخرين أجراء في ما يمكن أن نسميه : الصناعات السوداء ، وتحفظ لنفسها فيها حق الاختراع والملكية ؛ كما تحافظ على العائدات وفوائد السوق التجارية منها ، وعلى ما يقدمه ذلك لها من فرص تجعلها تتحكم بالقرار السياسي للبلدان المنتجة ـ المستهلكة.