القـــضايــا البــلقانيــة
كاتب الموضوع الأصلي: محمد الغامدي (3),(4)
القـــضايــا البــلقانيــة
بحلول سنة 1908 شهدت منطقة البلقان عدة تغيرات مهمة جعلت من هذه المنطقة الشرارة التي أشعلت فتيل الحرب العالمية الأولى ..
فقد اتجهت روسيا بعد هزيمتها على يد اليابان سنة 1905 إلى التوسع في البلقان كما تصاعدت الروح القومية لدى العناصر السلافية في البلقان خصوصا بعد صعود حزب الاتحاد والترقي إلى الحكم في الدولة العثمانية سنة 1908 بينما شرعت النمسا والمجر بعد معاهدة براغ 1866 في بناء قوة عسكرية تخول لها السيطرة على أكبر جزء من البلقان سواء كان ذلك على حساب روسيا أو الدولة العثمانية وأولى تلك الأزمات كانت :
– أزمة ضم البوسنة والهرسك
أرادت النمسا والمجر أن تحقق خطتها بضم البوسنة والهرسك قبل أن تستعيد روسيا قوتها العسكرية وقبل أن تتمكن حكومة الاتحاد والترقي من المطالبة بعودة الإدارة العثمانية لإقليمي البوسنة والهرسك.
وقد كانت النمسا والمجر قد تولت ادارة هذين الإقليمين وفقا لقرارات مؤتمر برلين 1878,وفي اكتوبر 1908 أعلنت النمسا ضم البوسنة والهرسك مع اعادة اقليم (نوفي بازار) إلى الدولة العثمانية وأعلنت كريت انضمامها إلى اليونان ومن هنا يحق التساؤل لماذا تعتبر هذه الأزمة نقطة انطلاق نحو الحرب ؟؟
لقد أثار ضم النمسا والمجر لإقليمي البوسنة والهرسك سخط صربيا وقد كان لصربيا أسبابها الكثيرة فمن ناحية جغرافية فصربيا بحاجة لمنفذ إلى الساحل الأدرياتيكي خصوصا أنها ذاقت ويلات الحصار الذي أعلنته عليها مملكة النمسا والمجر فيما عرف بحرب الخنازير (1905-1906) ثم كان تصاعد الشعور القومي لدى الصرب المتمثل بحركة (الجامعة الصربية) ووجود مطالبات صربية بضم الصربيين الموجودين في البوسنة والهرسك لصربيا منذ أيام الإدارة العثمانية .
ولذلك أعلنت صربيا التعبئة العامة وكونت فرقا شعبية لمقاومة الزحف النمساوي على البوسنة والهرسك وقد ردت النمسا والمجر على ذلك بإعلان التعبئة العامة والتهديد بإعلان الحرب على صربيا إن هي رفضت الإذعان.
وقفت المانيا إلى جانب النمسا مما دفع الصرب إلى الخضوع أمام قوة التحالف الألماني النمساوي المجري خصوصا أن بريطانيا وفرنسا أرادتا الوقوف بعيداً.
من ناحية أخرى أعلنت الدولة العثمانية التعبئة العامة ومقاطعة المنتوجات النمساوية المجرية إلا أنها في النهاية تنازلت عن اقليمي البوسنة والهرسك مقابل تعويض مالي مقداره 2 مليون جنيه استرليني..
أما في روسيا فقد تمكن (اهرنتال) السياسي النمساوي من انتزاع اعتراف منها بضم البوسنة والهرسك مقابل تعويض لروسيا يتضمن السماح لها بمرورأسطولهاالحربي عبر مضائق البسفور والدردنيل -مضائق عثمانية-
في اتفاق سري مع معرفة (اهرنتال) المسبقة بأن بريطانيا لن تقبل إلى جانب فرنسا بالطبع بتنفيذ مثل هذا التعويض .
لقد غيرت هذه الأزمة من طبيعة الأحلاف التي تحولت من تحالفات دفاعية إلى هجومية … ومن ناحية أخرى ازداد تمسك روسيا بفرنسا وبريطانيا بعد شعورها بعظم الخطر النمساوي الالماني بينما انتهجت ايطاليا سياسة مزدوجة فقد قامت بتوقيع اتفاق (راكونيجي) مع روسيا سنة 1909 يتضمن وعدا من ايطاليا بالحفاظ على الوضع الراهن في البلقان في حالة حدوث هجوم نمساوي مجري مقابل اعتراف روسيا بحقوق ايطاليا في طرابلس ومع كل هذا قامت ايطاليا بتجديد اتفاقية الحلف الثلاثي لمدة 6 سنوات عام 1912.
الحروب البلقانية (1911-1913)
في عام 1912 نشأت العصبة البلقانية وهي عبارة عن تجمع الدول البلقانية المستقلة ضد الدولة العثمانية وهي صربيا وبلغاريا واليونان وإمارة (مونتينيغرو)الجبل الأسود عبر سلسلة من الأحلاف بدأت بتحالف دفاعي صربي في 29 فبراير 1912 يتعاونان فيه في حالة وقوع هجوم من جانب دول أخرى أو حاولت احدى الدول الحصول على منطقة من مناطق البلقان الخاضعة للدولة العثمانية.
وتبعتها اتفاقية مكملة تعهدت بلغاريا فيها باعلان الحرب والهجوم على النمسا والمجر والدولة العثمانية إذا حاولت أي منها الهجوم على صربيا .
وفي 10 مايو 1912 عقد حلف آخر بين بلغاريا واليونان انضمت إليه امارة الجبل الأسود باتفاق شفوي.
لقد توجهت مطالب العصبة البلقانية في الحصول على اقليم مقدونيا وتقسيمه بينها خصوصا بعد تصاعد التيار القومي في هذا الإقليم ووصول حزب الاتحاد والترقي للسلطة في الدولة العثمانية وهزيمتها أمام ايطاليا في الحرب الايطالية العثمانية 1911 والجدير بالذكر هو أن تداخل العناصر القومية في اقليم مقدونيا ساهم فيما بعد في وضع بذور الخلاف بين دول العصبة حيث أن عملية التقسيم على أساس قومي مسألة صعبة ومعقدة.
كيف نظرت الدول الكبرى لنشاط العصبة البلقانية؟؟
كانت روسيا بالرغم من موالاة العصبة لها حذرة في تقديم الدعم للعصبة فقد كان لروسيا شرط محدد لتقديم دعمها وهو مدى ما ستقدمه العصبة لروسيا حتى تصل إلى المضائق العثمانية .
بينما رأت الدول الأوروبية الأخرى أنه من الأفضل بقاء الوضع كما هو عليه في البلقان.
المانيا كانت مترددة في الموافقة على مطالب القضية البلقانية وخشيت النمسا والمجر من أن حدوث حرب في البلقان سيؤدي إلى ازدياد قوة صربيا وبالتالي تهديد أمنها ووجودها في البلقان عن طريق العناصر السلافية الخاضعة للامبراطورية ولم تحبذ فرنسا وبريطانيا دخول أي حرب تتعلق بالبلقان لذا قامت هذه الدول بتقديم مذكرة مشتركة لدول العصبة تناشدها فيها بالتعقل وعدم تهديد السلام العالمي .. إلا أن دول العصبة تجاهلت المذكرة وسرعان ما أعلنت إمارة الجبل الأسود الحرب على الدولة العثمانية في 8 اكتوبر 1912 وتبعتها باقي دول العصبة وهكذا نشبت الحرب البلقانية الأولى .نجحت الدول البلقانية في اجتياح معظم الأقاليم العثمانية في البلقان وتم عقد هدنة بين الطرفين في ديسمبر 1912 ثم مؤتمر للصلح وآخر للسفراء للنظر في نتائج الحرب وكانت بلغاريا شديدة النقمة على ما آلت الأمور فقد حصلت اليونان والصرب على مساحات واسعة تضم اعدادا كبيرة من البلغار مما دفعها في 25 يونيو 1913 إلى شن حرب على صربيا واليونان ودخلت إلى جانبها رومانيا .
وساندت النمسا والمجر بلغاريا لأنها أرادت الحد من توسع صربيا وكانت نهاية الحرب بهزيمة بلغاريا وابرامها لمعاهدة صلح بوخارست في اغسطس 1913 وبموجب هذه المعاهدة أصبحت الأمور كالتالي:
1- استولت رومانيا على اقليم (دبروجا) وهو الأقليم الذي دخلت الحرب من أجل الحصول عليه.
2- استولت صربيا على معظم إقليم مقدونيا
3- حصلت اليونان على أجزاء من إقليم مقدونيا بالإضافة إلى ميناء سالونيك وكافلا.
4- استعادت الدولة العثمانية (أدرنة) بموجب معاهدة صلح خاصة مع رومانيا في سبتمبر 1913
5- ظهرت دولة جديدة وهي ألبانيا لتحول دون وصول الصرب إلى البحر الأدرياتي
– نتائج حرب أوصلت إلى حرب
زاد التقارب بين دول الوفاق الثلاثي روسيا وفرنسا وكان هذا التقارب يزداد كلما اشتدت حمى سباق التسلح البحري بين بريطانيا وفرنسا ولعل أبرز ما يدلل على هذا التقارب هو وصول كل من فرنسا وبريطانيا إلى اتفاق تتولى فيه فرنسا السيطرة على مياه البحر الأبيض المتوسط بينما تتولى البحرية البريطانية الدفاع عن سواحل فرنسا على بحر الشمال .
كما أدت الحروب البلقانية إلى ازدياد التقارب بين حكومة الإتحاد والترقي والمانيا ترجم هذا التقارب بقيام ألمانيا بإرسال خبراء ألمان لتنظيم وتدريب الجيوش العثمانية وتولى (ليمان فون ساندرس) رئاسة هيئة أركان الجيش التركي في الإستانة عام 1913. ازدادت قوة صربيا وتعاظم شأنها بعد امتدادها على مساحة أوسع ونشاطها في بث الدعاية بين رعايا الإمبراطورية النمساوية المجرية من السلاف للوحدة في دولة الصرب الكبرى وبهذا ازداد التوتر في العلاقات بين دول الوفاق ودول الحلف الثلاثي .