الفن عبر العصور
كاتب الموضوع الأصلي: فواز القحطاني8
الفـــــــن عبر العصــــــــــور
الفن البدائي
إن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون الرائع بجماله وما حواه من طبيعة فاتنة ، وألوان وظلال وأشكال ، وتقلب بين الفصول على مدار العام من صيف وخريف وشتاء وربيع ، خلق فيه الإنسان وأمره بالتفكير والنظر والتأمل في هذا الإبداع الرائع .
ومنذ تلك الأيام والإنسان يحاول أن يفرغ شحنات نفسه وطاقاته وأحاسيسه وشعوره لما يرى ويبصر ، كما إن في نفس الإنسان منذ ولادته حاسة جمالية متأصلة فيه ، ومميزة له ، تلك هي الطاقة الروحية المتأججة في صدره ، وهي التي تجعله يؤمن بما للفن من أثر صالح ، وشحذ للأذواق ، وبسط لمظاهر الجمال ، فيستجيب لندائه الروحي ويفيض قلبه لتمجيد الخالق الذي أبدع هذا الكون .
والذي يميز الفن إنما هو عنصر العاطفة واندماج الوجدان في العمل الفني حيث يحدث إحساسًا مريحًا ونشوة روحية رائعة تسمو بالفنان من دائرة حياته اليومية ، إلى حياة سامية متجددة تبعث على تنشيط روحه وتطور في خياله وفكره ، ولكل إنسان رؤية فنية وإحساس خاص به ومشاعر خاصة ووجهة نظر في الرؤية في جمال الأشياء .
كل ذلك دفع الإنسان إلى المحاكاة وتقليد وتخليد الرؤية فما كان منه إلا أن حفر على الصخر نقوشًا عبر فيها عن مكنوناته كوسيلة للتعبير بها عن حياته ، بفطرته وحبه للجمال كما صور على جدران الكهوف التي سكنها في البدء صراعاته اليومية مع حيوانات البيئة المتوحشة إلى جانب بعض الرموز تزين مسكنه وأدواته .
التصوير المصري القديم
يعتبر الفن الفرعوني فن وثني تناول مظاهر الحياة في ذلك العصر من صناعة وزراعة وتجارة ورياضة وحروب …إلخ ، كما عالج كثيرًا من القضايا الدينية ، فكان أسلوبه يمتاز بالدقة والجرأة والصراحة في الخطوط وجمال التكوين وروعة الألوان وصدق التعبير ، والمجال الرئيسي له على حوائط المقابر والقصور ، لذلك كان مرتبطًا بعمل المهندس والنحات ، وفي الدولة القديمة كان التصوير يعتبر تابعًا للحفر البارز أكثر مما هو تصوير مستقل .
وفي الدولى الوسطى بدأ المصور يهتم بالتصوير على الحوائط مباشرة ، وقد عالج بغزارة مناظر الصيد والولائم والعمل في الحقول وتقديم القرابين وغيرها ، وعبر عن المسافة أو العمق بوضع الجزء البعيد فوق القريب ، وقد اهتم بالمظهر الفكري المعبر دون اعتبار للمنظور مما مكنه من الوصول إلى مستوى رفيع له في هذا الميدان .
التصوير في عهد إخناتون اتجه متحررًا نحو الطبيعة ، ففي قصره بتل العمارنة ، نرى في زخرفة أرضية إحدى الحجرات صورًا تمثل بركة ماء محاطة بمناطق للنبات ، البركة في الوسط فيها أسماك وطيور ونباتات مائية ، ويحيط بها أرض المستنقع ، وفيها طيور المستنقعات المحلقة وخلف ذلك المرعى التي تمرح فيها العجول ، وفي تل العمارنة ، وصل المصور بطريقة تلقائية إلى الكشف عن مجال جديد للناحية البصرية في التعبير عن الأشياء .
وفي عهد توت عنخ آمون ، استمرت التقاليد القديمة في التصوير بعد أن تخلص الكهنة من اتجاهات تل العمارنة المتحررة وأنتج الفنانون صورًا توضيحية عن الأثاث .
وجاءت بعد الحضارة الفرعونية حضارات عدة كالفن اليوناني ، الإغريقي والروماني ثم القبطي المسيحي ثم الفن الإسلامي .
التصوير الإغريقي
( من العصر المبكر حتى القرن الخامس ق.م 1100-400 ق.م (
ننشأت مدرسة التصوير الإغريقي وتطورت ، حيث مرت في الدور الهندسي ثم الاصطلاحي التقليدي ثم الطبيعي ، ومعلوماتنا مستمدة من الصور المرسومة على الأواني ، ومن تلك التي نقلها الرومان ، أما الصور الأصلية فقد ذهبت جميعها بما فيها الصور الجدارية التي كانت تزين المباني العامة .
ومن المصورين المشهورين المعاصرين ( لفيدياس بوليجنوتس ) في القرن الخامس ق.م وقد عبر عن البعد الثالث بوضع الأشخاص فوق بعضها وبألوان محدودة .
التصوير البيزنطي ( 330 – 1453 م (
لم يبقى منه إلا بعض الصور الصغيرة تمثل المسيح والقديسين ، أما صور الفسيفساء فكثيرة في جميع الكنائس البيزنطية ، ونجد صورتين لهما شهرة خاصة في كنيسة ( سان فيتال ) بمدينة ( رافنا ) بإيطاليا ، إحداهما تمثل الإمبراطور ( جستنيان ) مع كبار مملكته ، وأخرى للإمبراطورة ( بيوذورا ) وحاشيتها من النساء ، وهما من أجمل ما صنع بالفسيفساء في الفن البيزنطي .
التصوير في الفن الإسلامي
ظهر الفن الإسلامي مع ظهور الإسلام وتكون بسرعة ، ثم لم يلبث أن تطور وأخذ أشكالًا متنوعة ، وبقى مع ذلك محافظًا على شخصية موحدة لا يمكن معها الحديث عن علاقة هذا الفن بغيره من الفنون ، ولقد ولد الفن الإسلامي على أرض دانت بالإسلام ، وكما أن المسلمين الأوائل احتفظوا بمورثاتهم اللغوية والأخلاقية ، كذلك احتفظوا بتقاليدهم الإبداعية التي كانت أساسًا في صناعة الفن الإسلامي الجديد ، ” عمارة وزخرفة وخطًا فنيًا ” .
إن الفنانين الإسلاميين قد استوعبوا جيدًا أبعاد العقيدة الإسلامية وكانوا من سكان أرض صنعوا الفن في سوريا وإيران ومصر والمغرب قبل دخول الإسلام إليهم ، فإذا كانت ثمة استمرارية في شكل الفن وأسلوبه ، قد بدت في فنون فجر الإسلام ، فإن ذلك يعود إلى أؤلئك المخضرمين الذين حافظوا على أصالة فنهم ، وتطور بعد ذلك مع نمو العقيدة الإسلامية في عقول المؤمنين ونفوسهم ، ولم يمض وقت طويل حتى ابتدأ الفن الإسلامي بالتكون المستقل عن الخلفيات الفكرية والفلسفسة التي كونت الفنون السابقة للإسلام ، لتكون مرتبطة بمبادئ العقيدة التي لم تعد مجرد تعاليم دينية ، بل أصبحت فكرًا جديدًا مصدره الأول الشريعة الإسلامية ، وروافده المتجددة هي مدارس الفلسفة الإسلامية .
وقد امتازت الفنون الإسلامية بالتالي :
1_ الاتجاه إلى عناصر غير العناصر الآدمية والحيوانية ، وصارت تنسب إليهم الأرابسك .
2_ مراعاة استبعاد الكائنات الحية والاتجاه إلى زخرفة المساجد والمصاحف .
3_ لم يتعرض التصوير الذي ازدهر عند الفرس والهنود والأتراك للموضوعات الدينية إلا نادرًا .
4_ زاد الاهتمام بالخطاطين والمذهبين .
5_ اتبع الفنانون المسلمون أسلوبًا خاصًا لرسم الأشخاص لازم التصوير في أرقى عصوره فلم يتقيدوا لا بالطبيعة ولا بالنسب .
اتفق على تسمية الفن الإسلامي للدلالة على الفن الذي انتشر في جميع الدول الإسلامية ولكن هذا لايمنع من أن نفرق بين الفن العربي وغيره من الفنون كالفن الفارسي والتركي والهندي … وغير ذلك ، ومع أ، الفن الإسلامي كان موحدًا في الشكل والأسلوب والمضمون إلا أن ثمة فروقًا متميزة ظهرت بحسب الأقاليم والعصور وبحسب التقاليد التاريخية لكل أمة من الأمم التي دخلت الإسلام .
الفن الأموي
ابتدأ الفن العربي الإسلامي منذ عهد الأمويين والآثار التصويرية الأموية التي عثر عليها حتى الآن ، إما أن تقوم على الرقش أو تقوم على الصور المشبهة .
أما الرقش فهو التشكيلات الهندسية ، أو البيئة التي زخرفت بها الأبنية ، كزخارف المسجد الأموي بدمشق ، أما التصوير التشبيهي فنرى نماذجه وقد اعتمدت على صور لا تتضمن أشكال آدمية بل صور الطبيعة والأنهار والأشجار والبيوت كما في المسجد الأموي وقبة الصخرة وخربة المفجر ، وهي صور فسيفسائية اعتمدت على أسلوب الفن العربي القائم على التصحيف والتكرار وملئ الفراغ والرمز ، أو نرى نماذج الفن التشبيهي ، وقد تضمن صورًا أدمية في أشكال مختلفة منها المشاهد التي كانت مرسومة على جدران قصر عمرة ، وتمثل الحياة اليومية وصور الحيوان والنبات ، ومنها النقوش البارزة والصور الموجودة في قصر الحير ، وهي تمثل حياة القنص والفروسية .
الفن العباسي
سار الفن الإسلامي في عهد الدولة العباسية ، في اتجاه جديد متأثرًا بالفن الفارسي ومشكلًا الطراز العباسي .
ولقد انتشر الرقش ( الأرابسك ) في عهد العباسيين بعد أن أخذ سمة معينة ، فهو من الناحية الشكلية يقوم على خطوط مستقيمة ومساحات هندسية أو يقوم على انحناءات ، ومن الناحية التنفيذية فإن النقش كان يتم بطريقة الحفر المشطوف على الخشب أو الجص الملون .
الفن الفاطمي
ظهر هذا الطراز في مصر والشام في عهد الدولة الفاطمية ، ويتألف من خطوط دائرية ومن رقش مكرر تتخلله عناصر نباتية كتلك التي تزين الخط الكوفي ، أو من زخارف خطية وهندسية مكررة أو مختلفة مثل التزينات الموجودة في مدفن السيد رقية ، أو التي توجد على حاجز مقصورة المصلى والمخطوط في متحف دمشق ، ولقد عثر في الحمام الفاطمي بالقاهرة على صورة جدارية ملونة .
الفن التركي
قامت الإمبراطورية العثمانية عندما أعلن السلطان عثمان سيطرته على الأناضول ، وعند فتح محمد الثاني الثسطنطينية عام 1453 كان البحر المتوسط قد أصبح بحيرة تركية ، وتواجد العالم الإسلامي باستثناء إيران وباكستان من تحت سيطرة الأتراك ، وقد استخدم الأتراك مشاهير المصورين الإيرانيين والأوروبيين ، ومن أبرزهم ( جنتيتلى بلليني ) الإيطالي الذي صور محمد الفاتح ، ولقد تأثر التصوير التركي بالأسلوب الإيراني ، كذلك تأثرت الفنون التركية الأخرى من صناعة السجاد إلى صناعات الخزف والحفر بالفنون الإيرانية والشامية والمغربية .