العولمة والأمن القومي
كاتب الموضوع الأصلي: غالب بن معيكل4
آثار العولمة على الأمن القومي العربي : قد ذاع استخدام مصطلح “العولمة” وانتشر على نطاق واسع منذ بداية تسعينيات القرن العشرين لعلاقته الوثيقة بالمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية العميقة التي يشهدها عالم اليوم، وعلى الرغم من الجدل الكثير الذي أثير حول العولمة فإن المفكرين لم يتفقوا على معنى علمي ومنهجي جامع للمصطلح ومفهومه.
فالعولمة عملية مستمرة تقوم على الاعتماد المتبادل والمتزايد في أرجاء العالم الذي نلحظه جيداً في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية،وفي ثورة الاتصالات والمعلومات، وفي التقدم التقني، حيث تتضاءل أهمية وتأثير البعد الجغرافي في إتاحة واستمرار العلاقات في تلك المجالات.
ولقد فرضت العولمة نفسها على الساحة الدولية، ثم انتقلت إلى الساحة العربية بآثارها العميقة على الدول النامية في المجالات المختلفة، فقد فرضت علينا تحديات يتحتم علينا أن نواجهها بسرعة وفعالية لكي نلحق بركب الدول المتقدمة.
ومن هنا نرى أن العولمة حقيقة واقعية، وأنها قد ولدت لتبقى، ولا يمكن لأية دولة أن تعيش بمعزل عنها، كما أنه ليس من الحكمة مواجهتها بمنطق الرفض الصريح، بل إن الحكمة تقتضي أن نعظم أكبر قدر من إيجابياتها،وأن نتجنب أكبر قدر من سلبياتها، فالتحدي الذي تواجهه البشرية هو كيفية إدارة العولمة وتحويلها إلى قوة إيجابية يستفيد منها كل سكان الأرض، فتسعى الدول المتقدمة من خلال العولمة إلى تحقيق الغزو الثقافي والفكري وفرض ثقافات الدول الكبرى على ثقافات الدول النامية، ومنها الدول العربية بقصد إلغاء خصوصيتها الثقافية وجعلها في إطار مفهوم التبعية.. مما جعل الأمة الإسلامية تواجه اليوم الكثير من التحديات والعقبات التي تحاول أن تدفع بها بعيدا عن أداء دورها في العطاء القيمي والثقافي، وتحول دون تحقيق رسالتها الخالدة ومشروعها الحضاري ذي الأبعاد الإنسانية والإسلامية والعربية، وتزداد هذه التحديات في ظل الهيمنة الأمريكية والقطب الواحد الذي يحاول النيل من الإسلام حضارة ودولة وتربية وتعليماً.
من هنا يتأتى دور المؤسسات التعليمية على اختلاف مراحلها حيث تعد أداة الإسلام المنظمة لتحقيق رسالته وأهدافه وتحويلها إلى نماذج حية، وهي التي تحافظ على هوية الأمة بما تصنعه وما تعده من أجيال، فإما أن تكون تلك المؤسسات قلعة الأمة وحصنها الحصين والصخرة التي تتحطم عليها أحلام الغزاة، وإما أن تكون الثغر الذي يؤتى الإسلام من قبله، مما يحتم على الأمة الإسلامية أن تعضد من دور تلك المؤسسات التربوية التعليمية، وأن تعمل على تقوية جذورها وأسسها، لكي تقف على أرض راسخة ثابتة من القيم والمثل والمبادئ لأداء رسالتها في إعداد الأجيال المؤمنة العابدة المبدعة.
وتؤكد الحقائق الأكاديمية على أهمية التعليم وضرورته، إذ يعد– بمضمونه المعرفي – قوة دافعة للمجتمع لتنوير العقول وتحقيق النهضة الاقتصادية وتفعيل مختلف البرامج التنموية، وإحراز العديد من المكاسب الاجتماعية والثقافية، لذلك فإن قوة المجتمع تستمد أساساً من قوة النظم التعليمية، كما أن ثراءه يعتمد على حسن استثمار العناصر البشرية التي يتم تأهيلها وتزويدها بكافة المعارف ومختلف المواد التعليمية.
إن العالم العربي يواجه تحديات ضخمة في الفترة الحالية يجب أن نواجهها بالعلم النافع والتطور الحاصل الذي يوفي بمتطلبات العصر ويساهم في مواكبة التطور الأكاديمي العلمي الذي تشهده الدولة والمنطقة، خاصة وأن قياداتنا الحكيمة قد فطنت إلى أهمية العلم والتعليم في الحياة الحديثة واهتمت بالإنسان وطورت من أدائه حتى يرتقي بوطنه، ويكون قادراً على مواجهة التحديات التي فرضتها العولمة وأثرت على كافة النواحي الثقافية والتعليمية، وهناك “جانباً آخراً لتأثير العولمة في التعليم العالي يتصل بالاتجاه إلى وضع نظام عالمي لتقويم المؤهلات ووضع نظم لتحديد المستويات التعليمية، ويضاف إلى العوامل الاقتصادية والاجتماعية عوامل أخرى ذات طبيعة سياسية تقوم على تجاوز الحدود الوطنية بتحديد السياسات العامة للتعليم واتخاذ القرارات التعليمية وبالتالي سيزداد دور المجتمعات المدنية والعمالية في هذا السياق ولذلك سيكون من المهم تعزيز التعاون والتنسيق معا لتكتلات الإقليمية التي تنتمي إليها الدول إذا أرادت الحفاظ على هويتها”.. “فالعولمة لها انعكاسات مركبة علمية وتقنية وكذلك ثقافية، والخطورة كامنة بالأساس في التغيير الاجتماعي المصاحب للعولمة والذي يشمل القيم والعلاقات الاجتماعية، والهدف المضمر هو محاولة تنميط الثقافة وبالتالي تنميط المجتمع بشكل يخدم مصالح القوى المهيمنة”.
وبذلك فإننا أمام مواجهة ثقافية كونية تعمل على تهديد الخصوصية الثقافية للمجتمعات وتقتضي منا مواجهة العولمة والتصرف بنوع من الذكاء والتحصين الذاتي للأمة العربية وذلك بجعل التعليم يقوم على إستراتيجية متكاملة تعمل على ضرورة توسيع التعليم العالي وتطوير محتواه لتحقيق التنمية والأمن القومي العربي بتفعيل العمل العربي واكتساب القدرة التنافسية والاستفادة من الخبرات الدولية عن طريق التعاون الايجابي.
والمدقق في رؤية النظام التعليمي الحالي يلاحظ أنه تقليدي غير متطور ولا يسمح في كثير من الأحيان للطلاب بالعمل حيث أنه لا يؤهلهم للالتحاق بالوظائف التي تحتاج إمكانات متميزة وتقنيات متخصصة، لذلك يجب أن تكون هناك مساعٍ جادة لتطوير هذا النظام ومساعدة الجامعات على تحقيق هدفها الرئيسي المحدد في تأهيل الطالب لسوق العمل، وتوفير المستلزمات الضرورية لتمكين مخرجات التعليم المهني والتقني في إحداث تحول إيجابي في نطاق العمل والعطاء الكامل، وأن تتلاشى الرؤية الدونية للعمل المهني الذي تنهض به البلاد.
وينبغي أن تبدأ أهداف أي حوارٍ من الإنسان وتدور حول شؤونه وقضاياه، وتعود إليه، حتى لا يفقد الحوار قيمته وأهميته ومضمونه الغني. ويمكن إجمال أهداف الحوار والتي اتفق المجتمع الدولي اليوم على اعتبارها أهدافًاً إنسانية سامية. وما دام الحوار حركة فكرية وعملية وثقافية وشكلاً من أشكال التعاون الإنساني، فيمكن لنا اتخاذ ما ورد في إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي من أهداف، مثالاً لها. فقد نصَّ هذا الإعلان على الأهداف التالية :
1. نشر المعارف وحفز المواهب واغناء الثقافات.
2. تنمية العلاقات السلمية والصداقة بين الشعوب والوصول إلى جعل كل منها أفضل فهماً لطرائق حياة الشعوب الأخرى.
3. تمكين كل إنسان من اكتساب المعرفة والمشاركة في التقدم العلمي الذي يحرز في جميع أنحاء العالم والانتفاع بثماره، والإسهام من جانبه في إثراء الحياة الثقافية.
4. تحسين ظروف الحياة الروحية والوجود المادي للإنسان في جميع أرجاء العالم.
وهكذا “يفتح الحوار أمام تفاهم المجتمعات، ويؤدي إلى تقارب الثقافات، ويساهم في تلاقح الحضارات، وهو ما نصطلح عليه هنا بالتفاعل الحضاري الذي يجب أن يدعم التعاون الدولي على مواجهة تحديات العصر ومشاكله والسعي لحّلها.
من المؤكد أن ظهور العولمة تعود إلى مرحلة أبعد، فقد تصل إلى قرون مضت. غير أن الشكل الذي ظهرت به في العقد الأخير، وإيقاعها السريع في الانتشار وفي غزو كل الآفاق، بفضل اعتمادها على تقنية اتصالية متطورة، يعبر عن تحول نوعي في نظام العولمة وفي إستراتيجيتها. ونظرا لأن العولمة كمشروع تاريخي هي عملية لم تنته بعد، فإنه يصعب الإلمام حاليا بكل خباياها، أو فهم القوانين المتحكمة فيها بدقة. لذلك فإنه من غير الممكن حاليا تقديم إطار مفهومي شامل للعولمة.( )