أ.د. أحمد محمد وهبان

القدس في السياسية الامريكية

كاتب الموضوع الأصلي: تركي الحربي-3

القدس في السياسة الامريكية
التحول الفاجع في السياسة الامريكية تجاه القدس يحمل في طياته مدى خضوع السياسة الامريكية للنزعات الصهيونية. فالإدارة الامريكية على مدى عقود طويلة كانت تنتهجم وقفا واضحا يؤيد قرارات الشرعية الدولية التي شاركت امريكا في صياغتها والتصويت لصالحها وفي مقدمة ذلك قرار (181) الذي بموجبه تكون القدس كيانا منفصلا (Corpus Saparatum) تقع بين الدولتين العربية واليهودية وتخضع لنظام دولي خاص وتدار من قبل الامم المتحدة وبواسطة مجلس وصاية يقام لهذا الهدف. وهذا القرار لم يلغ ولم يعدل فيالامم المتحدة حتى الآن.
وقد شاركت امريكا من خلال موافقتها على قرار الجمعية العامة رقم 194 بتاريخ 11/12/1948 بالتأكيد على مبدأ تدويل القدس وبأن تكون لها مكانة خاصة منفصلة عن بقية فلسطين، وان توضع تحت سلطةا لامم المتحدة الفعلية.
وقد عبر عن ذلك الموقف الامريكي، بعد عدوان حزيران واحتلال الضفة الغربية بما فيها القدس من قبل اسرائيل، مندوب الولايات المتحدة الدائم في الامم المتحدة السيد آرثر جولدبرغ وذلكفي 14/7/1967، حيث جاء في خطابه في الجمعية العمومية لتوضيح التصويت حول القدس مايلي:

(بالنسبة للاجراءات المحددة التي اتخذتها حكومة اسرائيل في 28/6 احب ان اوضح ان الولايات المتحدة لا تقبل ولا تعترف بهذه الاجراءات التي تمس بوضع القدس. وان حكومتي لا تعترف بان الاجراءات الادارية التي اتخذتها الحكومة الاسرائيلية في 28 حزيران يمكن اعتبارها الفصل في الموضوع، ونحن نأسف لاتخاذ هذه الاجراءات واننا نصر على ان الاجراءات المتخذة لا يمكن اعتباره اسوى اجراءات مؤقتة ولا تفرض حكما مسبقا على الوضع النهائي للقدس).

وعندما طرحت قضية القدس على طاولة المفاوضات في كامب ديفيد كانرد الرئيس كارتر على رسالة السادات على الشكل التالي: (لقد تسلمت رسالتكم المؤرخة 17 ايلول 1967 والتي تحدد الموقف المصيري من القدس. وقد حولت نسخة تلك الرسالة إلىرئيس الوزراء بيغن لاطلاعه.

ان موقف الولايات المتحدة من القدس ينص كماعرضه السفير جولدبرغ في الجمعية العامة للامم المتحدة بتاريخ 14/7/1967، ولاحقا منخلال السفير يوست في مجلس الامن للامم المتحدة بتاريخ 1/7/1969).

وقدكان عرض السفير جولدبرغ كما اشرنا اليه سابقا. اما ما جاء على لسان السفير يوست فيمجلس الامن فقد كان كما يلي:
(ان حكومتي تشعر بالاسف لسلسلة النشاطات،وانها قد اطلعت حكومة اسرائيل في مناسبات عدة منذ حزيران 1967 على موقفها، ونحن قدرفضنا بشكل ثابت تلك الاجراءات بأنها تشكل شيئا اكثر من تصرف مؤقت ولا نقبلها كمؤثرعلى الوضع النهائي لمدينة القدس).

وقد اشتملت رسالة الضمانات الموجه للجانب الفلسطيني قبل انعقاد مؤتمر مدريد على موقف امريكي من القدس ينص كمايلي:

(ان الولايات المتحدة تعارض ضم اسرائيل للقدس الشرقية. وبسط القانون الاسرائيلي عليها وكذلك توسيع الحدود البلدية للقدس. اننا نشجع جميع الاطراف على تجنب الاعمال احادية الجانب والتي من شأنها تأجيج التوتر والتي تجعلالمفاوضات اكثر صعوبة وتجهض نتائجها النهائية) كما اكدت رسالة الضمانات على حق الجانب الفلسطيني بطرح اية قضية على طاولة المفاوضات بما في ذلك قضية القدس الشرقية.

من الواضح ان السياسة الامريكية تجاه القدس قد مرت في ثلاثة مراحل. كانت الاولى منذ عام 1947 واستمرت حتى العام 1950، حيث كانت تتمسك بوحدة المدينة وتدويلها. ولكنها مع التغيرات التي فرضت امرا واقعا قسم المدينة إلى شطر شرقي تحت سيطرة الاردن وشطر غربي تحت سيطرة اسرائيل، اعترفت الولايات المتحدة بان الامم المتحدة غير مؤهلة لادارة المدينة وتدويلها.

وبدأت المرحلة الثانية في السياسة الامريكية تجاه القدس انطلاقا من تمسكها بقرار وحدة المدينة وممارستها على اساس انها مقسمة. فقد بدأت معظم دول العالم تتعامل مع الامر الواقع. ولكن امريكا ظلت تعلن عن موقفها الذي يرفض الاعتراف بالسيادة للاردن على الشطر الشرقي من القدس، وكذلك يرفض الاعتراف بالسيادة لاسرائيل على الشطر الغربي. وقد عينت من هذا المنطلق قنصلا عاما في القدس يعمل لتكريس وحدة المدينة ومن خلال مكتب في كل من شطري المدينة. وقد استمر هذا الوضع حتى عام 1967 حيث بدأت المرحلة الثالثة. وهي مرحلة لا تزال مستمرة وهي تتميز بالقرارات المتضاربة وحتى المتناقضة،حيث ان السياسة العليا تجاه القدس كانت تتغير من رئيس إلى آخر. وقد اضيف إلى دور الرئاسة في صناعة السياسة الخارجية تدخلات الكونغرس الذي سمح لنفسه بالتدخل في شؤون القدس فاصدر قرارات بشأنها. واصبحت المعادلة المركزية للسياسة الامريكية تجاه القدس تتلخص بان الوضع النهائي لمدينة القدس لا بد من التوصل اليه من خلال التفاوض ولكن لا بد للمدينة ان تبقى موحدة.

لقد رفضت ادارة جونسون الاقرار بان القدس الشرقية ارض محتلة. وقد عارضت بذلك قرار الامم المتحدة الذي اعتبرها كيانا دوليا منفصلا. وقد ميزت ادارة كلينتون بين المدينة بشكل عام والاماكن المقدسة فيها بشكل خاص. واعتبرت الادارة ان هذه الاماكن هي بذاتها قضية وشأن دولي. وهذا الموقف منادارة جونسون اضفى نوعا من الشرعية على الادارة الاسرائيلية من وجهة النظرالامريكية.

وكان موقف الرئيس ريغان مؤكدا على موقف جونسون الرافض لاعتبار القدس ارضاً محتلة. وقد زاد على ذلك باضفاء الشرعية على الاستيطان الاسرائيلي داخل القدس عندما احجم عن ادانة الاستيطان الاسرائيلي داخل المدينة.

على عكس ريغان وجونسون كان موقف الرئيس نكسون الذي وصف القدس الشرقية كأرض محتلة وقد رفضت ادارة الرئيس بوش البناء داخل المدينة. وقد عبر السفير الامريكي في الامم المتحدة سكرانتون في عهد الرئيس فورد على (ان الاستيطان المدني الاسرائيلي في المناطق المحتلة بما فيها القدس هو امر غير شرعي حسب ميثاق جنيف).

في عهد الرئيس كارتر وضعت القدس كقضية على طاولة المفاوضات من خلال الرئيس السادات، ولكن بيغن رفض بشكل قاطع ان يتم أي نوع من التفاوض حول قضية القدس. ورفض مجرد تبادل الرسائل التي تحتوي على اعتراف امريكي بان القدس ارض محتلة. لقد حاول الرئيس كارتر تمرير نص ضمن الوثائق الرسمية بناء على رغبة السادات يشيرإلى ان القدس ارض محتلة، ونتيجة لرفض بيغن تم الاكتفاء بالصيغة التي اشرنا اليها اعلاه وهي التأكيد على موقف السفيرين في الامم المتحدة.
كانت الرسالة التي من المقرر ان يوجهها الرئيس كارتر للسادات (تؤكد الموقف الرسمي المبني على تصريح السفيرين، هو ما يؤكد ان الموقف الرسمي للولايات المتحدة يرى ان القدس الشرقية لا بد ان تعتبر ارضا محتلة استنادا إلى قرارات مؤتمر جنيف عام 1947 وان وضعها النهائي يتقرر من خلال المفاوضات) هذه الصيغة رفضها بيغن بشكل قاطع فشطبت من الوثائق.
عندما صوتت ادارة كارتر إلى جانب القرار 465 في الاول من آذار 1980 اثار ذلك زوبعة كبرى في الولايات المتحدة دفع البيت الابيض إلى التراجع عن التصويت. لقد جاء في نص القرار ما يلي:
(ان القرار يدعو اسرائيل إلى تفكيك المستوطنات القائمة وبشكل خاص التوقف بشكل عاجل عن انشاء أو بناء أو التخطيط للاستيطان في الاراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، بما في ذلك القدس). كان هذا هوالنص الاول من نوعه الذي يشير إلى ان الاراضي المحتلة (عربية) وكذلك إلى اعتبار القدس جزء لا يتجزأ من الاراضي المحتلة.
وقد سارع البيت الابيض بعد يومين من صدور القرار بالاعلان ان التصويت لصالح القرار وليس الامتناع قد نتج عن سوء الاتصالات، الامر الذي يستوجب الغاء كل ذكر للقدس. ولم يكتف الرئيس كارتر باعلان البيت الابيض حول التصويت على القرار 465. ففي مؤتمره الصحفي في (14) آذار 1980 قال الرئيس كارتر (ان قرار مجلس الامن بالشكل الذي تم اقراره. لم يكن متوافق مع السياسة التي وضعتها. فهذا القرار في مجلس الامن قد انتهك مبدأين هامين واساسي يحول القدس والاستيطان في المناطق. لقد كان القرار انتهاكا لسياستي). وقد تم اعتماد سياسة عهد كارتر تجاه القدس على الشكل التالي:
(اننا نؤمن بقوة على انالقدس يجب ان تبقى موحدة مع حرية الوصول إلى الاماكن المقدسة لجميع الديانات وانوضعها سيتقرر من خلال المفاوضات من اجل السلام الشامل)
اما بالنسبة للرئيس كلينتون الذي وصل إلى البيت الابيض في ظل مسيرة سلام منطلقة من مؤتمر مدريد. ففي عهده تم كسر التابو الاسرائيلي الفلسطيني من خلال الاعتراف المتبادل واتفاقية اوسلو، كان اول سؤال وجه له عشية تنصيبه يقول:

تحت اية ظروف (…) يمكنك اعتماد نقل لسفارة الولايات المتحدة من تل ابيب إلى القدس، كان جواب كلينتون كمايلي.
(انني اعترف بالقدس عاصمة لاسرائيل. وان القدس يجب ان تبقى مدينةغير مقسمة. ولكنني اعتقد ان التوقيت هو القضية الحقيقية. ان نقل سفارتنا في الوقتالذي تتقدم فيه المفاوضات يمكن ان يعطل مسيرة السلام بطريقة قد تنسف الايجابي اتالتي تتطلع إلى تحقيقها.وقد جاء التوصل إلى اتفاقاوسلو بين م. ت. ف والحكومة الاسرائيلية بعيدا عن الوساطة الامريكية التي كانيقودها في واشنطن دينس روس ومارتن انديك. وقد اشتملت اتفاقية اوسلو على نصوص تفرض النقاش والحوار والمفاوضات حول القدس. حيث تم تحديد مرحلتين خلال خمس سنوات،المرحلة الاولى الانتقالية ثم المرحلة النهائية وتشمل الدخول في المفاوضات حول الوضع النهائي بما لا يتجاوز بداية العام الثالث. وقد نصت اتفاقية اوسلو على اعتبارالقدس احد قضايا الوضع النهائي. كما تمت الاشارة اليها في الملحق الاول المتعلق ب الانتخابات حيث نضمن ما يلي: (فلسطينيو القدس الذين يعيشون هناك لهم الحق في المشاركة في عملية الانتخابات حسب الاتفاقية بين الطرفين). كما وان الرسائل الجانبية المساندة للاتفاق تضمنت رسالة كان المفروض ان تبقى سرية ولا تنشر الاباتفاق الطرفين، وتحت ضغط المعارضة الاسرائيلية في الكنيست اضطر بيريز إلى الاعتراف بالوثيقة التي كانت رسالة موجهة من بيريز إلى هولست تتضمن الموقف من القدس وتنص كمايلي: (اود ان اؤكد ان المؤسسات الفلسطينية في القدس الشرقية والمصالح الفلسطينية بالقدس الشرقية هي ذات اهمية قصوى ويجب ان تصان. وبناء عليه فان جميع المؤسسات الفلسطينية في القدس الشرقية والتي تشمل المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والتربية والثقافة والاماكن المقدسة المسيحية والاسلامية تشكل عملا اساسيا بالنسبة للشعب الفلسطيني
ومن نافل القول الاشارة بـأننا لن نعطل هذه النشاطات ولكن على العكس فان تنفيذ هذه المهمة الهامة يجب تشجيعه).
لقد تميزت سياسة كلينتون بتقاطعها الاشد مع الكيان الصهيوني على الرغم من قيامها بدور الوسيط. وعلى الرغم من بعض العواطف التي اظهرها كلينتون تجاه الشعب الفلسطيني وحقوقه الشرعية الاانه لم يصل إلى الاعتراف لهذا الشعب بحقه في تقرير مصيره. وتلعب الادارة الصهيونية في البيت الابيض دورها في صياغة القرار المركزي المتعلق بالقدس. وقد كان اكثر المواقف وضوحا ما جرى مؤخرا في كامب ديفيد. لقد حاول الرئيس كلينتون ممارسة الضغوط الاكثر قسوة. على الاخ ابو عمار والوفد المفاوض خلال مباحثات كام ديفيد الثانية،وكان معظم الضغط ينصب حول موضوع القدس التي كانت بالنسبة للاخ ابو عمار نقطة غيرقابلة للاجتهاد بالنسبة للموقف الفلسطيني والعربي. فهي ارض محتلة ولا بد من الانسحاب منها وعودتها للسيادة الفلسطينية وخاصة الاماكن المقدسة دون مشاركة أواقتسام وظيفي مع الكيان الصهيوني. لا يزال الموقف الامريكي يمارس الضغوط، ويهدد بنقل السفارة الاميركية إلى القدس وهو بذلك يعلن انتهاء دوره كوسيط ولا يزال الموقف الفلسطيني يقاوم. وسيبقى صامدا حتى تعود القدس حرة عربية وعاصمة ابدية للدولةا لفلسطينية باذن الله تعالى

Leave a Comment