أ.د. أحمد محمد وهبان

النظام السياسي الايطالي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد سعود القحطاني1

النظام السياسي الايطالي
نظرة تاريخية عامه :
ان فشل نظام الحكم في ايطاليا في معالجة الكوارث الاقتصاديه التي حلت بالبلد منذ مطلع هذا القرن . خلق جوا من اليأس والقنوط عند الشعب الايطالي في اصلاح هذا الوضع بنفس الجهاز الحاكم آنذاك . مما سهل الطريق امام موسوليني لدخول روما عام 1922 وكان اول ما قام به حل الاحزاب السياسيه واباحة الحريه السياسيه لحزبه فقط . وجعل هذا الحزب اداة الدولة بعد ان سيطر على السلطة التشريعية التي خولته حق اصدار قانون يعطي المراسيم التنفيذيه التشريعيه . في حين ابقى على الملكيه بدون روح . فهو الذي يشرع وهو الذي ينفذ معتمدا على كتائبه الفاشيه ( فرق القمصان السوداء ) .
وفي اول ممارسه (لموسوليني ) للحصول على ثقة البرلمان . ألقى في المجلس خطابا قال فيه ان رفض البرلمان بمنحه الثقه فسيستولي على السلطه . ان قيام هذا النظام الفاشي في ايطاليا كان ذو أثر عظيم في رسم وصياغة تاريخ ايطاليا حتى هزيمتها في الحرب العالميه الثانيه وسقوط النظام الفاشي عام 1942 . وتم اعداد الدستور الايطالي الجديد على يد (556 ) نائبا انتخبهم الشعب لأول جمعيه تأسيسيه عام 1946 .
وسيطر على البرلمان ثلاثة احزاب سياسية هي ( الحزب الديمقراطي المسيحي – الكاثوليك ) و ( الحزب الاشتراكي ) و (الحزب الشيوعي ) وكانت هناك اربعة احزاب اخرى هي حزب الاحرار والحزب الديمقراطي العمالي والحزب الجمهوري وحزب العمل . ولم يستطع ايٌ من هذه الاحزاب الحصول على الاغلبيه المطلقه وحده في الجمعيه . وكانت هذه سمه مميزة للنظام السياسي الايطالي . هذا فضلا عن سمة عدم الاستقرار الوزاري وبالتالي شلل المؤسسات السياسيه في ان تقوم بدور فعال لتنظيم المجتمع الايطالي .
تدور اصول اللعبه السياسيه في ايطاليا بعد الحرب العالميه الثانيه الى ثلاثة اسس غير مكتوبه وهي :
1-الامتناع عن الحكم بأغلبية 51 % فقط .
2-الاتفاق على الاستبعاد وذلك لأستبعاد الحزب الشيوعي عن الحكم وقد دارت الحياه السياسيه منذ 1948 حول الاحتفاظ بتلك القاعده غير المكتوبة .
3-ان الاغلبيه النسبيه للمسيحيين الديمقراطيين توفر لهم مسؤولية الحكم
المؤسسات الدستورية والسياسيه :
وقد مارست الحكومة عملها دائما بوساطة انظمة قوانين وبذلك فقد جرد البرلمان من عملة الاعتيادي وهو تشريع القوانين المنظمه للحياه السياسيه في ايطاليا .
ومن اسباب ضعف المؤسسات الدستوريه والسياسيه عدم وجود مواد مفصلة تبين العلاقة بين رئيس الجمهوريه والبرلمان والاحزاب السياسيه مما ادى الى وجود هوة بينهما واثرت بالتالي على عمل النظام السياسي كله هذا اضافة الى سوء العلاقه بين الاحزاب السياسيه كلها . ومما زاد هذه الفوضى السياسيه هو وجود كل نوع من انواع الانظمة الانتخابية المعروفه في البلاد الاخرى مطبق في جهة من ايطاليا في انتخابات مجلس من مجالسها . وقد آتت تلك الانظمه وهذه القوانين في معظمها بأجراءات عادلة للتمثيل النسبي .
البرلمان :
نص النظام السياسي الايطالي على المبادئ التمثيليه فأذا كانت السيادة تعود الى الشعب في تمارس نيابة عنه بواسطة البرلمان الذي يحتفظ بموقع متميز قياسا ببقية مؤسسات السلطة الاخرى . تم الاتفاق على ثنائية البرلمان حيث يكون مجلسا للنواب واخر للشيوخ ومن اجل ضم اليسار الى صفوف الاتجاه الجديد كان لزاما على المشرعين ان يقبلوا فكرة تشابه المجلسين من حيث التشكيل .
ومنذ عام 1946 ومجلس النواب يتم انتخاب اعضائه عن طريق التمثيل النسبي . لهذا فقد قسمت ايطاليا الى 32 منطقة انتخابيه . اما مجلس الشيوخ فتقدم الاحزاب السياسيه مرشحا واحد لكل دائرة انتخابيه وهذا المرشح لا يتم انتخابه الا بعد حصوله على 65% من الاصوات الصحيحه . وعلى اثر صدور القانون الانتخابي الجديد عام 1994 تم الغاء ما كان معمولا به في انتخاب اعضاء مجلسي الشيوخ والنواب منذ عام 1946 . وقد نص القانون الجديد على انتخاب اعضاء المجلسين على اساس الاغلبية وليس النسبيه . وقد ادى القانون الجديد الى فك القبضة الحديديه للنظام السياسي القديم التي اطبق بها على رقبة الدولة الايطاليه كل هذه السنين مما ادى الى انهيار التسلط القديم بالاضافة الى انهيار التوازنات السياسيه القائمة على تبادل المصالح والتي كان محورها الرئيس الحزب الديمقراطي المسيحي . ويجتمع المجلسان عادة حين يعمل البرلمان كهيئة انتخابيه واحده لأنتخاب بعض المناصب العليا . كما في حالة انتخاب رئيس الجمهورية الايطاليه وانتخاب خمسة قضاة للمحكمة الدستوريه وايضا في حالة انتخاب سبعة اعضاء لمجلس القضاء الاعلى . واشد من ذلك خطورة ما يطبق في البرلمان الايطالي من اجراءات ونعني بها التصويت السري . فعلى الرغم من ان التصويت السري يجعل من العسير على ممثلي اصحاب المصالح المكتسبة شراء الاصوات . الا انه يجعل اعضاء البرلمان غير مسؤولين امام احزابهم وامام الناخبين . اما قيام اللجان بالتشريع فهذا خطر آخر اذ يسمح البرلمان للجنة صغيرة من ممثلي الشعب ( عشرة نواب ) فقط بطلب مناقشة مشروع قانون في المجلس ذاته .
رئيس الجمهورية :
ان منصب رئيس الجمهوريه في ايطاليا هو منصب شرفي فعلى الرغم من ان رئيس الجمهورية يتولى منصب القائد الاعلى للقوات المسلحة ورئيس مجلس القضاء الاعلى . فأنه لا يستطيع ان يصدر أي قرار حكومي الا بموافقة الوزير المختص بالقرار . وينص الدستور على ضرورة حصول الرئيس الجديد على ما لا يقل عن (674 ) صوتا للفوز في الدوره الاولى وذلك من اجمالي اعضاء الهيئة الناخبة والبالغ عددهم (1101) . يمثل اعضاء مجلس الشيوخ 320 نائبا . ومجلس النواب 630 نائبا . اضافة الى (85) ممثلا عن مجالس الاقاليم الايطاليه . واذا تعذر ذلك ينتقل الناخبون الى جولة ثانيه من الاقتراع وتبقى نسبة الاصوات المطلوبة (506) صوت فقط .
ولعل اهم سلطة لرئيس الجمهورية الايطاليه سلطة اختيار رئيس مجلس الوزراء قبل ان تطرح الثقه به وبحكومته امام البرلمان علما بأن رئيس الجمهورية لا يملك حق رئاسة مجلس الوزراء .

السلطة التنفيذية :
ومن المؤسسات الدستورية والسياسيه . السلطة التنفيذية الممثلة بالحكومه ( الوزارة ) . وتستعمل كلمة الحكومة في ايطاليا للدلالة على السلطة التنفيذية ( رئيس الوزراء والوزاره ) . ان تعدد الاحزاب في ايطاليا وعدم استقرار الحكومات فيها يجعلان رئيس الوزراء شخصية اقل مهابة من نظيرة الفرنسي والبريطاني . الا ان سلطاتة كرئيس وزراء تفوق بكثير سلطات رئيس الوزراء الفرنسي . الذي لايزيد على كونه جهة تنفيذية لرئيس الجمهوريه . لأن رئيس الجمهورية في فرنسا هو الذي يرأس جلسات مجلس الوزراء ويرسم سياسة الحكومة . على عكس ايطاليا اذ بعد تعيينه يتولى رئيس الوزراء منصبة . ثم يختار وزراءه . وهؤلاء بالتالي يعينهم رئيس الجمهورية . ثم على الحكومة ان تتقدم لمجلسي البرلمان للتصويت على الثقه بها . واذا اخفقت في أي وقت من الاوقات في الاحتفاظ بثقة احد المجلسين وجب عليها ان تستقيل . واشتهرت الحكومات الايطاليه بقصر مدتها كونها ائتلافيه . ففي مدة خمسين عاما بلغ عدد الحكومات خمسة وخمسين حكومة .
والوزراء الايطاليون هم عادة اعضاء في الهيئة التشريعيه كما هو الحال في اكثر الديموقراطيات البرلمانية الحره وان لم تكن في كلها .
وعلى الرغم من ان رئيس الجمهورية هو الذي يعين الوزارة . اذا لا بد للحكومة الايطاليه من ان تحصل على ثقة البرلمان . وتظل في الحكم ما دامت متمتعة برضاه .وهكذا فأن النظرية القديمه لتوزيع السلطات لا تزال قائمة في ايطاليا ومعناها ان البرلمان هو الذي يقوم بالتشريع ويصنع السياسه العامه التي يجب على الحكومة ان تتولى مهمة تنفيذها على اعتبار ان هذه هي وظيفتها الاساسيه فأذا لم يرض البرلمان في أي وقت من الاوقات عن الطريقة التي تنفذ بها الحكومة سياسته امكنه ان يقيلها . ويد الحكومة مطلقة في ميدان رسم السياسه ما دامت تحظى بثقة البرلمان .
القوى السياسية المؤثرة العلنية والسرية :
لقد اعترف الدستور الجمهوري الايطالي بالدور الاساسي للأحزاب السياسيه في النظام الديمقراطي . فنصت مادته ( 49 ) على ( حرية الانظمام الى احزاب سياسيه للمساهمة بالوسائل الديمقراطيه في تقرير السياسه القوميه حق مكفول للجميع المواطنين ) .
ومن اهم الخصائص التي تتميز بها القوى السياسيه الايطاليه هي :
1-بقاء الحزب الديمقراطي المسيحي طيلة ( 46 ) عاما هو الحزب الغالب اذ حافظ على الفوز بما يتراوح بين 40% الى 50% من مجموع اصوات الناخبين .
2-كما ظل الحزب الشيوعي اكبر حزب سياسي بعد الحزب الديموقراطي المسيحي .اذ حصل بصفة ثابته على ما يتراوح بين 20-25 % من مجموع اصوات الناخبين . والواقع ان الحزب الشيوعي الايطالي من اكبر الاحزاب الشيوعيه في اوربا الغربيه .
3-وبقى الحزب الاشتراكي الايطالي منذ سنة 1947 يشغل المرتبه الثالثه بين الاحزاب السياسيه الايطاليه . اذا حافظ على كسب ما يتراوح بين 8 % الى 15 % من مجموع اصوات الناخبين . ويتخذ هذا الحزب اتجاها يساريا يفوق اتجاه الاحزاب الاشتراكيه الكبرى في اوروبا الغربيه . وعلى الرغم من ذلك يستطيع كسب الكثير من الاصوات ومرد ذلك فصل نفسه عن الشيوعيين .
4-وفي عام 1994 ظهر حزب جديد قلب كل المعادلات والتوقعات السياسيه . والحزب الجديد هو ( فورزا ايطاليا ) . فقد شكل قبل الانتخابات العامه في مارس 1994 . وقد اكتسح بقية الاحزاب التقليدية ذات الجذور السياسيه الممتدة التي ظلت مسيطرة على الساحة السياسيه الايطاليه لعشرات السنين . وهي ظاهرة لأول مره تحدث ليس في ايطاليا وأنما في عموم اوربا الغربيه . وقد أسسه رجل المال سيلفيو برلسكوني امبراطور الاعلام الاول . وقد حصل في تلك الانتخابات متصدرا قائمة اليمين ب 22% من اصوات الناخبين . فقد اختارت الجماهير الايطاليه شخصية تتميز بالعذريه السياسيه أي بلا ماضي او تجربه . وقد ساعد في ذلك شخصيته المتفائلة وبرنامجه الوردي .
اما الاحزاب الصغيره في ايطاليا فيمكن ان تندرج في ثلاث فئات :
1-احزاب تقليدية لا يستجيب لها الا عدد محدود من الناخبين مثل حزب الاحرار والحزب الاشتراكي الوطني وحزب العمل .
2-حركات يمينيه غير متبلوره تجذب اليها ولمدة قصيره بعض الافراد مثل الحزب الدستوري والحركة الفاشيه الجديده والحركة الاجتماعيه الايطالية .
3-أحزاب اقليمية مثل حزب جنوب التيرون وحزب الاتحاد الصقلي .

Leave a Comment