أ.د. أحمد محمد وهبان

القومية العربية

كاتب الموضوع الأصلي: سلطان العنقري 1

القومية العربية

في الوقت الذي ظهرت فيه الحركات الإسلامية تقريباً ظهرت في الوطن العربي حركات سياسية فكرية أخرى عديدة رفعت شعار الإصلاح والتحرر ، وكان من أبرزها الحركات القومية ، التي استلهمت أفكارها الأساسية من الفكر القومي الذي ظهر في أوروبا في القرن التاسع عشر .
وقد تمثلت بدايات الفكر القومي العربي في جمعيات وخلايا سرية في المشرق العربي ، أسسها نفر من نصارى بلاد الشام ، لعل من أقدمها الجمعية السورية التي أسسها بطرس البستاني وناصيف اليازجي ( 1847 ) في دمشق ، والجمعية السورية في بيروت التي أسسها سليم البستاني ومنيف خوري ( 1868 ) ، وجمعية حقوق الملة العربية ( 1881 ) ، وجمعية رابطة الوطن العربي التي أسسها نجيب عازوري ( 1904 ) في باريس ، وجمعية الوطن العربي التي أسسها خير الله خير الله ( 1905 ) في باريس ، وجمعية العربية الفتاة ( 1911 ) في باريس ، ثم ظهرت الدعوة القومية في حركة سياسية واضحة المعالم في ( المؤتمر العربي الأول ) الذي عقد في باريس سنة 1912 .
ويعد المفكر العربي ساطع الحصري ( 1880 ـ 1968 ) منظِّر القومية العربية الأول وأهم مفكريها وأشهر دعاتها ، وله مؤلفات كثيرة تعد الأساس الذي تقوم عليه فكرة القومية العربية ، ويأتي بعده في الأهمية ميشيل عفلق (1910 ـ 1989) .
وقد تأسس في الوطن العربي عدد كبير من الأحزاب القومية ، من أقدمها: الحزب القومي السوري الذي أسسه أنطون سعادة عام 1936 ، وحزب البعث الذي أسسه ميشيل عفلق عام 1947 ، وغيره من الأحزاب القومية العديدة التي ظهرت في الوطن العربي في النصف الأول من القرن العشرين ، وقد ظلت الدعوة القومية لسنوات طويلة محصورة في نطاق الأقليات الدينية غير المسلمة ، وفي عدد محدود من المسلمين الذين تأثروا بفكرتها ، ولم تصبح تياراً شعبيًّا عامًّا إلا حين تبناها الرئيس المصري جمال عبد الناصر في أعقاب ثورة يوليو ( 1952 ) الذي سخر لها أجهزة إعلامه وإمكانات دولته، وكان له التأثير الأكبر في تحويل الدعوة القومية إلى حركة شعبية واسعة استمرت زهاء عشرين عاماً ، لكنها لم تلبث أن تراجعت وانتكست وانفض عنها كثير من مؤيديها بعد نكسة حزيران ( 1967)، ودخلت مرحلة الانحسار ، ويمكن أن نلخص أبرز معالم الفكر القومي في ما يلي :
1.يقرر القوميون أنَّ المرحلة القومية في حياة الأمة هي مرحلة حتمية ، وأنها آخر مراحل التطور ، وأعلى درجات التفكير الإنساني .
2.ويؤمنون بأن العرب أمة واحدة ، تعيش على أرض واحدة ، ويشكِّلون وطناً واحداً يمتد من الخليج إلى المحيط ، وأن الحدود بين أجزاء هذا الوطن هي حدود طارئة مصطنعة يجب أن تزول ، وأن تكون للعرب دولة واحدة وحكومة واحدة تقوم على أساس الفكر القومي .
3.ويقررون أن الوحدة العربية حقيقة ، أما الوحدة الإسلامية فهي حلم ، ويرون أن من الإجرام أن يتخلى العربي عن قوميته ويتجاوزها إلى الإيمان بفكرة عالمية أو أممية مستحيلة التحقق ، كما تفعل الحركات الإسلامية .
4.يعلي القوميون عامة من شأن رابطة القربى والدم والتاريخ المشترك والآمال والآلام المشتركة على حساب رابطة الدين ، ويقدمون أخوة الوطن على أخوة الدين ، ويرون أن الأديان والأقليات والتقاليد المتوارثة عقبات ينبغي التخلص منها من أجل بناء مستقبل الأمة ، ويقولون: إن العروبة هي ديننا نحن العرب المؤمنين العريقين من مسلمين ومسيحيين لأنها وجدت قبل الإسلام وقبل المسيحية ، ويجب أن نغار عليها كما يغار المسلمون على قرآنهم والمسيحيون على إنجيلهم ( ماذا عن العرب اليهود ؟ ) وإذا كان بعض القوميين العرب يسكتون عن الدين فإن أكثرهم يصرُّون على استبعاده عن الروابط التي تقوم عليها الأمة ، بحجة أنه يمزق الأمة لوجود غير المسلمين فيها ( ماذا عن غير العرب المقيمين في الوطن العربي ؟ ) ويرى منظِّرو القوميين العربية أن رابطة اللغة والجنس أقدر على جمع كلمة العرب من رابطة الدين ، وقد عبر رائد القومية العربية ساطع الحصري (1879 ـ 1968) عن هذه النزعة بقوله: ( العروبة قبل كل شيء ، وفوق كل شيء ) ، وعبر عنها ميشيل عفلق بقوله: ( إن الرابطة القومية هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدولة العربية التي تكفل الانسجام بين المواطنين وانصهارهم في بوتقة أمة واحدة ) .
5.ينادي القوميون بفصل الدين عن الدولة ، ويرون أن الدولة في الإسلام مدنية وليست دينية ، وأنه لا يوجد دليل في القرآن على وجوب إقامة دولة إسلامية ، وأن دولة المدينة التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم كانت دولة مدنية ، وهم لهذا يرفضون مشاركة رجال الدين في السياسة والتشريع والحكم .
6.يستلهم معظم القوميين أفكارهم من نظريات غير إسلامية ( الماركسية وغيرها .. ) ويروجون للآراء المعارضة للإسلام ، وينظرون إلى التراث الإسلامي والتاريخ الإسلامي نظرة سلبية ، ويصفونه بالرجعية والتخلف .

Leave a Comment