الفكرالسياسي علمي المنهج
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الدخيل 20
الفكر السياسي علمي المنهج
المنهج العلمي التجريبي :
يعد هذا المنهج أظهر مناهج المعرفة في زمننا الذي يعرف بعصر العلم ، ويقصد بالعلم كل فرع من فروع المعرفة ينهج منهجاً علمياً تجريبياً ، وبالتالي فإن المعرفة غير التجريبية لا تدخل ضمن نطاق العلم بمدلوله المعاصر.
وهو منهج استقرائي استنباطي يقوم على ملاحظة الواقع السياسي والتجريب في شأنه بهدف التفسير والتعميم والتوقع. فهو ملاحظة وتجريب من أجل التفسير والتعميم والتوقع . فهو يجمع بين ميزة المنهج الاختباري (أي الموضوعية) ، وميزة المنهج الفلسفي (أي التعميم). إذ تبعاً للمنهج العلمي تنطلق عملية المعرفة من الواقع ذاته باستخدام الملاحظة والتجريب (كأدوات) ، ثم عن طريق التدليل العقلي (الاستنباط) ينتهي الباحث إلى تقديم تفسير للواقع المستهدف بالدراسة ، والتعميم (وربما التوقع) في شأنه.
الملاحظة: الإدراك الأولي للواقع.
التجريب : تكرار الملاحظة.
التفسير : الوصول إلي الحقيقة .
التعميم : صياغة قانون علمي عام يستفاد به في تفسير الواقع.
التوقع : استشراف المستقبل.
حيث يبدأ الباحث بملاحظة الواقع لكي يصور فرض عمل (فرض أولي) ، ثم يدخل التجريب فإن ثبتت صحة الفرض الأولي يصلح للتفسير ويصير قانوناعلميا عاما صالحا للاستعانة به في فهم الواقع السياسي والتوقع في شأنه.ويلاحظ طبقاً لمبدأ نسبية المعرفة أو ما يعرف بدائرية البحث العلمي أن الفرض يظل ينظر إليه كفرض علمي طالما لم يتنكر له الواقع الذي صور منه ، فإن تغير ذلك الواقع سقطت العلمية عن الفرض.
(تذكر مثال السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إسرائيل)
ويعتبر هذا المنهج هو منهج الدراسات الاجتماعية الرئيسي ومنها بطبيعة الحال الدراسات السياسية ، ومن أظهر المفكرين السياسيين الذين ارتبطوا به كل من مونتسكيو الفرنسي ، وكارل ماركس الألماني ، وجون ستيوارت ميل الإنجليزي.
مونتسكيو نموذجاً
بيئته ونشأته
ولد مونتسكيو عام 1689 لأسرة نبيلة في أحد القصور بالقرب من مدينة بوردو ، درس القانون وعمل بالقضاء ، ثم أصبح عضواً بالبرلمان ثم رئيساً له. تفرغ بعد ذلك للبحث وألف كتباً عديدة أهمها روح القوانين عام 1748. وقد بذل في تأليف هذا الكتب نحو 20 عاماً من حياته ، حيث أودعه خلاصة تجاربه وقراءاته في الميادين المختلفة القانونية والسياسية والتاريخية والاجتماعية والحضارية حيث كان متبحراً في الحضارة اللاتينية عاشقاً لها.
نظراً لأنه ولد لأسرة نبيلة كان معتدل المزاج الاجتماعي والسياسي ، كما كان هادئ الرأي ، شديد الكراهية للاستبداد السياسي الذي كان يعتبره العنصر المؤدي إلى الانفجار الاجتماعي.
منهجه
ينظر إلى مونتسكيو كأحد رواد المنهج العلمي التجريبي في مجال الدراسات الاجتماعية ، وقد ركز مونتسكيو من الناحية المنهجية على عدة أمور منها:
(1)الاعتماد على دراسة الواقع تأكيداً للموضوعية ، حيث كان يؤكد في كتاباته : ” نقول في كتابنا هذا بما هو كائن لا بما يجب أن يكون”
(2)اعتماده المقارنة (كبديل للتجريب) في دراسة الظواهر الاجتماعية. (المقارنة بين النظامين الإنجليزي والفرنسي).
(3) القول بأن الظواهر الاجتماعية تحكمها قوانين من شاكلة تلك التي تسير عليها الظواهر الطبيعية (القوانين هنا هي الروابط الحتمية التي تنتج عن طبيعة الأشياء) ، وإن كانت قوانين عالم المجتمع تتسم بشيء من التغير ، على خلاف قوانين عالم الطبيعة التي هي مستقرة ودائمة. وإذن فالعالم العاقل له هو الآخر قوانينه الثابتة بطبيعتها إلا أنه لا يلتزمها على الدوام فهي قوانين نسبية وليست مطلقة.
(4)لمونتسكيو الفضل على المستوى المنهجي في إرساء فكرة التمييز بين الفلسفة (المعرفة التي تنهج منهجاً لا تجريبي) والعلم (المعرفة التي تنهج منهجاً علمياً تجريبياً) ، فقبل مونتسكيو جرى الحال على إطلاق لفظة علم على سائر فروع المعرفة بغض النظر عن منهجها.
فكره السياسي
كرس مونتسكيو كتاباته السياسية لمحاربة الاستبداد السياسي (الحكم بالهوى) ، وكان يرى أن أبرز صفات الرب هي العدل ، وأن كل شيء في الوجود يرتبط بالقوانين ويلتزم بها ، كما أن الرب قد ارتبط مع خلقه بقانون أحدثه ، فالرب خالق بصير عاقل حكيم يعمل طبقاً للقواعد والقوانين التي أحدثها بحكمته وقدرته ، إنه ليس قدراً أعمى متحكماً إنه العدل ذاته ، ويضيف:” إن هؤلاء الذين قالوا بأن قدراً أعمى قد أنتج كل الآثار التي نراها في العالم قد قالوا سخفاً كبيراً ، فهل من سخافة أكبر من أن يكون قدراً أعمى قد خلق كائنات ذكية ، وبالتالي فإن عقلاً وجد في البداية والقوانين هي روابطه بالكائنات المختلفة، وروابط هذه الكائنات فيما بينها ، فللكائنات جميعاً قوانينها ألتي أوجدها الرب”
فكرته عن شرعية السلطة كضمانة واقية من الاستبداد
رفض الاكتفاء بالمعيار العددي الإغريقي وقال بأن الاستبداد قد يقع من حكومات الفرد كما قد يقع من حكومات القلة كما قد يقع من حكومات الكثرة ، وعليه فحتى لا يقع الاستبداد لابد من استنادعملية الحكم إلى نظام قانوني مسبق (دستور) يلتزم به الحاكمون والمحكومون على قدم المساواة . إنه مبدأسيادة القانون أوالدستورية حيث لا أحد فوق القانون .
صارت فكرته عن شرعية السلطة أحد ثلاثة مبادئ رئيسية للتنظيم السياسي في النظم الليبرالية المعاصرة ، وذلك بالتطبيق التالي:
الدستور: هو مجموعة من القواعد القانونية التي تحدد شكل الدولة (مملكة أو جمهورية) وطبيعة نظام الحكم داخلها بكافة مؤسساته السياسية والقانونية وعلاقتها بالمحكومين.
ويمكن القول إن الدستور بمثابة بطاقة الهوية للدولة حيث يحدد ما يلي :
(أ)شكل الدولة.
(ب)طبيعة نظامها الحاكم .
(ج)آلية الوصول إلى السلطة.
(د)آليات ممارسة السلطة.
(هـ) آلية تداول السلطة.
(و)التكوين العضوي للمؤسستين التشريعية والتنفيذية.
(ح) الكيان الوظيفي للمؤسستين التشريعية والتنفيذية.
(ط) حقوق والتزامات الحاكم.
(ي) حقوق وواجبات المواطن.
ويتم وضع الدستور بواسطة جمعية تأسيسية (غالبا منتخبة) تضم خيرة مفكري الدولة في كافة المجالات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية ،، إلخ.
والدستور هو القانون الأعلى للدولة ، أو كما يقال أبو القوانين ، وله سمو على ماعداه من التشريعات . حيث تتدرج التشريعات داخل الدولة على النحو التالي:
(أ)الدستور وهو القانون الأعلى للدولة ،، وتليه في المرتبة :
(ب)القوانين التشريعية التي تسنها البرلمانات ولا يجوز لها أن تتعارض مع الدستور ، ويليه في المرتبة :
(ج) اللوائح التنفيذية وهي التي توضع من قبل المؤسسة التنفيذية بغرض تيسير تطبيق القوانين التشريعية ، ولا يجوز أن تتعارض اللوائح لا مع القوانين التشريعية ولا مع الدستور بطبيعة الحال.
فكرته عن فصل السلطات كضمانة واقية من الاستبداد
قدم هذا المبدأ مونتسكيو الفرنسي في كتابه(روح القوانين) ، حيث بدأ بتقديم عدد من القوانين العلمية صوره من الواقع السياسي و بنا عليها مبدأه ، وذلك على النحو التالي :
(أ) إن ثمة تجربة خالدة تؤكد على أنه ما من إنسان يتولى سلطة إلا ويميل بها إلى الاستبداد والتعسف.
(ب)إن السلطة قوة .
(ج) طبقا لطبيعة الأشياء لا يوقف القوة إلا القوة.
وبناء على ما تقدم _ يضيف مونتسكيو_فلابد من توزيع وظائف الدولة الرئيسية (التشريعية – التنفيذية _ القضائية) على عديد من هيئات لأنها إن تجمعت في قبضة مؤسسة واحدة أو شخص واحد سيكون الاستبداد حتما ، وإذن فلابد من هيئة مستقلة تمارس الوظيفة التشريعية ، وأخرى تمارس الوظيفة التنفيذية ، وثالثة تمارس الوظيفة القضائية كحكم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
مصير مبدأ فصل السلطات في التطبيق:
أحد مبادئ التنظيم السياسي الرئيسية للنظم الليبرالية.
في التطبيق من قبل النظم الليبرالية اتخذ هذا المبدأ ثلاثة أبعادعلى النحو التالي :
بعدان تنظيميان ( تتشابه فيهما تماما كافة النظم الليبرالي) ، وبعد قانوني (تختلف بصدده النظم الليبرالية).
(أ)البعدان التنظيميان لمبدأ فصل السلطات :
_ بعد تنظيمي وظيفي: حيث تتفق كافة النظم الليبرالية على التمييز بين وظيفتين سياسيتين هما الوظيفة التشريعية والتنفيذية.
_ بعد تنظيمي عضوي: حيث تتفق كافة النظم الليبرالية على التمييز بين هيئتين (مؤسستين) إحداهما تقوم على الوظيفة التشريعية ، والأخرى تقوم على الوظيفة التنفيذية.
وخلاصة هذين البعدين أن كافة النظم الليبرالية بها وظيفتان سياسيتان اثنتان مستقلتان (التشريع و التنفيذ) ، تقوم على كل وظيفة منهما هيئة مستقلة عن الأخرى (أي فصل وظيفي وفصل عضوي).
(ب)البعد القانوني لمبدأ فصل السلطات :
والمتمثل في طبيعة العلاقة القانونية بين المؤسستين (أو الهيئتين) التشريعية والتنفيذية ، وهنا تتباين (تختلف) النظم الليبرالية على النحو التالي :
_ هناك نظم تقيم هذه العلاقة على أساس فكرة التعاون ووقف القوة بالقوة ، وهذه هي النظم البرلمانية ، ونموذجها الرئيسي النظام السياسي الإنجليزي.
_ هناك نظم تقيم هذه العلاقة على أساس فكرة الاستقلال وهذه هي النظم الرئاسية ، ونموذجها الرئيسي النظام السياسي الأمريكي.
_ هناك نظم تقيم هذه العلاقة على أساس فكرة التبعية(بمعنى تبعية المؤسسة التنفيذية للمؤسسة التشريعية) وهذه هي نظم حكومة الجمعية، ونموذجها الرئيسي النظام السياسي السويسري.
أمثل أشكال الحكومات عند مونتسكيو
كان يرى أن الديمقراطية يمكن أن تؤدي إلى الفوضى ، والأرستقراطية برغم اعتدالها تميل إلى تركيز السلطة وبالتالي تؤدي إلى الاستبداد ، أما الملكية فهي على حافة الاستبداد فعلياً ، وعليه فإن أمثل أشكال الحكومات هي الحكومة المختلطة التي تجمع بين مزايا كل هذه النظم الثلاثة. : إنها الملكية الأرستقراطية المحاطة ببعض نظم ديمقراطية . وبالتالي فكيان الحكومة التي ينشدها مونتسكيو هو على النحو التالي :
1.ملك يحكم
2.هيئة إشراف من نبلاء ورجال دين ورجال مدن.
3.هيئة أمينة على القوانين مقيدة للملك حامية للمواطن تتمتع بالذاتية والاستقلال وأعضاؤها غير قابلين للعزل (القضاء).
4.الشعب من خلال اختياره لممثلين عنه في إدارة الشئون العامة ، فالشعب ليس كماً مهملاً ، وإنما هو جدير بالمشاركة في الحكم من خلال ممثليه (البرلمان).
مثل فكر مونتسكيو عموماً ركناً أصيلاً في مذهب الحقوق الطبيعية الذي هو صلب الأيديولوجية الليبرالية (التعددية) ، حيث كان يؤكد دوماً : (إن تعدد الآراء مشروع ، كما أن تعدد المصالح مشروع ، وبالتالي فتعدد التنظيمات التي تعبر عن تلك الآراء والمصالح مشروع)
#########################