المحددات الخارجية للسياسة الخارجية الأمريكية
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيزالعبيدالله4
المحددات الخارجية للسياسة الخارجية الأمريكية:
يركز التحليل للسياسة الخارجية من منظور النظام الدولي اهتمامه على المستوى الكلي للتحليل Macro Level of Analysis وينصب الاهتمام الرئيس على التغييرات في البيئة الدولية التي تنفذ فيها الدول سياستها الخارجية. وهنا يشار إلى أن أي تغيرات في مزايا النظام الدولي ستؤدي إلى تغيرات في السلوك الخارجي للدول التي تكون هذا النظام.([9])
لقد بدأ التركيز فعلياً على طبيعة النظام الدولي كعامل مستقل يفسر السلوك الدولي، مع بداية المدرسة السلوكية في تطور دراسة العلوم السياسية في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي. وقد ركز هذا التطور الذي استمد جذوره من المدرسة الواقعية الجديدة على كيفية تقسيم القوة في النظام الدولي، وكيفية تأثير هذا التقسيم في سلوك الدولة في الساحة الدولية.([10])
وإن كانت السياسة الخارجية للنظام الدولي الجديد هي سياسة خارجية “أمريكية” فلا بد من التعرف إلى محددات هذه السياسة المتعلقة بطبيعة النظام الدولي وتركيبته.
المحدد الأول: بنية النظام الدولي:
بعد الحرب العالمية الثانية ساد نظام دولي جديد اعتمد على الثنائية القطبية، إذ تزعمت العالم دولتان رئيستان هما الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة للمعسكر الرأسمالي، والاتحاد السوفييتي ممثلاً للكتلة الاشتراكية. وكانت نتائج الحرب قد رسمت الخارطة السياسية للعالم بأسره، حيث توزع القطبان الرئيسان الهيمنة السياسية والعسكرية وحتى الاقتصادية على العالم. إضافة إلى ذلك كان اكتشاف السلاح النووي بما يحمله من قوة تدميرية هائلة، والاستخدام المبكر له في هيروشيما ونجازاكي على يد الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة للحرب قد صاغ بشكل تفصيلي وحاسم مفردات النظام العالمي الذي ساد بعد الحرب واستمر حتى بداية التسعينيات من القرن العشرين.
كانت مفردات النظام الجديد هي الاعتراف بمبدأ الثنائية القطبية للعملاقين اللذين قادا الحلفاء إلى النصر، والاتفاق على قيام هيئة الأمم المتحدة. وكان هناك اتفاق بين القطبين الرئيسين يقضي باستحالة قيام أية مواجهة عسكرية مباشرة مع بعضهما بعضاً، لما يحمله ذلك من إمكانية استخدام للأسلحة النووية. لكن ذلك لا يعني أن تتعطل الأوجه الأخرى للصراع، فهناك صراعات عقائدية واقتصادية وسياسية، وخلافات عميقة تتحلق عند المصالح والرؤى.
أولاً: أهداف السياسة الخارجية الأمريكية في الحرب الباردة:
لقد تركزت أهداف السياسة الخارجية الأمريكية عند الصراع الإيديولوجي مع الاتحاد السوفييتي السابق على:([11])
1- احتواء الاتحاد السوفييتي وتطويقه.
2- الحيلولة دون انتشار الخطر الشيوعي في العالم، وعلى الأخص مناطق النفوذ الأمريكي في أوروبة وأمريكا اللاتينية.
3- دفع النمو الاقتصادي في العالم وتوطيد المنظومة الرأسمالية والتحكم فيها.
ومع نهاية الحرب الباردة تغيرت خارطة العلاقات الدولية جذرياً، وشكل انفراد الولايات المتحدة بالقوة والهيمنة في عالم خاضع لمسار تشكل بصورة سريعة وخطرة، التحدي الأبرز للولايات المتحدة التي وجدت لأول مرة في تاريخها مصاعب جمة في تحديد رؤيتها الإستراتيجية على الرغم من انتصارها الباهر في حربها الطويلة مع المعسكر الشيوعي المهزوم.
وبعد نهاية الحرب الباردة مباشرة، رفع الرئيس بوش الأب شعار”النظام العالمي الجديد” الذي يعني بالنسبة إليه ثلاث دلالات:
1- انتصار القيم الليبرالية والديمقراطية على الأيديولوجية التوليتارية الشيوعية، مما يسمح بتعميم هذا النموذج وانتشاره آلياً بفعل هذا الانتصار وبأثره على ما بينت تجربة أوروبة الشرقية.
2- تحقق الشروط الموضوعية لتفعيل الشرعية الدولية مما يمكن من حل النزاعات الموروثة من الحرب الباردة وفق مبادىء القانون الدولي ضمن آلية الهيئة الأممية المرشحة للتوطد بعد أن انتفت قيود التوازن التي كانت تحد من فاعليتها.
3- اضطلاع الولايات المتحدة بدور الراعي الأمني للنظام الدولي في صيغته الجديدة، من حيث مقتضيات السلم العالمي ومتطلبات التنمية الاقتصادية الشاملة.
أما حقبة الرئيس كلينتون فقد اتسمت بالالتزام إزاء القضايا الخارجية بالعمل على بناء منظومة دولية منسجمة ومتعاضدة مع توطيد دور الهيئات والمؤسسات الدولية في الرهانات العالمية الكبرى، وفق ثلاثة مبادئ محورية هي:
1- البحث عن التوافق بين القوى الفاعلة على المسرح الدولي.
2- الاستناد لقواعد ومعايير القانون الدولي.
3- التدخل الإنساني لحماية حقوق الأقليات المهددة بالإبادة الجماعية. ولإطفاء الصراعات الأهلية وإنقاذ المجموعات المهددة بالمجاعة في الدول الفقيرة.
وترى كوندوليزا رايس أن إدارة الرئيس كلينتون كانت تفتقد الرؤية الاستراتيجية الواضحة والمنسجمة، فكانت تدير الأزمات بمنطق مفكك، ولم يعد لديها تصور جلي لمفهوم المصلحة القومية. ولذا ترى رايس أن المقاربة البديلة يجب أن تراعي الأهداف التالية:([12])
1- ضمان قدرة الجيش الأمريكي على ردع التهديدات الخارجية والدفاع عن مصالح الولايات المتحدة عند فشل نهج الردع والاحتواء.
2- دعم النمو الاقتصادي والانفتاح السياسي في العالم عن طريق تشجيع التجارة الحرة والسعي لاستقرار مناعة النظام النقدي الدولي.
3- توطيد العلاقات وتقويتها مع الحلفاء التقليديين الذين يشتركون مع الولايات المتحدة في قيمها ويستعدون للإسهام معها في تحمل أعباء نشر السلم والرفاهية والحرية.
4- تركيز الطاقات الأمريكية على بناء علاقات معقولة وناجعة مع القوى الدولية الكبرى، وعلى الأخص روسيا والصين. لما له من تأثير إيجابي على طبيعة النظام الدولي وتوازناته..
5- حسم المخاطر المتأتية من الأنظمة المارقة، والدول المناوئة، التي تتخذ بصفة متزايدة شكل الإرهاب المستند لأسلحة الدمار الشامل.
وتخلص رايس إلى أن السياسة الخارجية للإدارة الجمهورية الجديدة يجب أن تكون أممية مفتوحة على الخارج، بيد أن خلفيتها المرجعية هي الوعي بالمصلحة القومية الأمريكية والدفاع عنها. وقد شكلت هذه الرؤية إطار الدبلوماسية الأمريكية في المرحلة الأولى من عهد الرئيس بوش التي تميزت بالانكفاء الحذر عن الأزمات الدولية الساخنة التي شغلت الجانب الأوفر من اهتمامات الإدارة الديمقراطية السابقة، واعتماد خط واقعي مرن في العلاقة بالقوى الدولية النافذة، مع ميل لتعزيز الشراكة مع روسيا والحفاظ على العلاقات التقليدية بدوائر التحالف الأوروبية والآسيوية. ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتصيب النظام الدولي بتشوهات سياسية وثقافية واقتصادية وعسكرية وتقانية خاصة في ظل عدم وجود أخلاقيات دولية وتشريعات قانونية تلتزم بها الدول. فعالم ما بعد الحرب الباردة هو عالم تهيمن الولايات المتحدة على مقدراته وتحاول تطويع الأمم المتحدة والقانون الدولي بما يخدم مصالحها، وتستخدم وسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون وحماية البيئة والحق في التدخل الإنساني لحماية مصالحها.
ثانياً: تأثير أحداث 11 أيلول 2001 على السياسة الخارجية الأمريكية:
إن أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 لم تحصل في غفلة من الزمن، بل جاءت في سياق متوقع لتداعيات عولمة أمريكية متوحشة لكن ذلك لا يعني أنها قد قسمت العالم فعلاً إلى فسطاطين كما زعم ابن لادن وكما يمارس جورج بوش يومياً.
لقد كشفت أحداث سبتمبر عن ثلاثة وجوه للضعف في السياسة الأمريكية وهي:
أ- نقص نظريتها عن الأمن، إذ أتاها الخطر من داخلها.
ب- اضطراب وصولها إلى القرار وما كشف عنه من اندهاش وحيرة.
ت- أنها تحارب معتمدة على قوة غيرها وليس على قوتها وحدها