الماوردي معلم السلطان
كاتب الموضوع الأصلي: نواف العفتان
قول الغزالي إن ” الفقيه هو العالم بقانون السياسة” يسلمه، ضرورة إلى الاستنتاج بأن ” الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم لينتظم باستقامتهم في الدنيا”، لما كان الماوردي قد سبق إلى تقنينه في مؤلفاته التي تدور على قواعد السياسة والعمران وآداب الرئاسة ونذكر ثلاثة منها هي: “نصيحة الملوك”، ” تسهيل النظر وتعجيل الظفر” وقد تم تحقيقهما ونشرهما في السنوات الأخيرة فقط)، وأخيرا كتاب ” أدب الدنيا والدين” ( وقد ظفر بنشرة محققة منذ الشطر الأخير من الخمسينات). وأول ما يستلفت نظر القارئ هو أن أبا الحسن لا يعتبر ما يكتبه في هذا الباب من كتب النصائح والآداب التي يكون الغرض منها خدمة مصالح الدنيا، أو مجرد هذه الخدمة فحسب. وإنما النصيحة للملوك واجب ديني لأن صلاح العالم، وصلاح الأمة دينها ودنياها، يكون في صلاح الملوك. فهو يكتب : “أردنا أن نجعل كتابنا هذا كتابا دينيا، نريهم فيه مصالح معادهم ومعاشهم ونظام ممالكهم وأحوالهم، بكتاب الله رب العالمين، وسنن الرسول، صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين، والملوك الأولين، ونحذرهم سوء المصرع ولؤم الميتة وقبح الأحدوثة واستحقاق العقوبة عاجلا وآجلا(9) . والكتاب المقصود بهذا القول هو كتاب ” نصيحة الملوك”. وأنت عندما تتفحص فهرست الكتاب فإنك تجد فيه بابا يعرض فيه صاحبه للأسباب التي يكون من جهتها الفساد في الملك والممالك، وتجد آخر يتعلق بسياسة الخاصة من الأهل والوالد والخدم والجند، وآخر ينصب على توضيح قوانين سياسة العالمة وتدبير المملكة، وغيره يتعلق بتدبير الأموال، وغيره بتدبير الأعداء، فضلا عن فصول في الحديث عن سياسة النفس ورياضها. فإذا تأملت ما تقرؤه في تلك الفصول، أو في بعضها، فإنك لتجد ذكرا للفرس، ولليونان، وحديثا عن ” عهد أردشير” وكتاب” كليلة ودمنة”، وبالتالي فأنت تجد التماسا للحكمة والنوعضة في تواريخ الأمم والشعوب المختلفة، من ملة الإسلام حينا، ومن خارج تلك الملة أحيانا كثيرة. وبالتالي فإنك تجد ذكرا واستعادة لما يمكن أن تقرأه في ” مرايا الأمراء” وكتب النصيحة دون أن يعدها أصحابها كتبا في الدين، ومصنفات في غير ما وضعت لهمن أهداف للسلطان المسلم أن ينتفع بها كما لغيره من ملوك وحكام أهل الملل المختلفة أن يستفيدا منه، فعلى أي نحو يكون الكتاب هذا كتابا دينيا؟
لا يكفي ، في الإجابة عن هذا السؤال، أن يقول المرء إن الداعي إلى ذلك هو ما يدعو إليه الدين نفسه من وجوب إسداء النصح للملك أو الحاكم فقد لا تعدو النصيحة الدينية التذكر بأوامر الشريعة ونواحيها والتنمية على الأحداث النبوية التي تحث على العدل والإشارة إلى مواطن الأحاديث الأخرى التي تعلن ما يحق للسلطان العادل أن يطمح فيه من حسن ثواب. بل إن النصيحة، على النحو الذي هي فيه أن بأتي لدرس البشرية السابقة والأمم الخالية والإفادة من تجاربها، ليس من الشرط فيها أن تأتي على لسان الفقيه أو البصير بأمور الدين، إذ لاربما أجادها المؤرخون والفلاسفة والأدباء على وجه لا يقدر عليه الفقهاء، بل هذه أحاديث الفقهاء في النصيحة تفيض بروايات التاريخ والشعر والحكم. وإذن فلابد من التماس الجواب الملائم في أسباب أخرى قد تكون أقل ظهورا. فلننظر في الأمر عن قرب ولننقب ونفحص فيما يمكن أن يكون ثاويا وراء آداب السلوك والنصائح، ومتخفيا وراء الموعظ والعبر.
يقوم الفقيه بقراءة للتاريخ يستعرض فيها ” تجارب الأمم” وينصت إلى أخبار الحكماء والزهاد والملوك الكبار، ولكنه يقرأبعين الفقيه بطبيعة الأمر وينصت بأذن تعودت أن تتصيد من الأخبار والحكايات ما كان ذا فائدة عملية ومباشرة عنده، كما أن قراءة الفقيه تحركها ضوابط الفقه وقوانينه، وتوجهها الغائية التي يرومها فنه. وإن تكن الغائية في الفقه هي، على حد تعبير الغزالي، ” معرفة طرق السياسة والحراسة” فإن الآلية التي توجه عمل الفقيه هي ما اعتاد سمعه أن يلتقطه وما ألفت عينه أن تلحظه ، وهي العمل بموجب مبدأ “القياس” : قياس الأشباه والنظائر، قياس ما كان مجهولا على ما كان مألوفا معروفا، والقياس هنا يعمل، بطبيعة الحال، في مجال معلوم هو عالم السياسة والأمور المصلحية. والماوردي يعبر عن معنى” القياس” وممارسته في هذا المجال أفضل تعبير إذ يقول : ” علم الدين أصله وطريقه الاستدلال بالشاهد على الغائب، وبالمتفق علسيه على المختلف فيه، وجهه استخراج الرأي هو ما كان علم السياسة على الحقيقة”(10) . القياس هو ” استخراج الرأي”، هو ما كان نتيجة نظر وتدبر فهو الثمرة التي يجنيها الناظر وله أن يعمل بها. وللنظر منهج معلوم وقواعدمحددة يضبطها المبدأ الكلي العام مبدأ” الاستدلال بالمشاهد على الغائب”: والمستدل عليه، هنا، هو ما كان يعتبر واقعة جديدة أو ” نازلة” في لغة الفقعاء مما لم يرد فيه نص صريح من كتاب أو سنة أو يقم عليه إجماع، والمستدل به، هنا بطبيعة الحال، هو ما كان يعتبر قديما مألوفا ” جرت العادة” ( والعادة مفهوم أصولي أشعري) عليه فكان ” متفقا عليه” أو ” مجمعا عليه” . والشاهد ( أو عالم الشهادة، أو ” العالم المعلوم” ، أو الواقع ” المتفق عليه”، أو التي أجرى الله العادة بها- فهذه المسميات تفيد كلها المعنى الواحد)، في مجال النصيحة والبحث عن الموعضة والعبرة، هو ما يمكن أن ندعوه ب” التاريخ الوعظي” أي التاريخ والبحث البشري وقد أصبح مجالا للنظر وموضوعا للعبرة. هو إذن ما قام به الملوك الكبار، الذين كان لحكمهم شأن ولدولتهم تمكين وقوة ، فهم إذن أفضل القدوة وأحسن المثل. والغائب(أو ” النازلة”، أو المختلف فيه…) هو ما يعاينه الأمير والحاكم من جديد مستمر في شؤون الرياسة وتدبير أمور الخلق. وحيث كان “استخراج الرأي” على هذا النحو هو مما يطيقه الفقيه وحده، متى أمكنه أن بفحص “تجارب الأمم” ويطلع على حدوث الدول وزوالها ، فإن ما نصير إليه مع الماوردي هو القول بأن ” نصيحة الملوك ” كتاب ديني ( من حيث هو ممارسة للفقه في إرشاد عملي إلى مكامن ” المصلحة ” ومواطنها، ولكنه إرشاد لا يملكه إلا من أخذ بناصية القياس وملك زمام أمره كاملا.
إذا كنا، بهذه الإشارات إلى ” القياس ” واستخراج الرأي و بهذا الشرح المقتضب لمبدأ ” الاستدلال بالمشاهد على الغائب” قد تبينا بعض التبين مغزى القراءة التي يقوم بها الفقيه الشافعي ولما قلنا عنه أعلاه إنه ” التاريخ الوعظي” فإن علينا، أن نتبين نتيجة تلك القراءة. وإذا شئنا فلنقل في تعبير أخر: الآن وقد وفهمنا ” كيف القراءة” فإنه يلزمنا أن نقطف ” الثمرة” التي نخرج بها من تلك القراءة .
ينتهي الماوردي من قراءته للتاريخ الوعظي إلى استخلاص مايرىأنه “قواعد الملك” . وهذه القواعد هي على وجهين أو إنها تنشطر إلى شقين متلازمين: شق أول يتعلق بقيام الملك وتأسيسه، وشق ثان يرجه إلى أمور تدبيره أو سياسته: ” إن قواعد الملك مستقرة على أمرين: تأسيس وسياسة. فأما تأسيس الملك فيكون في تثبيت أوائله ومبادئه، وإرساء قواعده ومبانيه” . وإذا كان الإرشاد العملي إلى سبل السياسة الحميدة التي بها يكون استقرار الملك واتصاله هي ما يطلبه السلطان من الفقيه، وكانت معرفة “قواعد الملك” هي ما ينتجه الفقه من نصائح، فإن معرفة الأسباب التي كان بها الملك ملكا وبها قام في أول أمره له ما تلزم معرفته وذلك ما يفرد له الماوردي فصلا مستقلا في كتابه ” في أخلاق الملك وسياسة الملك” . نقرأ له : “فأما تأسيس الملك فيكون في تثبيت أوائله ومبادئه وإرساء قواعده ومبانيه وتنقسم ثلاثة أقسام: تأسيس دين، وتأسيس قوة، وتأسيس مال وثروة(11) . فأما تأسيس المال والثروة ” فهو أن يكثر المال في قومه فيحدث لهم بعلو الهمة طمعا في الملك وقل أن يكون هذا الأمر إلا فيمن له بالسلطة اختلاط وبأعوان الملك امتزاج فيبعث مطامع الراغبين فيه على طاعته وتسليم الأمر إلى زعامته” . وأما تأسيس الملك على القوة ” فهو أن يحل نظام الملك إما بالإهمال والعجز وإما بالظلم والجور، فينتدب لطلب الملك أولو القوة ويتوثب عليه ذوو القدوة، إما طمعا في الملك حين يضعف وإما دفعا للظلم حين استمر”. ولكلا التأسيسين، كما يذكر، عيوب ومساوئ وكلاهما أدى إلى دوال الدولة وزوال الملك، لأن كلا منهما يحمل في ثناياه وأحشائه ما ستكون به السياسة التي سيسار عليه لاحقا . فلتأسيس القوة طبيعته ومنطقه ولعله، في تصور الماوردي، يعادل ما وصفه الفاربي قبله بأنه ” اجتماع التغلب” ولقب المدينة التي يكون فيها بمدينة ” التغلب” ولكنه يذكر ، في شرح معنى هذا التأسيس، أنه ذلك الذي يقوم على قوة الجيش وهيمنة الجند والأمر فيه يخرج من يد الملك كلية وإن بدا غير ذلك : فإن هم عدلوا مع الرعية فإنما تكون حقيقة حكم الملك أن ملكه “ملك تفويض وطاعة”، وإن جاروا وعسفوا فإنما هي ” دولة تغلب يبيدها الظلم ويزيرها البغي” . ولتأيس المال والثروة طبيعته التي لا يملك أن يحيد عنها ومنطقه الذي لا يقدر عن الزوال عنه أو الخروج عن ضوابطه ومقتضياته- وقد يكون هذا التأسيس، متى رجعنا إلى تنصيفات الفاربي المعروفة، هو ما يقول عنه أبو نصر إنه ” اجتماع أهل النذالة ” وعن المدينة التي يكون فيها أنها ” مدينة النذالة ” – والفساد عند الماوردي أسرع ما يكون لحوقا بهذا التأسيس وأشد ما يكون فتكا به.
ولكن الأمر آخر مع القسم الأول من الأقسام الثلاثة المذكورة. ذلك أن تأسيس الدين هو ” أثبتها قاعدة وأدومها مدة وأخلصها طاعة” ولا يتسرب إليه الخور أو يدب فيه الضعف إلا متى كان الملك ، في هذا التأسيس، مستهينا بالدين مهينا لأهله، أو كان ” قد أحدث بدعة في الدين شنعه”، أو كان قد خرج عن الدين كلية . والحق أن الماوردي قد انشغل بأمر هذا التأسيس القائم على الدين انشغالا شديدا فبسط القول فيه في ” نصيحة الملوك” لا بل كتب فيه كلاما نعتبره من أجمل وأهم ما خطه يراعه في موضوع النظر السياسي. وهو الباب الثالث المعنون هكذا ” الأسباب التي من جهتها يعرض الاختلال والفساد في الممالك وفي أحوال الملوك”.وأول ما يطالعنا في هذا الباب، بعد ذكر حديث نبوي يؤيد به قوله ” إن أحوال الأمم متقاربة”، هو إيراده لهذه الملاحظة التي يخرج به من قراءته للتاريخ البشري ” الوعظي” : “وكان مما جرت عليه أمور العالم، واستمرت عليه عادات الأمم أنه لم تكن مملكة إلا كان أسسها ديانة من الديانات وأصلها ملة من المال عليها بنيت شرائطها وفروضها، وجرت أحكامها وحدودها “(12) .
أستأذن القارئ الكريم في استطراد قصير أنبه فيه على اشعرية الماوردي، حيث تحمل لنا قولته هذه دليلا جديدا آخر على ذلك : هي ذكره ل” العادة” وجريانها واستمرارها . فالأشاعرة، إذ يتحدثون عن استمرار العادة وجريانها ويتكلمون عن ” إجراء العادة ” على النحو الذي يقرره الله، فهم في الواقع يدلون على عنوان مذهبهم ويشيرون إلى أخص ما يميزهم عن المعتزلة والفلاسفة معا . فأما عنوان مذهبهم فهو مبدأ” التجويز” : فليس كل ما لا يقدر على البرهنة على وجوده مستحيلا في ذاته أو ممتنع وجوده وإنما هو جائز وذلك الجواز هو ما يفسر إمكان الرؤية، رؤية الله بالأبصار يوم القيامة ، كما أنه يحل عددا من الإشكالات الأخرى التي تتعلق بالحرية والمسؤولية في عالمنا الأرضي. وأما تميزهم عن المعتزلة، وعن الفلاسفة خاصة، فهو نفيهم القول بالسببية ( أي وجود العلاقة المباشرة بين أمر ندعوه سببا وآخر مسببا)، وشرحهم لتلك العلاقة بأنها مجرد ” اقتران ” أو ” تساوق وأنه “عادة” أجراها الله. ولكن ” العادة” هذه لا تكون، في تعابيرنا اليوم، شيئا آخر غير ” القانون” : فكما أننا نحصل على القانون المفسر من إدراك العلاقات الثابتة في الظواهر المطردة، فكذلك نحن نتبين ما أجراه الله من العادة من استقراء الأحداث والظواهر . وإذن فالماوردي عندما يقول إن ” مما جرت عليه أمور العالم” ، ويكتب، مضيفا، وأستمرت عليه عادات الأمم” . فهو يقول بممارسة طبيعية لمقتضيات المذهب الأشعري، ويعلن، بالتالي، عن تشبعه بالمبدأ الأشعري الكلي والعمل بموجب آلياته وموجهاته.
إذا كانت العادة قد جرت بأن الدين أساس الممالك الكبرى، أي أن ” تأسيس الدين” أكثرها شبوعا وأشدها رسوخا وقوة، فإن في الأمر ما يدعو إلى التأمل حقا واستخراج العبرة فعلا. فأول شيء هو حدوث ” النوازل” التي تقضي إعمال العقل الفقهي بغية إيجاد الحلول الناجعة والوصول إلى الأجوبة الصحيحة والدقيقة على الأسئلة المقلقة والأوضاع المحرجة: ” لابد في الدين من وقوع الحوادث التي يحتاج إلى النظر فيها والنوازل التي لا يستغني العلماء عن استخراجها”، وثاني شيء هو أن مما جرت عله العادة كذلك هو أنه ” لا يخلو دين من الأديان ولا ملة من الملل من منافقين فيها ومعادين لها”. ثم إن هؤلاء يظهرون ويكثرون في عصور ملوك ضعفاء، وهم كذلك لأنهم ” خالدن من علوم الدنيا، معرضون عن أصول الشريعة” . وعند ذلك تنشأ ساسلة طويلة متصلة من الوقائع السلبية وتتلاحق الأحداث التي تؤدي كلها إلى سقوط الدولة وزوال الملك . ولكن المتأمل لأسبابالقوة في الممالك التي يكون أولها ومنشئها ” تأسيس الدين”، يجد أن مكمن القوة القيقي وفعلها السحري يكمنان في مراقبة الدين وأصله. ذلك ما كان من أمر الخلفاء الراشدين إذ ” كانوا لا يرون الخلافة إلا لإحياء الدين”، وذلك ما كان من أمر عمر بن عبد العزيز ويزيد ابن الوليد وإن كانا” من بني مروان، الذين عاثوا في الأرض وغيروا السنن وأظهروا البدع”. وذلك ما كان من خلفاء بني العباس، والماوردي إذ يستعرض أسملاء البعض منهم فهو يلحقها دائما بنعت يفيد الحفاظ على الدين، فأبو العباس والسفاح ” ظاهر الزهد” ، والمنصور ” شديد الاعتقاد في الدين “، والرشيد ” شديد التعصب للإسلام والديانة” والمأمون ” وهو لو باهت به هذه الأمة سائر الأمم في ملوكها لكان ذلك أهلا ولوجد لها عليهم به فضلا علما وعقلا(…) وتعصبا للتوحيد”. وكذلم كان الشأن في المعتصم والوثائق، وكذلك كان حال ملوك سامان والأمراء الظاهرية من ولاة خراسان . وبالتالي فإن مفتاح النجاح وسر التقدم والقوة في الممالك والأمم يملكه كل من أدرك، مع الحكماء والعظماء، أن ” الدين والملك أخوان توأمان ” وآمن بأن الدين ” أس الملك”، كما أدرك أن ” الملك حارس الدين”.
ما الشأن بعد ذلك في الشق الثاني من ” قواعد الملك ” عند الماوردي؟ ما القول في التدبير أو السياسة؟ يقول في ” تسهيل النظر وتعجيل الظفر”: ” وأما سياسة الملك بعد تأسيسه واستقراره فتشتمل على أربع قواعد هي : عمارة البلدان، وحراسة الرعية، وتدبير الجند، وتقدير الأموال” . ثم إنه يفصل بعض التفصيل في كل واحدة من هذه القواعد ويمدد ما يتفرع عنها من أنواع وأقسام بيد أن هذا التعداد لا يفي بغرض الإحاطة يفكر الماوردي في الموضوع. فهو لا يغني عن قراءة “نصيحة الملوك” في جانب، ولا يعفي من كان يروم معرفة جوانب هامة أخرى من فكر أبي الحسن من قراءة “أدب الدين والدين”، مثلما لم يكن في فحص هذين الكتابين الأخيرين ما يجعل قراءة ” تسهيل النظر” غير ذات جدوى وإنما نظر المفكر السياسي مبثوت في هذه الكتب الثلاث . وهو ينشغل في مرة من المرات الثلاث بما لم ينشغل به ، كلا وتفصيلا، في الكتابين الآخرين. فهو في ” تسهيل النظر” منشغل بالملك كشخص وبالملك كرئاسة، وهذا الانشغال يجعله، في القسم الأول من الكتاب، يبسط القول في الفضائل ويتسع فيها، ثم إنه يدير الباب الثاني (في سياسة الملك) على الكلام في قواعد الملك، ( على نحو ما رأينا بعضه) . ثم إنه في ” نصيحة الملوك” يرتب الكلام، مفصلا وفي السياسات العديدة : سياسة النفس، و سياسة الخاصة، وسياسة العامة أو تدبير المملكة، وسياسة الأموال ثم سياسة الأموال ( أو تدبيرها) فسياسة الأعداء (أو تدبيرهم) فضلا عما عرضنا لغيره بالذكر أو الإشلرة سلفا.
إن لم نكن نملك، في حدود هذه المقالة، أن نستقصي فكرة فقيهنا الشافعي ومفكرنا الأشعري في كافة انتدادتها في الوؤلفات الثلاث فإنه لا مندوحة لنا من التريث برهة عند النحو الذي يشرح بها قواعد السياسة تلك حين حديثه عن ” أدب الدنيا”، في الكتاب الذي كان هذا الأدب أحد شطريه، إذ يقول:
أعلم أن ما به تصلح الدنيا، حتى تصير أحوالها منتظمة وأمورها ملتئمة،ستة أشياء في قواعدها وإن تفرعت وهي: دين متبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح”(13)
لنلاحظ أننا بإزاء بناء هرمي هو هذه السلسلة المتصلة من الأسباب والنتائج، فمتى كان الدين متبعا (على نحو ما أحسن شرحه في ” نصيحة الملوك” -وكما رأينا سابقا) كانت الحصيلة الأخيرة والنتيجة العملية هي ” الأمل الفسيح” ، الذي يعني حصول الاطمئنان والانصراف إلى االبناء والتشييد والتوفر على ما يكفي من الإيجاب، والإرادة، والتصميم (والماوردي صاحب هذه الحدود الثلاث). بين أساس البناء القوي ( الدين المتبع) ، ىوقمته ( الأمل الفسيح) . تقوم تلك الشروط الخمس التي يسلم بعضها إلى بعض بشكل تنازلي من جهة أولى، وفي صورة استلزام منطقي من جهة ثانية ( السلطان القاهر، العدل، الأمن، الخطب) . فإذا أخدنا أول هذه الشروط، ورأسها بالتالي، وهو السلطان القاهر نجد أبا الحسن يقول عنه إنه ” تتألف برهنته الأهواء المختلفة، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة، وتنكف بسطوته الأيدي المتعالبة، وتنقمع من خوفه النفوس المتعادية”(14) . ومتى دققنا النظر في شلأن هذه الأسباب فإننا نجدها ترتد ، بكيفية وبأخرى، إلى ما يفيد الاجتماع والائتلاف في الرأي الواحد وهو ما يعني حصول أمر خطير ما فتئ الماوردي يردده في كتابته السياسية ةكلها ويراه شرطا أساسيا وعنصرا محوريا في قيام الدولة واستمرارها – وذلك هو وحدة الرأي أو المذهب . فلا رأي لملك سمح بىبتعداد المذاهب المختلفة من حوله، إذ لا نتيجة لتفرق الكلمة سوى ” اختلاف السيوف “، ولا مندوحة للملك عن الزوال، حين هذا الاختلف، ولا مناجاة للملكة من الدمار والفساد عند حلول تلك الحال.
على أن ما سلف لا يشكل، وإن اجتمع، سوى أحد شرطين لصلاح الدنيا واستقامة السياسة: ” وأعلم أن صلاح الدنيا معتبر من وجهين: أولها ما ينتظم به أمور جملتها، والثاني ما يصلح به حال كل واحد من أهلها”(15) . وما يصلح به كل واحد هو، متى نظر إليه من حيث إن الإنسان لا يكون إلا بغيره اجتماع ثلاثة أشياء لابد منها وهي ” نفس مطيعة إلى رشدها منتهية عن غيها، وألفة جامعة تنعطفالقلوب عليها ويندفع المكروه بها. ومادة كافية تسكن نفس الإنسان إليها ويستقيم أوده بها”(16) . وصلاح كل واحد، متى اعتبرنا أن ” الإنسان دنيا نفسه” ، هو العمل على تحلي النفس بالفضائل وتعويدها أو ما درج المفكرون الإسلاميون على القول فيه إنه ” تهذيب الأخلاق” . والماوردي يصدر في هذه المسألة عما يصدر عنه كل أولئك المفكرين ( بما فيهم الفلاسفة بطبيعة الحال) فهو يستهل حديثه في ” أخلاق الملك” بالقول بأن ” الأخلاق غرائز كامنة تظهر بالاختيار وتقهر بالاضطرار”(17) . ثم إنه يعرض بعد ذلك للفضائل، على نحو ما ذكره أرسطو وفصل فيه، فيبسط القول فيها واحد فواحدة ( وهذا هو الشأن في ” تسهيل النظر” ) ويجمل ويوجز ويحمل كبير همة أن يكسبا ثوبا إسلاميا وصيغة عربية مألوفة (وهذا هو الشأن في ” أدب الدنيا والدين” ) . فيكون من ثم قوله الغزير في ” المروءة” ” كل كتابنا هذا من شروطها وما اتصل بحقوقها” ( والإشارة إلى الكتاب الأخير) .
الحق أن الإحاطة بصورة ” الماوردي المفكر الأخلاقي”، في كامل جوانبها وكافة أبعادها، لأمر كثير الأهمية : بالنظر أولا لما كان، في الثقافة العربية الإسلامية وفي العصر الوسيط المتشبع بالتراث اليوناني جملة، من صلة وطيدة بين الأخلاق والسياسة – وبالنظر ثانيا لما يكتسبه قول الماوردي في الفضائل، وفي ” المروءة” (18) على وجه الخصوص من قينة فائقة الأهمية في نظره السياسي- ولكننا نرى في هذه الإشارات والتنبيهات، ماكان فيه غنى عن التوسع والإطالة . ويبدو أننا قد استكملنا العدة واستجمعنا العناصر راللازمة من أجل الوقوف عند الصورة الشهيرة والمألوفة لأبي الحسن الماوردي: صورة الفقيه المشرع