أ.د. أحمد محمد وهبان

النفط العربي في الصراع العالمي

كاتب الموضوع الأصلي: غالب بن معيكل4

النفط العربي في الصراع العالمي:

-2-1: مدخل:كان نابليون يقول: “فتش عن المرأة” وهو لو عاش اليوم لربما قال: “فتش عن النفط”. فالنفط هو السبب الأهم للحرب الأمريكية/ البريطانية على العراق، وإصرار إدارة بوش على نفي العلاقة يؤكدها… الناطق باسم البيت الأبيض (أري فلايشر) الذي زعم أن “الاهتمام الوحيد للولايات المتحدة في المنطقة هو تعزيز السلام والاستقرار، وليس قدرة العراق على إنتاج النفط”… وهذا غير صحيح بالتأكيد.
إن الأحداث التي تدور مسرعة في المنطقة وبسرعة مذهلة تؤكد أن ثمة برنامجاً سياسياً لدى اليمين الجديد في الإدارة الأمريكية يريد تنفيذه، وقد بدأ هذا المسلسل في العراق، لكن أحداً لا يعرف أين يمكن أن ينتهي: وكيف؟.. لكن الواضح أن هناك تغييرات ما زالت قيد الحدوث، وستترك آثاراً ضخمة لا أحد يعلم من ستطال، وكيف ستكون، فالتغييرات تتسارع، واللاعب وحيد لا عقل له كما يعتقد البعض، استناداً إلى الرغبة التدميرية التي تحكم تصرفاته، وتجرده من إنسانيته، وهو يفرض حصاراً هنا، ويقتل هناك، ويهدد بعصاه الغليظة بحنكة وذكاء ودهاء، له هدف محدد هو السيطرة.. أو بالأحرى إحكام السيطرة على العالم، وتأديب المارقين على سياسته.. ومع هذا اللاعب الوحيد شريك لا يقل عنه عنفاً وحرصاً على القتل اليومي لشعب فرض عليه الدمار والعذاب والتشريد.. هو الشعب الفلسطيني، إضافة إلى تابع هنا أو هناك خوفاً، أو طمعاً أو اقتناعاً!!.. واللاعب الرئيسي هو حاكم البيت الأبيض وإدارته الذين يريدون اليوم كما في عهد الرئاسة السابقة وما قبلها، أن يكون القرن الحادي والعشرين أمريكياً، وأن يصبح العالم تحت الهيمنة الأمريكية، يأمر الكابوي فيطيع القطيع، حيث اختزل هذا الكابوي الأمريكي قضايا المنطقة العربية بثلاثة أمور هي:
أ- النفط وتأمين منابعه وخطوط نقله وإمداداته.
ب-ضمان أمن الشريك والحليف (إسرائيل) وتفوقها من خلال تسويات تتم حسب المفهوم الأمريكي الإسرائيلي.
ج- إقامة نظم عربية بديلة للنظم التي تقاوم مخططاتها، وضمان أمن الدول العربية التي تصفها واشنطن بالمعتدلة.
وكل ما يقال عدا ذلك عن مصالح الشعوب، وحريتها، ونشر الديمقراطية في دولها، وحقوق الإنسان فيها، يفتقر إلى دليل حقيقي تظهره الممارسات اليومية للإدارة الأمريكية، وتؤكده خططها الاستراتيجية للمنطقة والعالم، بعد أن طغى على العقلية الأمريكية هاجس بأنها القوة السياسية والعسكرية الوحيدة في العالم… وشرعت بتصفية حساباتها كما بدأت العمل على تنفيذ خطط فرض هيمنتها… وبدأت تتبلور العناوين المرشدة لسياساتها وعنوانها الرئيسي هو: “من ليس معنا فهو ضدنا”.. وقد تجمعت وبمحض (المصادفة) كل القوى التي ترفض أن تنقاد لأمريكا في المناطق الغنية بالنفط في العالم، من أفغانستان المتاخمة لبحر قزوين وإيران، إلى العراق، إلى ليبيا وغيرها، وهؤلاء الذين ليسوا مع أمريكا يمكن أن يهددوا مصادر الطاقة… وبعض أنواع التهديد يمكن أن يكون وضع سعر عادل للنفط رغم أنه حتى نهاية عام 2002م كان أقل من خمسة دولارات بأسعار عام 1973م.. وقد سهلت أحداث 11 أيلول /سبتمبر إلصاق تهم الإرهاب، وامتلاك أسلحة دمار تهدد الجيران بهذه الدول، فصارت (دولاً مارقة) وشكلت (محوراً للشر)… وهكذا يمكن تحديد عناوين فرعية للسياسة الأمريكية تندرج تحت العنوان الرئيسي أعلاه وهذه العناوين في:
أ- تطويع الدول (المارقة).
ب- الإعلان أن الحرب لا تزال في بدايتها.
ج- الدفاع عن مصالح الولايات المتحدة… ومنها بالطبع مصلحة الحصول على نفط رخيص، ومنع أي تهديد باستخدامه في أي صراع تخوضه الأمة العربية.. وربما أكد أهمية هذا العنوان بعض ما تمَّ الحديث عنه خلال الأشهر القليلة الماضية من ضرورة استخدام النفط العربي وتوظيفه لخدمة مصالح الأمة العربية، ولدعم انتفاضة الشعب الفلسطيني الباسل، لذلك تجد الإدارة الأمريكية أنه لا بد من وضع حد لمثل هذا التفكير بالسيطرة على النفط في منابعه وإمداداته ومصباته.
د- ضمان أمن الشريك والحليف الاستراتيجي (إسرائيل).
هـ-وضع خريطة جديدة للمنطقة جغرافياً، وسياسياً، تترجم الأهداف الإسرائيلية في تهجير الفلسطينيين والهيمنة الاقتصادية على المنطقة، وخدمة المصالح الأمريكية.
ولا يخجل بعض رعاة ودعاة الفكر اليميني الأمريكي من الإعلان صراحة عن بعض هذه العناوين.. حيث يقول (جيمس ويلسي) المدير الأسبق لوكالة المخابرات الأمريكية في محاضرة له ألقاها في جامعة أكسفورد البريطانية بعنوان (الحرب على الإرهاب):
“يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تعمل لإزالة الأنظمة العربية الحالية”، و “إن الولايات المتحدة عازمة على تكرار تجربة أوروبا الشرقية في منطقة الشرق الأوسط”.
أما قادة الشريك /الحليف الكيان الصهيوني فهم أكثر صراحة، فقد كانوا دائماً يستعجلون الولايات المتحدة لشن حرب على العراق وفرض خريطة جديدة في المنطقة.. فقد قال (موشيه يعلون) رئيس الأركان الإسرائيلي قبل الحرب بفترة قصيرة:
“تكمن فرصة إزاحة العراق من الخارطة كبلد كونه يمثل خطراً حقيقياً على (إسرائيل) فضلاً عن ذلك فإن هذا سيكون كفيلاً بإضعاف كل من سورية وإيران وحزب الله”..
أما فيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية كعنوان آخر مرشد للسياسة الأمريكية فإن النفط يأتي من مكانة القلب من هذه المصالح، وقد شكلت الحملة الأمريكية على أفغانستان بداية تغييرات على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة، بالنسبة إلى النظام النفطي القائم في العالم، فالوجود الأمريكي عند بطن جمهورية روسيا الاتحادية وفي أراضي جمهوريات آسيا الوسطى، سوف يؤدي لتدعيم الهيمنة الأمريكية على مسارات نقل النفط والغاز من مناطق القوقاز، وبحر قزوين، وسيؤثر ذلك مستقبلاً على نظام تسعير النفط والغاز، وعلى فاعلية منظمة أوبك في توجيه الإنتاج خفضاً أو ارتفاعاً، هذا إذا لم يتم تهميش المنظمة بشكل فعلي، خاصة وأن الولايات المتحدة بحاجة متزايدة إلى النفط، حيث زادت الكميات المستهلكة من 4 مليون و 286 ألف برميل يومياً عام 1985م وهو ما يعادل حوالي 27.3% من الكميات المستهلكة إلى 10.05 مليون برميل يومياً عام 2000 وهو ما يعادل 51.6 من الاستهلاك الأمريكي… وهذا ما رفع فاتورة الواردات النفطية الأمريكية إلى ما بين 80-100 مليار دولار سنوياً، وإذ يتوقع أن يرتفع استهلاكها بحلول عام 2020م إلى حوالي 26 مليون برميل يومياً بينما لن يتجاوز إنتاجها 9 ملايين برميل فإنها ستعتمد كثيراً على الاستيراد وبنسبة ترتفع إلى 65% تقريباً. مما يعني ضرورة التفكير بالنفط… وأن يكون هذا النفط رخيصاً. وذلك لا يتم إلا بالسيطرة على الأسعار مباشرة أو غير مباشرة.
2-2: السياسة النفطية الأمريكية:تدرك واشنطن أن طاقة النفط هي الأرخص، وأن إنتاج طاقة بديلة ما زال في إطار البحث، لكنه لن يتقدم إلا إذا تضاءل الاحتياطي النفطي في العالم، وارتفعت الأسعار بما يتناسب مع كلفة إنتاج بديل للنفط، لذلك فمهما قيل عن الطاقات البديلة للنفط كالغاز واحتياطياته الهائلة في دول عديدة، أو الطاقة النووية، أو غيرها، سيبقى النفط ركيزة أساسية من ركائز النهوض الاقتصادي العالمي وتطوره ولا بديل عن النفط ولعقود طويلة كمصدر للطاقة، وكدعامة للاقتصاد.. وسيظل النفط الوقود الرئيسي في العالم إلى فترة متقدمة من القرن الحادي والعشرين، لما يتحلى به من خصائص اقتصادية وفنية ومرونة في تجارته.. وآفاق واسعة في تحسين وتطوير تقنياته بما يتلاءم مع متطلبات البيئة ومع توقع زيادة اعتماد العالم على المواد الهيدروكربونية من دول الشرق الأوسط أعضاء (أوبك)، وقياساً على ذلك فإن أي انتعاش اقتصادي في العالم سيكون مهدداً في حال شح إيرادات النفط، أو إنتاجه، وهذا ما أشارت إليه إدارة معلومات الطاقة الأمريكية عند مطالبتها (أوبك) في حزيران 2002م بضرورة زيادة إنتاجها من النفط بمقدار مليون برميل يومياً خلال النصف الثاني من السنة… وحذرت بأن عدم استجابتها لذلك سيحبط الانتعاش المنتظر في اقتصاديات الولايات المتحدة والعالم… وكما سبقت الإشارة فإن الولايات المتحدة تعتمد في توفير احتياجاتها من الطاقة النفطية على الاستيراد، حيث وصلت نسبة الاستيراد إلى الإنتاج عام 2000 إلى نحو 52% من حوالي 27.3% عام 1985م، وستظل إلى ما بين 63-65% عام 2020م. ولهذا أطلقت السياسة المعتمدة حالياً في المجال النفطي في عهد إدارة (جورج بوش) بعد أحداث أيلول 2001م التي حمَّلت فيها واشنطن العرب والمسلمين مسؤولية هذه الهجمات، وذهب الجناح المتشدد في الإدارة الأمريكية إلى القول: إن النفط العربي هو المسؤول من خلال تمويل ما أسماه العمليات الإرهابية سواء التي نفذت في نيويورك أو واشنطن، أو نصرة الفلسطينيين، وتمويل عملياتهم الاستشهادية، وهو سلاح يمكن استخدامه في المقاطعة، وفي الصراع العربي الإسرائيلي، وقد شدد الرئيس الأمريكي في سياساته المعلنة على ضمان تدفق النفط إلى بلاده، وإلا واجه الولايات المتحدة تهديد خطير لأمنها القومي… وهذا التهديد ناشئ كما ألح (بوش) في حينه عن حجم مستوردات الولايات المتحدة المتزايدة… فالأمريكيون لا يشكلون أكثر من 5% من عدد سكان العالم، لكنهم يستهلكون حوالي 25% من نفطه، وبلغ عام 2001م نحو 19 مليون و 600 ألف برميل يومياً، في حين أن الإنتاج الأمريكي في ذلك العام لم يتجاوز 7 ملايين و 700 ألف برميل يومياً، وبسبب هذا الواقع يضع الرئيس (بوش) نصب عينيه السيطرة على النفط، وأنابيبه، وضمان إمدادات ثابتة وبأسعار رخيصة، ضماناً للأمن الاقتصادي والعسكري الذي يبحث عنه.
وكان (بيل ريتشاردسون) الأمين العام لحلف الأطلسي، ووزير الطاقة الأمريكية السابق قد حدد بوضوح ركائز السياسة النفطية الأمريكية الحالية كما يلي:
1- معارضة أي خفضٍ في حجم الإنتاج النفطي بهدف رفع الأسعار؛ لأن ذلك –برأيه- يحمل خطراً كبيراً يؤدي لضغوط تضخيمه تبدأ وتطيل حالات الركود بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.
2- اعتماد الولايات المتحدة على الآخرين في مجال الطاقة ثابت وأكيد، فنصف ما تستهلك أمريكا من النفط مستورد، وأيضاً تستورد ربع ما تستهلكه من الغاز الطبيعي، وبالتالي على الإدارة الأمريكية إعادة (تدقيق) سياستها تجاه الشرق الأوسط، ومراجعة ضرورات وأولويات الأمن القومي للبلاد.
لكن ما يمكن استنتاجه من علاقة الولايات المتحدة بالدول والمناطق التي تأمل أن تتحول إليها كمناطق بديلة للنفط العربي أنها ملأى بالتعقيدات والأخطار، وبالتالي ستبقى سياسة واشنطن الرامية للبحث عن بدائل للنفط العربي سياسة غير واقعية وغير عقلانية، ستبقى واشنطن بحاجة إلى النفط العربي، بالتالي سيبقى النفط العربي ولعقود طويلة مقبلة، متربعاً على عرش النفط العالمي، وكل ما يقال عن خطط وبدائل للنفط العربي ما هو برأينا إلا تضليل وخداع الرأي العام لصرف نظره عن الهدف الحقيقي للحرب الأمريكية على العراق، وما يؤكد هذا ما قاله السيد (بول هورسينل) مدير أبحاث الطاقة في مجموعة (جي. بي. مورغان) المصرفية الاستثمارية الأمريكية، عندما قدم ورقة عمل هامة أمام مؤتمر: “الطاقة… عصر جديد ونظام حكومي ومؤسسي جديد” الذي انعقد في لندن في شباط 2002، برعاية المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية (شاتهام هاوس)، حيث أكدت هذه الورقة على ما يلي:
1- إن الحديث على احتمال أن يصبح نفط بحر قزوين وروسيا مصدراً رئيسياً ووحيداً للطاقة بالنسبة للولايات المتحدة، وأن يحل محل المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى الأعضاء في أوبك، هو كلام “هراء… وكلام فارغ”.
2- ستظل المملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج المصدر الرئيسي للنفط للولايات المتحدة خصوصاً، والغرب عموماً.
إن الولايات المتحدة ومنذ اكتشاف النفط في حقل (كركوك) العراقي عام 1927م، وما تبع ذلك من اكتشافات في الدول الخليجية الأخرى كالكويت والسعودية، وحتى عام 1973م وهي تحتكر النفط وصناعته، ولكن وبعد عام 1973م وعندما جرى ولأول مرة استخدام العرب لأحد أهم ثرواتهم كسلاح سياسي واقتصادي للدفاع عن قضاياهم، أدرك العالم أن النفط هو المحرك الرئيسي للاقتصاد الدولي واقتصاد الدول الصناعية، التي كانت و لا تزال تستفيد منه بشكل رئيسي لخدمة مصالحها أكثر من خدمة مصالح الدول التي تنتجه وتصدره… ومع مطلع القرن الحادي والعشرين وتزايد الحاجة الأمريكية للنفط، وما تأكد فعلياً من أنه لا بديل للنفط العربي، بدأت تعمل لفرض هيمنتها على مصادره، خاصة وأنه ذو مخزون ضخم، وسهل الاستخراج، ورخيص التكلفة… حيث تملك ست دول فقط، منها أربع دول عربية القدرة من حيث الاحتياطيات وفائض الإنتاج القابل للتصدير على الوفاء بالزيادات في احتياجات ومتطلبات الاستهلاك العالمي، وهي: السعودية، الإمارات، الكويت، العراق، أما الدولة الخامسة فهي إيران، وتأسيساً على ما سبق فإنه يمكن رؤية الحقيقة أن ذلك في صلب اهتمامات وأولويات الطاقم الأمريكي الحاكم ذي الخلفيات النفطية.

Leave a Comment