أ.د. أحمد محمد وهبان

النساء في الفكر السياسي الغربي

كاتب الموضوع الأصلي: عمر عبدالله البطاح

النساء في الفكر السياسي الغربي في كتاب النساء في الفكر السياسي الغربي تجيب “سوزان موللر أوكين” عن سؤالين مهمين، أولهما: ما إذا كان بإمكان الفلسفة السياسية في شكلها المتعارف عليه حالياً أن تشمل المرأة ضمن موضوعاتها على قدم المساواة مع الرجل. والسؤال الثاني، يدور حول ما يمكن أن نتعلمه بشأن تحليل كيفية تناول المرأة في الفلسفة السياسية بشأن اقتراع النساء السياسية، والرسمية والتي لم تؤد إلى المساواة الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسة الحقيقية بين الجنسين. أفلاطون والتراث اليوناني في كراهية المرأة تبدأ المؤلفة بالحديث عن أفلاطون الذي تعتبر أفكاره لغزاً محيراً “لا يقبل الحل” لأنه يذهب إلى أن جنس الأنثى خلق من أنفس الرجال من ناحية، ومن ناحية أخرى يقترح تربية متساوية ودوراً اجتماعياً واحداً لكلا الجنسين! و في هذا يتفق تمام الاتفاق مع التراث اليوناني الذي كان يكنّ كراهية شديدة للمرأة. وينبه إلى ضرورة استبعاد العنصر “النسائي” من برنامج التربية، تشيرالمؤلفة: المكان الوحيد في الفلسفة السياسية الذي تمَّ فيه ضمّ المرأة فعلاً على قدم المساواة مع الرجل كان في طبقة الحراس عند أفلاطون في “الجمهورية”. ففي “الجمهورية” يؤدي إلغاء الجانب الشخصي من الحياة، وتنظيم النسل.. وجعل رعاية الأطفال وجميع الوظائف المحلية أموراً اجتماعية مشتركة، يؤدي ذلك كله، في طبقة الحراس من الرجال والنساء إلى تعليم واحد، وعمل واحد.. ومع ذلك فإن أفلاطون يؤمن بأنه لا بد من النظر إلى النساء – بغض النظر عن الظروف- على أنهن أدنى من الرجال من حيث العقل والفضيلة. وهذا ما يحيلنا إلى الإشارة، أن هناك هوة واضحة تفصل بين اتجاه أفلاطون العام، واتجاهه نحو المرأة ومعتقداته عنها، وهي هوة تعكس كثيراً من التراث اليوناني في كراهية المرأة. والاقتراحات الراديكالية حول مسألة الحراس من النساء التي عرضها في كتابه الجمهورية. ‏ وأشارت المؤلفة، أيضاً، إلى التناقض والاختلاف في رأي أفلاطون حول دور المرأة فنرى أن الملكية الخاصة والأسرة قد تمَّ إلغاؤهما في “الجمهورية” ثم أعيدتا في “محاورة القوانين”. ‏ لمحة روسو ‏ إن اللغز المحير عند أفلاطون قدّمه “روسو” في لمحة خاطفة تتلخص في أن أفلاطون بعد إلغائه للأسرة احتار في أمر المرأة: ماذا يفعل بها؟ فأحالها إلى رجل! والدليل على ذلك يتألف من ثلاث زوايا: الأولى أنه ظل يكره خصائص الأنثى ويحتقرها طوال محاورة الجمهورية، والثانية، أنه يشترط على المرأة “المسترجلة” التي سوف يساويها بالرجل – أن تتخلى عن كل ما يمت للأنثى بصلة، والثالثة، أنه عندما عادت الملكية في محاورة “القوانين” عادت معها الأسرة، ومن ثم عادت المرأة إلى وضعها الطبيعي الذي فرضه عليها المجتمع الأثيني. ‏ وإذا كان أفلاطون قد لخص وضع المرأة اليونانية، فإن أرسطو قونن هذا الوضع عندما بذل جهده ليضع نظرية فلسفية عن المرأة يستمد دعامتها الأساسية من الميتافيزيقا، ثم راح يطبقها في ميدان البيولوجيا أولاً، والأخلاق والسياسة بعد ذلك ليثبت – فلسفياً- صحة الوضع المتدني للمرأة الذي وضعتها فيه العادات والتقاليد اليونانية، أما أرسطو فلم يهتم بدراسة خصائص المرأة أو صفاتها بمعزل عن هذا السياق. ولهذا يقتصر دورها على إنجاب الأطفال ورعايتهم، والإشراف على الأعمال المنزلية، وأداء الواجبات نحو الزوج..! ‏ وتأتي خطورة نظرية أرسطو عن المرأة من أنها ترددت بعد ذلك بكثرة في تراثنا العربي، ربما لأنها وجدت أرضاً خصبة مهيأة لتقبلها بما تحتوي عليه من آراء مماثلة لا ينقصها سوى التنظير!. ‏ أما “روسو” فيواصل نظرة التراث الغربي إلى النساء – رغم مخالفتها للمبادئ الرئيسة في الأخلاق ونظريته الاجتماعية، فالمرأة مزودة بمواهب الجزئيات، من هنا، جاءت دعوته للمرأة أن تكون مرغوبة وعفيفة معاً، أي أن تقوم بدور “دكتور جيكل ومستر هايد” على حد تعبير المؤلفة! وعلى هذا الأساس، يجعل روسو السيطرة المطلقة للأزواج على زوجاتهم، كما يقترح تربية أخلاقية للنساء – في كتابه “إميل”- هي الضد المباشر لما اقترحه من تربية أخلاقية للرجال. فكانت دعوته للمساواة تقتصر على المساواة بين الرجال فقط. أما كلامه في بداية كتابه “العقد الاجتماعي” عن أن الإنسان يولد حراً، مع أنه يراه مكبلاً بالأغلال …..، فإن هذا الحديث ينصب على الرجل دون المرأة التي ولدت لتكون مكبلة بأغلال الرجل وقيوده!!؟. ‏ جون استيورات مل .. النصير الليبرالي ‏ لم يبدأ إنصاف المرأة إلا مع الفيلسوف “مل” الذي دعا إلى مساواة الرجل والمرأة في كتابيه “مذهب المنفعة العامة”، و”الحرية”. ثم أفرد كتاباً خاصاً لقضية المرأة جعل عنوانه “استعباد النساء”. أعلن فيه إدانته للمبدأ الذي ينظم العلاقات الاجتماعية القائمة بين الجنسين، و كشف عن رأيه في أن صعوبة المشكلة تكمن فيما يحيط بها من مشاعر وعواطف وانفعالات. وبالرغم من أن أفكار “مل” الراديكالية عن النساء كانت غريبة في منتصف القرن التاسع عشر عن جو الأفكار بصفة عامة، فمن السهــــــــل أن نجدها مثيرة لتطور قناعاته المؤيدة لقضية المرأة ضمن جماعات متعددة من المفكرين الذين كان على اتصال بهم إبان سنوات تكوينه، من أمثال: أصحاب مذهب المنفعة العامــــــــة، وأتباع سان سيمون، وفوريه، والراديكاليين النفعيين.. كما كان على اتصال بعـــــــدد من النساء اللواتي تتناقض قدراتهن بقوة مع الأنماط الرتيبة من النساء المعاصرات. ‏ وفضــــــلاً عن ذلك، فإن “مل” يوافق على القسمة التقليدية للعمل داخل الأسرة، ويؤكد أن النساء ينبغي أن يكون لهن اختيار حقيقي في الاتجاه نحو العمل أو نحو الزواج. ‏ وعلى الرغم من أن نظرته، كانت نظرة مستقبلية تطلعية لتأييد النساء من جوانب كثيرة، فإنه لم يدرك على الإطلاق الظلم المتضمن في مؤسسات وممارسات سمحت للرجل أن يكون له استقلال اقتصادي ووظيفي وحياة منزلية وأطفال، لكنها أرغمت المرأة على أن تختار بين الاثنين، ورفضه لمناقشة الأسرة التقليدية، وما تتطلبه من النساء يضع حداً لـ “ليبراليته في الدفاع عن قضية المرأة”. ‏ المذهب الوظيفي، وقضية المرأة والأسرة ‏ تشير المؤلفة إلى أن المذهب الوظيفي للمرأة ظل مرتبطاً “بطبيعة المرأة” التي استخدمت على مر التاريخ، وحتى يومنا هذا لتبرير بقاء المرأة في مكانة غير متساوية مع الرجل، سياسياً، واجتماعياً، واقتصادياً. ولما كانت النظم السياسية، والقوانين، والمؤسسات، وعمليات التنشئة الاجتماعية، قد تبنت ذلك، فإن ذلك أدى إلى إعاقة المرأة كإنسان وشلّ حركتها. وعجزت شخصيات عن تطوير شخصيتها وإمكاناتها بحرية. ‏ إن من يدرك اليوم الصفات المتفق عليها في النساء، ومن أدرك خصائص النساء في القرن الرابع قبل الميلاد، أو في أي وقت آخر، على أنها “طبيعة المرأة”، هؤلاء جميعاً رفضوا الاعتراف بأن شخصية المرأة كانت نتاجاً للمجتمع، أو أنها على أقل تقدير قد شكلّتها المجتمعات التي عاشت فيها والتي كان الرجل هو المتحكم الأول فيها. وكما أدرك أفلاطون قديماً وجون استيورات مل حديثاً، أنه لا أحد يعرف طبيعة المرأة، واختلافها عن الرجل، ولن يستطيع أحد أن يعرف ذلك حتى يستطيع كل من الرجل والمرأة النمو والترقي، وذلك في غياب أي تفرقة بين الجنسين خلال عملية التنشئة. ‏ النساء اليوم (حسب المؤلفة) في موقف يناظر من ناحية مهمة موقف الحراس في “جمهورية” أفلاطون بتقييد عملية الإنجاب للحراس.

Leave a Comment