الكونغرس الأمريكي تحت وصاية اللوبي الصهيوني
كاتب الموضوع الأصلي: بدر الحربي 1
نبيل نايلي باحث في الفكر الإستراتيجي الأمريكي
“قرارنا يعكس إرادة دولة إسرائيل وإرادة الشعب الأمريكي…ويؤكد إلتزامنا الثابت تجاه إسرائيل كقيمة لا ديمقراطية ولا جمهورية وإنما أمريكية. ” (1)
هذا ما صرح به هاري ريد Harry Reid زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي بكل صفاقة معقبا على القرار الذي صدر أخيرا داعما للكيان معتما على جرائم الحرب المتواصلة على غزة ومؤكدا مرة أخرى أن القرار الأمريكي على الأقل فيما تعلق بقضايانا القومية يصادره الموالون من صناع القرار للوبي الصهيوني وجماعات الضغط الداعمة للصهيونية. ليست زلة لسان من هاري ريد ألا يتورع عن أن يسبق “إرادة إسرائيل” عن إرادة الشعب الأمريكي نفسه وهو المفترض أن يمثله. هاري ريد يعي تماما ما يقوله وما تصويت المجلس وبشقيه إلا تزكية لهكذا إرتهان.
بأغلبية 395 صوتا مقابل 5 فقط (2) صادق الكونغرس الأمريكي، بشقيه الشيوخ والنواب، على قرار “الإلتزام الذي لا يتزعزع”، Unwavering Commitment، ليعلن وبشكل لا لبس فيه عن تأييده الكامل للعدوان الصهيوني على أبناء فلسطين بقطاع غزة، محملا حركة حماس المسؤولية كاملة، داعيا لوقف للنار “يمنع حركة المقاومة من إطلاق الصواريخ”، متجنبا تماما توجيه أية انتقادات للكيان أو التعاطف مجرد التعاطف مع الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ الذين يتعرضون ومنذ 16 يوما للتقتيل والذبح والإبادة بأحدث الأسلحة الأمريكية وأكثرها فتكا.
مثل هذه القرارات غير الملزمة تصدر بشكل دوري وروتيني وقد سبق وصدق المجلس على بعضها بأغلبية ساحقة كلما تعلق الأمر بالمسألة الفلسطينية ليؤكد أعضاء المجلس عن تماهيهم مع الكيان الصهيوني ودعمهم المطلق وغير المشروط لكل سياساته الإستيطانية وعدوانه المتواصل. ولعل أبلغ صورة عن الإنحياز الدائم وتملق أعضاء هذه المجلس للساسة الصهاينة مهما اقترفوا من مجازر ترقى حد مجازر الحرب، ما يقوله عضو الكونغرس الديمقراطي نيك رحال Nick Rahall: “حين تقع مثل هذه الأحداث يسارع الكونغرس وركبه تهتز تقريبا إلى تبني رد فعل يؤيد بنسبة 100 % كل ما تفعله إسرائيل.” (2)
إستهل الموقعون على القرار (3) مركزين على النقاط التالية:
– “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات من غزة”،
التأكيد مجددا على دعم الولايات المتحدة القوي ل”إسرائيل” في معركتها ضد حماس،
ودعم العملية السلمية الإسرائيلية-الفلسطينية
ولتحميل حركة حماس كامل المسؤولية فتتحول الضحية إلى جاني عدد المشرعون كامل مآخذهم على الحركة مشيرين إلى أنها أنشئت من أجل “تدمير الوجود الإسرائيلي”، وأنها “منظمة إرهابية”، حسب توصيف كونداليزا رايس، رفضت الإنصياع لمطالب اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة الأمريكية، الإتحاد الأوروبي، روسيا والأمم المتحدة) المتمثلة في الإعتراف بالوجود الإسرائيلي، نبذ العنف – إقرأ المقاومة- والإعتراف بالإتفاقات السابقة المبرمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كما “قامت بعملية خطف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط المحتجز حتى الآن، و أطلقت صواريخ بمساعدة من إيران وغيرها معرضة المزيد من الإسرائيليين للخطر”، وزرعت بعض عتادها في مراكز آهلة بالمدنيين لتحولهم إلى “دروع بشرية”. لائحة الإدعاء لم تنته عند هذا الحد بل تجاوزته لتشمل شهادة زور كوندي التي صرحت يوم 27 ديسمبر الفارط منددة بإطلاق حماس للصواريخ وخرقها الهدنة وتجدد العنف (4)، ثم تصريح أولمرت الذي حمل حماس مسؤولية ترويع سكان الجنوب وضرورة التصدي لحماس لتوفير الأمن، وتصريح كونداليزا رايس يوم 2 جانفي 2009، المندد بحركة حماس التي “تحتجز سكان غزة كرهائن منذ الإنقلاب على سلطة محمود عباس “الرئيس الشرعي” للشعب الفلسطيني محولة غزة إلى منصة إطلاق للصواريخ ومؤزمة للوضع الإنساني لأهالي غزة(5) هذا الوضع الذي أصبح مبعث قلق نظرا لشح الغذاء والماء ومصادر الطاقة مما حدا بإسرائيل، حسب زعمهم، السماح بمرور المساعدات والمؤن والأدوية بتاريخ 26 ديسمبر 2008، وبما أن حماس رفضت دعوة الولايات المتحدة ومصر، كما تدعي رايس، التي وعدت بحل دائم ودولة “قابلة للحياة” – أين ومتى وكيف لا نعلم- يعيش فيها الفلسطينيون والإسرائيليون جنبا إلى جنب، هدف لا يمكن تحققه ما دامت الصواريخ تنطلق من غزة، وعليه فإن المجلس:
يعبر عن دعمه القوي وإلتزامه الثابت بسلامة وأمن وبقاء دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية بحدود آمنة ويعترف بحقها في الدفاع عن نفسها لحماية مواطنيها من الأنشطة الإرهابية،
يجدد الدعوة لحماس لتضع حدا لإطلاق الصواريخ، وتعترف بحق إسرائيل في الوجود، تكف عن العنف وتعترف بالإتفاقات والمواثيق التي وقعت بين الفلسطينيين والإسرائيليين،
تشجع الرئيس على العمل سريعا من أجل فرض وقف لإطلاق النار دائم بغزة يمنع حركة حماس من إمتلاك أو إعادة بناء قدراها لإطلاق صواريخ ضد إسرائيل مما يسمخ بعد ذلك “تحسين وضع الأهالي بغزة،
يعتقد وبشدة أن حياة الأبرياء، طبعا لا يدخل الفلسطيني ضمن هذا الإطار، يجب أن تصان وأن تتخذ الإجراءات الممكنة للتخفيف من الخسائر البشرية وأن يضمن تواصل عمل المنظمات والهيئات المعنية بالشأن الإنساني، -كتلك التي قصفها جيش دفاعهم الأشم !!! –
يدعم ويشجع الجهود الرامية لتنامي الخطاب وتأثير التطرف بالأراضي الفلسطينية ودعم المعتدلين من الفلسطينيين الملتزمين بسلام دائم مع إسرائيل،
يجدد دعمه القوي لحكومة الولايات المتحدة لإجتراح حل عادل للمشكل الإسرائيلي الفلسطيني عبر مسار سلام ينتهي بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل آمنة.
ما هذا القول من نسج خيال نظرية المؤامرة التي يسفه بها واقعيونا مقولاتنا كل مرة حول إنحياز الإدارات الأمريكية، ديمقراطية كانت أوجمهورية، وحول مدى سطوة اللوبي الصهيوني وتنفذه داخل مراكز القرار الأمريكية والهيئات الدولية، بل هو ترجمة وفية لما ورد بنص القرار. فهل إقتنع هؤلاء أم لا يزالون يعتقدون كما يعتقد أحفاد مدرسة التسول الإستراتيجي أن 99 % من أوراق القضية بيد الولايات المتحدة؟ للمترددين نضيف ما صرحت به رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي Nancy Pelosi “نكرر التأكيد أن من حق إسرائيل، مثل أي بلد، الدفاع عن نفسها عندما تتعرض لهجوم..وأن “إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون من غزة التي ازدادت وتيرتها ومداها، شكلت تهديدا غير مقبول وتقع على إسرائيل مسؤولية الرد عليها”. لم يفتها الشد على موقف إدارة بوش الداعية إلى وقف لإطلاق النار “دائم وقابل للتطبيق”، عبارة يقصد بها لمن إلتبست عليه لغة الساسة الخشبية: القضاء المبرم على كل نفس مقاوم . كما ذكرت من لا ذاكرة له بقولها : ” منذ القرار الشجاع الذي اتخذه هاري ترومان Harry Truman سنة 1948 بإعترافه بإسرائيل إلى يوم الناس هذا وقفت الولايات المتحدة كما ستقف دائما جنبا إلى جنب مع حليفنا الديمقراطي بمنطقة الشرق الأوسط” (6)
إن ما يحصل بغزة تماما ككل ما حصل قبلها بفلسطين أو لبنان أو العراق وما سيعقبه من عدوان غاشم وجرائم يندى لها جبين عتاة النازيين أنفسهم لن يرف لها جفن الإدارات الأمريكية ومجلس شيوخها حتى يتحرر الأمريكيون أنفسهم وتتحرر مؤسسات صنعهم للقرار من سطوة ونفوذ اللوبي الصهيوني وكل جماعات الضغط الموالية للكيان الصهيوني عقيدة أو إبتزازا. إن الإحتكام للولايات المتحدة في ظروفها الراهنة هو إحتكام المغتصبة (بفتح الصاد) لمغتصبها، وستظل القسمة الضيزى إياها هي العنوان الأبرز لكل القرارات الأمريكية وإن كان مجرد الإمتناع عن التصويت.
أهناك أبلغ مما تسمعون؟ ربما أبلغ ذلك صمت الرئيس المنتخب أوباما أم ترانا بعد نراهن على من كان نائبه الصهيوني بايدن ووزيرة خارجيته الليكودية هيلاري كلينتون؟ أظننا سنترحم على إدارة بوش !!! (7)
إن الإنتصار لغزة ولكل قضايانا القومية لا يحتاج اللهاث الرسمي البافلوفي لتدويل كل مسألة و بعث الرسائل للعالم قاطبة أننا أمة لا تملك قرارها بيدها، كالتصريحات المهينة والمجانية التي صدرت عن “رئيس” السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس يطالب فيها ب”التوقف عن المقاومة طالما ستؤدى إلى فناء الشعب الفلسطيني” !!! بل يحتاج التعويل على إمكاناتنا الذاتية أولا و ما صمود غزة الأسطوري رغم المعاناة وطحن عظام الأطفال أمام أعيننا إلا دليلا على قدرتنا على هزم هذه العصابة المستوطنة كما هزمت خلال ملحمة تموز. وإذا كان النظام الرسمي العربي مرتهن وشريك فاعل في تصفية القضية وكسر شوكة المقاومة فلا يشفع للقوى الوطنية مهما كانت تلاوينها أن تلتحم بالجماهير التي كثيرا ما قرعت بالمنابر ونعتت بأبخس النعوت لتظهر للجميع أنها لا تزال متمسكة بالثوابت قابضة على الجمر رغم القمع وإغتصاب العقول وإختراقات التطبيع بل وكثرة الهزائم وإنخداعها بمن من صنفوا أنفسهم طليعة الأمة.
نداء أخير لأبناء هذه الأمة، أن ضجوا بشكل صحيح، إن المعركة بغزة هي ذات المعركة بالعراق ولبنان والسودان والصومال وكل بقعة من هذا الوطن المستباح، إنها ساحة فرز القوى الكبرى وساعة الحسم . حرب المدنية في مواجهة الهمجية ولا خيار لنا إلا خوضها، إنها معركة الإنسانية الكبرى في مواجهة البربرية المدججة بالسلاح والمسنودة بترسانة وسائل الإعلام مغتصبة العقول. لا خيار لهذه الأمة إلا أن تشق طريقها عنوة رغم التضحيات الجسام ورغما عن هذا الطابور الخامس من المثبطين للهمم والمحبطين للعزائم، هؤلاء الذين يعيدون تأهيل مجرمي الحرب ويسفهون التاريخ ويغتصبون الجغرافيا ويرقصون على أشلاء شهدائنا البررة.