أ.د. أحمد محمد وهبان

القانون غير المكتوب Common law و الدستور الإنكليزي القديم

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العيفان

القانون غير المكتوب Common law و “الدستور الإنكليزي القديم”.
التاريخ الإنكليزي يشكل خصوصية معينة، والتي تبين أن مشكلة الحريات السياسية و القانون المدني تطرح في هذا البلد بشكل مختلف عما هو الحال في القارة الأوربية.

1ـ النورمانديون و الساكسون.
إنكلترا وقع بين أيدي ” غيوم الفاتح أو الغازي” كما كان يلقب، في عام 1066 ثم حكمت بعد ذلك من قبل ورثته من نفس العائلة ومن طبقة محددة من البارونات النورمانديين، هؤلاء اعتبروا من الغرباء،خاصة أنهم حافظوا على الحديث بلغتهم الفرنسية ولمدة قرنين من الزمن. كل ذلك أدى إلى نتيجتين هما:
ـ الملوك النورمانديون كانوا مجبرين على تغير “قانون العادات” السكسوني و المحاكم الذي تدير هذه القوانين، ولن يستطيعوا أبدا فرض القانون الروماني أو كل ما يتعلق بالمفاهيم الاستبدادية. لم يتدخل التاج أو العرش في وضع القانون إلا بشكل غير مباشر ومن خلال هيئات قضائية تابعة لمحاكمه والتي سميت المحاكم التي تأخذ بالعادات أو القوانين غير المكتوبة Common law[38].
ـ بينما عرفت فرنسا عبر زمن طويل مجموعة من الملوك و الذين استطاعوا، خاصة من القرن الثالث عشر،فرض سلطة قوية ومركزية، إلا أن إنكلترا أو الملوك الإنكليز دائما اعتمدوا على مجالس تابعة للخاضعين لحكم الملوك، أي أنها ليست مركزية.

وعندما بدأ الصراع بين الملك والبرلمان في بداية القرن السابع عشر،هذه الخصوصية الإنكليزية ترجمت بوجود معسكرين متواجهين ومتعارضين. من الجانب الملكي،نرى أن الملوك الإنكليز يمسكون بسلطتهم من خلال قانون سموه “قانون الفتح أو السيطرة”، وهذا يعني أنه من العبث الطلب إلى الملوك بتنفيذ “عقد” بين الملك و رعيته هذا العقد الذي لم يوجد أصلا. أما من جانب البرلمانيين، فقد دعوا بشكل دائم وذكروا، كما فعل ” إدوارد كوك”، بأن إنكلترا عرفت ما يسمى “الحريات القديمة الأنكلوـ سكسونية” ومنذ زمن طويل.

2ـ Edward Coke (1552ـ1634).
درس القانون في كامبردج. عمل محاميا ثم أصبحا رئيسا “لغرفة محاكم قوانين العادات”، وبعد ذلك محاميا للدولة في عهد الملكة إليزابيث والملك “جاك الأول”. أصبح نائبا عام 1620 في الوقت الذي صعدت فيه البروتستانتية 1621 و نشرت “عريضة” الحقوق 1628. له العديد من المؤلفات أهمها : Reports ( 11 جزءا، نشر بين عامي 1600 و 1615)، Institutes of the Laws of England (1628ـ 1644) والذي هدف إلى ربط “قوانين العادات” مع “الدستور القديم”. القانون بالنسبة له يضم شكلين: statutes أي قوانين تفرض من قبل السلطة، و common law أي قوانين العادات. هذا الأخير كان الأهم بالنسبة له حيث ضم القانون المدني والقانون “الدستوري”،أي العلاقة بين السلطة الملكية والبرلمان.
يرى “إدوارد كوك” أنه إذا “قانون العادات” أو غير المكتوب ومعه القانون الدستوري هما متعارضان مع الإرادة السياسية القائمة،فإن هذا لأنهما يحتويان على “حكمة متفوقة وسامية”، إنهما تجسيد للعقل نفسه[39].طبعا نفهم هنا من “إدوارد كوك” أنه ينتمي إلى براديغم “النظام الطبيعي العفوي” والذي سنتحدث عنه عندما نصل إلى المفكرين الليبراليين. أما بالنسبة “للقانون غير المكتوب” والقانون الدستوري فلا يمكن أيضا تغييرهما أو تحريفهما وفق إرادة الملك. “كوك” لم يتحدث فقط في أطروحاته عن موضوع القانون الخاص، بل أيضا تحدث عن القانون العام، تنظيم السلطات ضمن المملكة الإنكليزية،توزيع السلطات بين الملك واللوردات والمحاكم، بهذا يكون قد وضع جميع المفاهيم الاستبدادية لعائلة Stuarts وبشكل عميق، قيد المساءلة.

3ـ النتائج السياسية لمذهب “الدستور القديم”.
في جميع الأحوال، حتى يتم قبول الجوانب الفلسفية و التاريخية لأطروحة”الدستور القديم”،هناك نتائج أساسية تلحق بهذا القبول.
ـ ” العقد الأصلي”.
يتحدث هنا عن واجبات الملك: الملك يحمي الأرض و الحريات، يحقق العدالة هو ومستشاريه. الناس في القرن السابع عشر فسروا هذا النص كشهادة ثمينة جدا على واجبات الملكة في السلطة وسموه”العقد الأصلي”.
ـ امتيازات البرلمان.
على قاعدة نصوص “الدستور القديم”، البرلمانيون في عام 1628 استطاعوا معارضة ممارسات العائلات الملكية التي وضعت منذ القرنين الحادي عشر والثاني عشر من قبل عائلتي Tudors و Stuarts، مثل الضرائب التي تفرض بالقوة، السجن التعسفي للمعرضين والإيواء الإجباري لضحايا الحرب. أيضا وضعوا قانونين هامين : قانون التمثيل البرلماني لمقاطعات إنكلترا، قانون “غرفة المحاكم” وممارستها للسلطة التشريعية خارج إرادة الملك و اللوردات وتوازيهما في القوة.

Leave a Comment