أ.د. أحمد محمد وهبان

العولمه والهيمنه

كاتب الموضوع الأصلي: ثامر المطلب411

على الـرغم من أن النظـام العالمي الجديد -كما يبدو- كان مشروعًا هلاميًا منذ نهاية الحرب العالـمية الثانية وخروج دول الحلفاء منتصرة، فـإن ملامح العولـمة ظهرت إبان حرب الـخليج الثانيــة عام 1991م، إذ كانت بمثابة المحك الذي استندت عليه الآلية الأمريكية الـجــديدة لتقود العالم وتـحشد تـحت مظلة «الأمن الجماعي».

لقد بدأ النظام العالمي الجديد يُشَكَّل من خلال أقوال الرئيس السابق جورج بوش، التي اعتبرها المحللون السياسيون وفقهاء القانون الدولي أقوالاً تأسيسية لهذا النظام، فقد أكد على بدء مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وبخاصة جوانبها المتعلقة بالسلام والأمـن، وعلى جمـلة من الاقـتراحـات التي تتعـلق بالتـجارة والتنــمية وحقوق الإنسان والأقليات(1). وقد أشار إلـى الدور القيادي للولايات الـمـتحدة وعدم الركون إلى الانعزالية، إذ يقول: «ليس للولايات الـمتحدة النية أن تفرض حلفًا أمريكانيًا ولكن سنظل ملتزمين، لن ننسحب ونتقوقع في الانعزالية، نحن نقترح الصداقة والقيادة»(1).

وتوحي أقوال بوش «بأن بلاده ستكون العصا الغليظة على مستوى الكوكب، ولا يتوانى عن التلويح بالقوة، وهي إحدى مظاهر الهيمنة في خطابه، إذ يقول: «لكي تمارس الولايات المتحدة دورًا قياديًا عليها أن تكــون قــويـة، قــيادتــنــا الدوليـة وقـوتنــا الوطنـيـة متكاملتان»(2).

وهنا يتبادر سؤال مهم، وهو: ما الظروف والأدوات التي ساهمت في تشكيل النظام العالمي الجديد بالصورة التي هو عليها الآن؟ إن تحقيق القيادة الأمريكية التي لا غنى عنها، وبناء النظام العالمي الجديد على القيم الأمريكية، وحفظ مصالحها، وضمان بناء الولايات المتحدة دولة حرة ومنيعة(3)باتت من الأهداف الاستراتيجية لأمريكا، ووضع العالم في قبضة التبعية والخضوع.. ومن بين هذه الأدوات نذكر:

– وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية C.I.A.

– جيش البحرية الأمريكية.

– وزارة الخارجية الأمريكية.

– منظمة جيش السلام.

– وكالة التنمية العالمية.

– الوكالة الأمريكية للاتصال العالمي.

– معهد التعليم العالمي(1).

ليس هذا فحسب، بل إن الولايات المتحدة تقوم بتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ يخطط لها مهندسون يعملون بإدارات تابعة لوزارة الـخارجية الأمريكية، فمنهم مهندسو الشرق الأوسط والمنطقة العربية، ومهندسو قارة آسيا، ومهندسو الاتحاد السوفيتي السابق، ومهندسو منطقة البحر الأبيض المتوسط، وآخرون لأمريكا اللاتينية.

وتعتبر هذه الأجهزة حيوية لإعداد خطط التدخل والنفوذ والسيطرة، فهي التي تخطط للمؤامرات والاغتيالات والانقلابات، وتعمل على احتواء الأنموذج الأمريكي وفرضه، فهي ببساطة تمهد لكل مظاهر الهيمنة والسيطرة والتدخل وأشكالها في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية على بقية دول العالم، وبخاصة الشعوب النامية والفقيرة.

ومما زاد من خطورة العولمة -أو ما تفرضه أمريكا على أنه عولمة- هو اختفاؤها وراء مظلات أخلاقية وإنسانية، وتسخيرها للمؤسسات الدولية والمنظمات العالمية لخدمة مآربها وتكريس هيمنتها. فالعولمة أو «الأمركة» -إن صح التعبير- تسخر القانون الدولي ومؤسساته، مثل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لحشد الدعم والتشريع لتدخلها وسياستها الغاشمة في العلاقات الدولية، كما أنها تستتر بالديمقراطية وحقوق الأفراد والأقليات ومسائل البيئة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول، كما أنها تستعمل سلاح المال والمؤسسات المالية الدولية وفقر الشعوب، لفرض أنماط اقتصادية جشعة تخدم مصالح شركاتها الدولية العابرة، على حساب الاقتصاديات المحلية، وتحت ستار التبادل الحر والتنمية(1).

ومن هنا تصبح العولمة خطرًا على مفهوم الدولة في الدول النامية، وبخاصة منها العربية، لأن الدول تتراجع أمام هذه الظاهرة، وتصبح ثانــويــة إزاء سلطة تحريك المال، الأمر الذي يستوجب الحذر في التعامل مع هذا الوحش المتعدد الرؤوس والأقنعة، فما زالت شعوب العالم النامي، والشعوب العربيــة، بحــاجــة لجـهاز الدولة، في حين أن القوى الكبرى يمكنها أن تقوم بترحيل سلطتها ولا يضرها هذا التحويل، ويمكن أن نلمس خطورة ذلك في أوجه متعددة تمكنت فيها قوى -العولمة- من اكتساح الساحة لصالحها أمام سلطة الدولة.

إن العولمة، وفق أساليب متعددة، منها ثورة المعلومات، وحرية تبادلها والنماذج المتحققة على صعيد الواقع، تشكل خطرًا فاعلاً كبيرًا على خصوصية ثقافات المجتمعات المـختلفة، وتهدد ذاتيتها بما تطرحه من أشكال ثقافية غريبة على هذه الشعوب، بما تتسم به من سطحية وهشاشة وخداع وتلاعب بالعقول، أو نشر الأوهام، أو توليد الإحساس بالخواء والاستلاب، مع عدم إمكانية نقدها أو فحصها أو إخضاعها للتحليل والتدقيق أو لإنضاجها، يترافق معها وفرة مالية وأساليب إنتاج ناجحة، بحيث تبدو كل إنجازات التراكم التاريخي والثقافي والإنساني لهذه الشعوب محل استهجان ورفض من قبل ذاتها، إزاء الفارق الحاصل في سلم الرقي والتقدم الذي يحكم العالم حاليًا(1).

ولذلك تجد مقولة «فوكوياما» الزائفة، بأن ما تحقق من انتصار للرأسمالية، يشكل نهاية لتاريخ الفكر الإنساني والثقافي(2)، صدى وقبولاً من الشعوب للثقافات النازحة نحوها، بما تحمله من أفكار وقيم وأنماط غربية، رغم أن ذلك الانتصار لم يعط للنظام الرأسمالي صفة العجل المقدس الذي لايمس(3)، في حين تجد الشعوب نفسها في حالة تغريب مع ثقافتها الوطنية والممتدة لأعماق بعيدة في التاريخ وفي المنظور الحضاري والإنساني، بل إن ذلك كان أكثر وضوحًا حتى في المجتمعات الرأسمالية المتماثلة، فالفرنسيون يتحدثون عن (موت الثقافة) ويقصدون بها عملية «التسليع» التي تعم العالم، لكي تطال معًا العقول والأجساد والكلمات والأشياء(1).

ورغم أن ثورة المعلومات قد تمكنت من اختراق حتى الأسرار العليا الوطنية لدول متقدمة تقنيًا، فإنها قد استباحت حرمات وأسرار الدول النامية، وخاصة العربية والإسلامية منها، بحيث يمكن القول: إنه ليس هناك من أسرار عليا لهذه الدول، أمام التقنيات الهائلة لثورة المعلومات، من أقمار صناعية أو مراكز تصنت أو شبكات ومحطات اختراق وتعويق والتي تملكها دول العولمة، والتي ستوظفها، حتى على مستوى الأسرار الشخصية لقادة هذه الدول، بما يعزز من نهجها واستمرار وضعها.

وفي هذا تهديد مباشر للأمن الوطني والقومي للدول النامية والإسلامية، المكشوفة والمعروفة أسرارها للطرف الآخر المقابل، والذي لا يـملك عنه من معلومات سوى ما تبثه وسائل الإعلام، مما يشكل ضغوطًا واضحة وملموسة على صناع القرار.

ليس هذا فحسب، بل يرى الباحث حميد السعدون أنه ستكون البضاعة الإعلامية المسوقة نحو الدول النامية ذات شكل غير ناضج، تحاول فيه دول العولمة أن «تقولب» الاتجاهات والأنماط السلوكية والقيم الاجتماعية بما تطرحه. حيث كانت وسائل الإعلام تمارس دورها في حقن عقول الجماهير بالخيالات والصور الموحدة والمتواجدة التي تخدم الهدف السياسي للشكل الكوني لعملية العولمة، مما يصعب من وجود قاعدة كبيرة للآراء الجماعية في كل شيء(1).

وهذا الأمر يجعل من الاختراق المتعدد الأشكال سهلاً وممكنًا في أية لحظة وبأي طريقة ما دام الإجماع قد تبعثر(2). إن ما يحدث من أشكال مختلفة من الاقتحام المتعدد الوجوه لأنماط حياتنا(3)أمام الاندفاع الهائل الذي تشكله ظاهرة العولمة، سيطبع في أغلب الأحيان حياتنا بشكل هادئ وبعيدًا عن العنف، ما دام العالم قد أخذ بالنموذج الأمريكي للحياة ولاستقبال القرن الحادي والعشرين، مما يجعلنا ندرك أن شكل (الفرض) الذي تتعرض له مجتمعات عربية وإسلامية، يجب أن يأتي من خلال تحويلها لمجتمعات مطيعة و«أمركتها» من حيث يجعلها تستهلك ما تشاء وبأكثر مما تشاء، من أجل أن تقدم له فروض الطاعة السياسية والاقتصادية والثقافية.

ولذلك نتوقع أن تكون الحرية في وسائل الاتصال حرية القوى المسيطرة، وهي أساسًا قوى -العولمة- مما يجعل من الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، هو إعلام غازٍ، مهما كانت صوره وأصواته وكلماته رقيقة وهادئة ومهذبة، وفي ذلك ليس مصادرة للإعلام والثقافة فحسب، بل مصادرة للأوطان وشعوبها.

بل إن العولمة وباستغلال إمكاناتها الإعلامية الهائلة، قد تسربت حتى لموضوع البيئة، فبهذه الحجة ضغطت الدول الصناعية الكبرى في مؤتمر «كيوتو» للبيئة، والذي انعقد في اليابان أواخر تشرين الثاني عام 1997م، على الدول النامية أن تدفع ثمن تدهور البيئة العالمي، الذي تسببت فيه تكنولوجيا الدول الصناعية المتقدمة والمنادية بالعولمة، حيث اتفق الجميع على أن مشكلة سخونة الأرض تتزايد مع الوقت، وهي ظاهرة عالمية لذلك بات على الجميع أن يخفف من نسبة التلوث البيئي، وقد وقعوا على الدول النامية، حصة أكبر مـما تفعله من تلوث بيئي قياسًا بـما تفعله تكنولوجيا الدول الصناعية المتقدمة(1).

وهذا السلوك بمعناه البسيط، أن المـجتمعات الصناعية الغنية، لا تريد أن تغير من أسلوب حياتها قليلاً، ولا تريد أن تغير أنماط استهلاكها على حساب الشعوب الفقيرة، التي عليها وحدها أن تعالج مشكلاتها ومشاكل الآخرين على حساب مصالحها وحدها… أما الآخرون فيكفيهم أنهم أشاروا للظاهرة، وعلى الطرف الآخر أن يضحي من أجل العولمة، التي ستتلون بألوان وردية لا تعد ولا تحصى. والدول النامية تعتبر تلك النسبة تحديدًا لاستهلاك الطاقة في بلدانها مما سيؤثر سلبًا على خططها التنموية الهادفة إلى الخروج من خانة التخلف وبناء اقتصاد متقدم، قد يتمكن من التكيف مع اقتصاد العولمة.

وهكذا تتكشف سوءات العولمة، فإذا كان التحول التاريخي لخريطة العالم في مطلع القرن الأخير قد تاخم تغيرًا في موازين القوى من قارة لأخرى، بحكم مجمل ملابسات الوضع العالمي، فإنه قد أشر على بداية صيرورة دولية تجعل نهاية القرن يعرف وضعًا نوعيًا لشبكة التداخلات وأشكال التفاعلات العالمية.

ولئن اختلفت إيقاعات صراع النخب والمثقفين، بل وحتى أنصاف المثقفين، في توصيف «المآل العام» وتحديد حقيقته، فإننا لن نزيغ كثيرًا عن صورة المشهد إذا أكدنا على أن عقدة الحكاية تتمركز أساسًا في «تسويق العالم»، أي تحويله إلى سوق كبير وضخم تتم فيه، وتحت ضغط قانون العرض والطلب، كل أنواع المعاملات التجارية والمالية، بداية بتجارة الإبر ووصولاً إلى تجارة الرقيق (تجارة الرياضيين المحترفين وتجارة الدعارة)!!

لتبقى العلامة الفارقة هي تعميم نظام السوق وتوسيعه أفقيًا وعموديًا، وذلك عبر تحرير الأسواق الدولية وفتح الحدود الجمركية، وخلق مناطق للتبادل الحر، والمساهمة من جهة في تقويض وحصار القلاع الرافضة للانخراط في النظام الاقتصادي الدولي، عبر أدوات التركيع الإمبريالي، سياسيًا من خلال مجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة، واقتصاديًا من خلال الحصار الاقتصادي والعقوبات التجارية، ومن جهة أخرى تشجيع الأنظمة الهجينة على خلق تنمية مستديمة، لكن استتباعية مرتبطة ماهويًا بقانون الاستعباد الشامل وحماية المصالح الغربية في العالم… أي في نهاية المطاف عولمة اقتصاد السوق وجعله منفرجًا على الرياح الغربية، وتحوير اقتصاديات الهامش إلى مناطق للسمسرة واستقبال خردة الشمال. ومع ذلك يبقى هذا البخس الاقتصادي بين الجنوبيين والشماليين، وإن كان حاضرًا بقوة في الخريطة الكيانية للعالم، دون الإحاطة الكاملة بحجم الاختلالات التي تخترق وجودنا.. وخصوصًا مخيلاتنا…

ولا أدل على ذلك من أننا نجد في كتاب جون غراي: «الفجر الكاذب.. أوهام الرأسمالية العالمية»، سؤالاً مهمًا طرحه المؤلف، وهو: هل الفوضى الحديثة هي مصيرنا التاريخي؟

ومن خلال تصور إجمالي للموقف العالمي الحالي، يجد المؤلف أن الظروف الحالية في العالم تنذر بكارثة محققة، لأن فرض السوق الحرة الأنجلوسكسونية على العالم يمكن أن يؤدي إلى انهيار شبيه بانهيار الشيوعية السوفيتية، وأن الاتجاه نحو فرض الأسواق الحرة سيفجر الحروب، ويعمق الصراعات العرقية، ويفقر الملايين، وقد تحول بالفعل الـملايين من الفـلاحين الصينـيـين إلى لاجئـين، كما سيؤدي إلى استبعاد عشرات الملايين من العمل والمشاركة في المجتمع حتى في الدول المتقدمة. وقد تفاقمت الأوضاع بالفعل في بعض الدول الشيوعية السابقة لتصل إلى الفوضى العامة وشيوع الجريمة المنظمة، كما أدت إلى تزايد تدمير البيئة.

«إن الفجر الذي وعدت به السوق الحرة الأمريكية دول العالم، هو في النهاية فجر كاذب، لأنه ليس كل شيء يمكن أن يتاجر به، أو يجب أن يتاجر به»(1). وفي سياق هذا التفكير يستنتج أن «المنظمات العابرة للقوميات» عندما فرضت قوانينها على اقتصادات الدول المختلفة، نتج عن ذلك التفكك الاقتصادي والفوضى الاجتماعية وعدم الاستقرار السياسي، لأنه لم يكن ممكنًا العودة إلى السياسات الاقتصادية التي طبقت في القرن التاسع عشر، فلم تحقق إلا فشل اليمين الجديد في الاحتفاظ بالسلطة السياسية، ثم تفكك وانهيار الائتلاف اليميني بسبب غياب الأمان الاقتصادي، فكان الفوز الساحق لحزب العمال عام 1997م(2).

واستطرادًا مع أوهام الفجر الكاذب يقال: إن تفكك الحياة الاقتصادية والاجتماعية في عالم اليوم لم يكن بسبب الأسواق الحرة فقط، بل أيضًا بسبب سطحية التكنولوجيا، فإن الاختراعات التكنولوجية اليوم والتي تمت في الدول الغربية المتقدمة تتكرر في كل مكان، حتى وإن لم يكن يطبق فيها اقتصاد السوق الحرة، وستؤدي تكنولوجيا المعلومات إلى تغيير مستمر في الانقسام الاجتماعي للعمل حيث تختفي مهن كثيرة، ومهن أخرى تصبح غير مستقرة. ولأن الأسـواق حـرة، فـإن عـدم الاستقـرار في مكان ما ينتقل بالضرورة إلى أسواق أخرى، وينتقل عدم الأمان الاقتصادي إلى كل الدول الأخرى، فيتحول الغياب الأمني إلى وباء عالمي.. وفي ظل انعدام الأمان الاقتصادي لغالبية البشر، فإن السوق الحرة تنهار، ويؤدي نظام «دعه يعمل» بالضرورة إلى تفجر حركات مضادة ترفض قوانينه.

وإذا كانت الدول ذات الاقتصاد التنافسي المتقدم يمكنها أن تخفف من مخاوف هذه الآثار في مواطنيها(1)فإن العولمة في الدول الفقيرة تفرز بالضرورة نظمًا متطرفة، وستعمل كعامل محفز لتفكيك الدولة الحديثة .

Leave a Comment