القانون الاقتصادي للنظام الاشتراكي
كاتب الموضوع الأصلي: مشعل الاحمري1
تسيرالحياة الاقتصادية في أي مجتمع وفقاً لقوانين محددة، وليس بحسب رغبة الأفراد في المجتمع. ولقوانين الحياة الاقتصادية والنشاط الاقتصادي طابع موضوعي، يبدو جلياً في العلاقة بين الظواهر. وعليه فإن النظام الاقتصادي في المجتمع تحدده علاقات الإنتاج، أي العلاقات بين الناس في مجال إنتاج الخيرات المادية وتوزيعها وتبادلها واستهلاكها. أما أساس النظام الاقتصادي فهو شكل معين من أشكال ملكية وسائل الإنتاج يحدد العلاقات الاقتصادية المتبادلة بين الطبقات والفئات الاجتماعية. كذلك فإن النظام الاقتصادي يرتبط بمستوى التطور الاجتماعي، ويحدد التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية التي توفر تفاعل مستوى الإنتاج مع البناء الفوقي السياسي والحقوقي. فالملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج تؤلف أساس الاشتراكية الاقتصادي. وأما القاعدة المادية والتقنية للاشتراكية فهي الصناعة الثقيلة والمتطورة، مع هيمنة العمل الآلي على جميع فروع الاقتصاد الوطني.
والاشتراكية بتبنيها الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج، تجمع الاقتصاد الوطني في وحدة متكاملة. ويغدو تطور الاقتصاد الوطني بمجمله في دائرة النشاط الواعي والهادف، شأنه شأن الإنتاج في إطار كل مؤسسة على حدة.
وفي المجتمع الاشتراكي يعي الناس القوانين الاقتصادية الموضوعية، ويملكون زمامها ويستخدمونها في ممارسة البناء الاقتصادي، لما فيه خير المجتمع بأسره.
يبرز القانون الاقتصادي الأساسي للاشتراكية خصائص أسلوب الإنتاج الاشتراكي التي تختلف اختلافاً جوهرياً عن الأشكال التاريخية لأساليب الإنتاج التي كانت قبل ظهور الاشتراكية. ولئن كان قانون الربح هو القانون الاقتصادي الأساسي للرأسمالية فإن الرفاه الشامل، وتحقيق مبدأ تلبية احتياجات الأفراد المتزايدة وإشباعها وتطوير شخصية الفرد تؤلف بمجموعها القانون الاقتصادي الأساسي للاشتراكية. وهذا يعني اندماجاً مباشراً بين المنتجين ووسائل الإنتاج، بحيث ينتفي وجود مجموعة من الأفراد تحتكر وسائل الإنتاج الأساسية، ويصبح للقوى المنتجة طبيعة اجتماعية يستفاد منها لزيادة إنتاجية العمل ورفع مستوى معيشة أفراد المجتمع. وعندما يسعى المجتمع إلى إشباع حاجات الأفراد المادية والمعنوية فإن مصالح المجتمع تؤلف في النتيجة، مع مصالح الأفراد، وحدة متكاملة، لأن رفع مستوى الفرد يزيد في إسهامه في الإنتاج الاجتماعي. وهذا يعني وحدة المصالح الاجتماعية والفردية، الأمر الذي يحول العمل إلى نشاط إبداعي. وتحل المباريات الاشتراكية بين المنتجين في المجتمع الاشتراكي محل التنافس والمضاربة بين العمال في سوق العمل. ثم إن إدخال المكننة وتحسين شروط العمل وتحقيق المساواة في العمل توفر جميعها الشروط المادية لتحويل العمل إلى نشاط إبداعي، وتحويل عملية إشباع الحاجات في المجتمع الاشتراكي إلى مسألة اجتماعية تقع على عاتق المجتمع بكامله.
إن حاجات الأفراد لا تقتصر على حاجاتهم الفيزيولوجية المعيشية فحسب، وإنما تشمل كذلك حاجاتهم المعنوية والثقافية والاجتماعية لأن الفرد كائن اجتماعي. وإن وحدة الحاجات المادية والمعنوية تنجم عن الوحدة العضوية التي تربط ما بين الفرد والمجتمع. ولما كان الفرد في المجتمع الاشتراكي منتجاً ومستهلكاً، فإن حاجاته لا تقتصر على إنتاج وسائل الاستهلاك، وإنما تتطلب زيادة وسائل الإنتاج وتطويرها أيضاً. كذلك لا تبقى الحاجات الإنسانية ثابتة، بل هي في تطور مستمر، ولهذا يبقى مفهوم الإشباع الكامل للحاجات الإنسانية مفهوماً نسبياً. ويشترط لتحقيق الإشباع الكامل تنمية الإنتاج وتبني سياسة اقتصادية مناسبة. ثم إن مستوى إشباع الحاجات مرتبط بمستوى تطور القوى المنتجة. ومن الممكن تلخيص ذلك بالقول: إن المجتمع الاشتراكي المنظم والواعي والهادف يستطيع أن يوجه الإنتاج والتوزيع لإشباع الحاجات الاجتماعية والفردية وفقاً لسلم أولويات تحدده وفرة الموارد المتاحة، كذلك فإن المجتمع الاشتراكي يعنى بالدرجة الأولى بتوفير الحاجات الأساسية لكل أعضائه مثل الغذاء والمسكن والتعليم والخدمات الصحية، ومن ثم تزداد قائمة الاحتياجات التي يسعى إلى إشباعها مع زيادة الإمكانات المتوافرة، والهدف الأساسي للإنتاج الاشتراكي هو الوفاء باحتياجات المنتجين والشعب بكامله. ويقول أنغلز في هذا المعنى: « إن الاشتراكية تتيح إمكان توفير الشروط المادية الكافية لمعيشة كل أعضاء المجتمع وتحسينها يوماً بعد يوم، وتحقيق التنمية الكاملة الحرة، وتلبية احتياجات أعضاء المجتمع المادية والمعنوية عن طريق الإنتاج الاجتماعي».
تترسخ أسس الاقتصاد الاشتراكي في مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ببناء قاعدة صناعية اشتراكية، وتطوير الزراعة ونقلها من الفردية إلى الجماعية عن طريق المزارع التعاونية ومزارع الدولة، وإلغاء كل احتمال لحدوث الاستغلال، وإزالة علاقات التنافس والمزاحمة وعلاقات السوق العفوية، وترسيخ الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج.
ولما كان الاقتصاد الاشتراكي أساس الحياة في المجتمع الاشتراكي، فإنه يشترط تطور كل الميادين الأخرى (السياسي، والاجتماعي، والثقافي). وتسهم الدولة في جعل العمل الحاجة الحيوية الأولى لكل مواطن عندما تتحقق المصلحة المادية والمعنوية للمنتجين في جني ثمار الإنتاج. وتتحقق هذه المصلحة عن طريق تطبيق المبدأ الاشتراكي لتوزيع الخيرات المادية بحسب كمية العمل المبذول ونوعيته.
إن عدم نجاح المجتمع الاشتراكي، لأي سبب كان، في تحقيق مضمون القانون الاقتصادي الأساسي للاشتراكية بما يضمن تلبية حاجات أفراد المجتمع المتزايدة وإشباعها ورفع مستوى معيشتهم في كل المجالات من شأنه أن ينعكس سلباً على إنتاجية العمل، ويقود إلى تقهقر الإنتاج الاجتماعي. ويُعد عدم تطبيق قانون التوزيع الاشتراكي للخيرات المادية «لكل بحسب حجم عمله ونوعيته» العامل الرئيسي في عرقلة تطور المجتمع الاشتراكي وتهديم قوته المحركة الرئيسة.