“الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح” ومشكلات السياسة في مصر
كاتب الموضوع الأصلي: منصور العتيبي 3332
في ظل نظريات التحدي والاستجابة، تشهد مصر حالة من التحولات السياسية تعبر عن الحراك الاجتماعي، فقد تكونت “الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح”، كتجمع لعلماء ودعاة أهل السنة والجماعة والشخصيات العامة، وذلك لتدعيم أواصر العلاقة بين الدعاة على أساس من هدي الإسلام ومراتب الإيمان والنصح والإرشاد والتعاون في نطاق مساحات الاتفاق للتعامل مع مستجدات الواقع، غير أن مسارات نشاط الهيئة يلقي بظلال على مسار تحقيق أهدافها في مستوياته المختلفة؛ الدينية والاجتماعية والسياسية، فرغم تطلع الهيئة للعمل كملتقى لمدارس الاجتهاد المختلفة، فإن دورها السياسي يشكل تحديا لتحقيق وظيفتها العلمية والإصلاحية.
أهداف الهيئة
يمكن القول إن الهيئة تحاول الوصول لفكرة “الجامعة الإسلامية”، حيث يشير الميثاق للسعي لتجميع الطوائف والمصالح لتكون منبراً للمدارس الإسلامية المختلفة وتقديم مصلحة الأمة على المصالح الحزبية والشخصية، وضبط الخلاف بضوابطه العلمية والعملية والأخلاقية، للوصول لاجتماع التيارات في تيار واحد يحترم خصائص الأفراد والجماعات، كتمهيد لترسيخ التنوع الفكري والديني والسياسي في المجتمع المصري.
وقد وضع الميثاق نظاماً لحقوق الأئمة والعلماء، وفيما اختزل حقوق الأمة في النصح ومساندة تصرفات وقرارات العلماء، كان من اللافت أن ركز الميثاق على وجوب السمع والطاعة للعلماء، ويبدو أن الميثاق انصرف إلى التداخل مع مؤسسات الدولة عندما اعتبر أن الهيئة تسعي للعمل كجهة استشارية للسلطة التشريعية كإحياء لدور العلماء في تدعيم الحريات وتحقيق الإصلاح.
وكان من الأولى في هذه الجزئية، أن يشير الميثاق إلى سياسات إصلاح المؤسسات الرسمية باعتبارها جهة الإلزام في المصالح العامة، ويتداخل مع هذه المسألة ما صار يعرف بالدور السياسي للمؤسسات الدينية، حيث زادت نزعة المنظمات الأهلية للانخراط في العمل السياسي وتبني خيارات دون أخرى، وهي مسألة لا يمكن مناقشتها فقط من وجهة المكون السياسي في الإسلام بقدر ما تتعلق بابتعاد المنظمات عن الحزبية والتحيز لمواقف دون أخرى.
وقد عرّفت الهيئة نفسها كهيئة علمية إسلامية وسطية مستقلة، تتكون من مجموعة من العلماء والحكماء والخبراء، وقد جاء تكوين الهيئة الشرعية في سياق الجدل حول مسار الفترة الانتقالية؛ حيث تمر مصر بتحولات كبرى تستوجب المشاركة الفعالة من جانب العلماء والحكماء لتحقيق الوحدة والاجتماع، والمشاورة في المستجدات، ولكنه رغم توضيح أن دور الهيئة هو ملتقى للتداول حول المسائل العامة وإبداء الرأي فيها، فقد ذهب البيان التأسيسي للمماثلة بينها وبين أهل الحل والعقد، وهو ما ينقل الرأي من باب المشاورة لمستوى الإلزام الديني والسياسي، وذلك رغم غياب العديد من الشروط اللازمة لممارسة هذه الوظيفة، حيث تعتبر الهيئة الإصلاح تجمعاً اختيارياً يُعبِّر عن تطلعات أعضائه المشاركين فيه ولا تمتد آثاره لمؤسسات الدولة أو لغير المشاركين فيه، لا يغير من ذلك وجود تجمع للعلماء حيث يظلون تعبيراً عن جانب من الاجتهادات لا يصادر الاجتهادات الأخرى.
لعل تعريف أهداف الهيئة الشرعية يُثير إشكالية العلاقة ما بين المؤسسات الدينية في الدولة والتي تتمثل الصلاحيات الدستورية للأزهر وهيئة كبار العلماء، ودار الإفتاء وتجمعات العلماء غير الرسمية وفرص بلورة التنوع، هذه المسألة لا تتعلق بأصول التوافق والاختلاف حول المسائل المعروضة بقدر ما تتعلق بقضية ولاية الدولة ومؤسساتها الدينية على الأفراد ودور الجمعيات الأهلية.
تركيبة العضوية
وبالنظر لطبيعة العضوية، كان من الملاحظ أن “الهيئة الشرعية” سعت لتنويع عضويتها، لتجمع بين علماء الشريعة والعلوم الاجتماعية والدعاة والمهنيين في التيارات والحركات الإسلامية بمختلف توجهاتها، من أكاديميين وباحثين ودعاة ومحامين ومستشارين ومعلمين وأطباء وغيرهم؛ والمنخرطين في الحركات السلفية وعلماء الأزهر وجماعة أنصار السنة المحمدية، والإخوان المسلمين، بالإضافة للمستقلين.
وخلال الشهر الأول تجاوزت العضوية أكثر من ثمانين رمزًا من رموز الحركات الإسلامية وبلغت 109 عضواً، وكان من اللافت توقيع العديد من الحركات الإسلامية على بعض البيانات بجانب “الهيئة الشرعية”، وهي «الدعــوة السلفية»، «الإخــوان المسلمـون»، «جماعــة أنصــار السنـة المحمـدية»، «الجماعـة الإسـلامية»، «مجلس شـورى العلماء»، «رابطة علماء أهل السنة»، «جبهة الإرادة الشعبية»، «ائتلاف شباب مصر الإسلامي»، «حزب الحرية والعدالة»، «حزب النور»، «حزب الإصـلاح»، «حزب الأصالة»، «حزب البناء والتنمية»، ورغم أن هذه الكتلة تشكل التيار الرئيسي في السياسة المصرية، فإنها لا زالت تعمل دون إطار مشترك يساعدها في التصدي لكثير من القضايا. وهي بشكل عام، تشكل العصب التنظيمي والفكري للهيئة الشرعية.
الدور السياسي
غير أن الأهداف المتعلقة بالعمل المشترك، صارت تتصادم مع تحيزات الهيئة سواء فيما يتعلق بالانتقادات الموجهة لحركات الشباب في يوليو 2011 بسبب الاعتصام بميدان التحرير واعتبرت أنه “..انسياق وراء مآرب (أجندات) خاصة، بدون الرجوع إلى الاتفاق والوفاق مع أهل العلم والرأي في الأمة”، فيما دعمت الهيئة الشرعية المجلس العسكري في بياناته الصادرة يومي 11/7/ 2011 و12/7/2011، وناشدت “المصريين بالالتزام بمضمونها وتفويت الفرصة على مثيري الفتن ومروجي الكذب والشائعات، والإنصات إلى صوت العقل والحكمة، وألا تتحول مطالبهم إلى نوع من الغوغائية المرفوضة أو الفوضى المشبوهة”.
وبشكل عام، يلاحظ على البيانات الصادرة عن الهيئة أنها ظلت تتناول المصالح العامة للمجتمع والدولة لأجل استكمال مكتسبات الثورة، لكنه فيما يتعلق بالموقف من حركات الشباب وانتخابات الرئاسة اتجهت لتفضيل خيار دون آخر، ومناقشة هذه المسألة لا تتعلق بطريقة الاختيار وآثاره ونتائجه، ولكنها تتعلق بخروج الهيئة عن السياق الفكري العام الذي وضعته لنفسها بأن تكون حركة أو ملتقى جامعا للأفكار الإصلاحية لنشر قيم الفضيلة واحترام التنوع والثراء الفكري.
وقد صارت الهيئة تميل لتبني واحد من الخيارات السياسية، وخاصة عندما عرضت رؤيتها لقرار تأييد مرشح حزب “الحرية والعدالة” لانتخابات الرئاسة، هذه الاختيارات تثير إشكالية العلاقة بين اتساع الخيارات الفكرية والفقهية والانحسار نحو خيار موقف سياسي يميل للحزبية، ووفقا للميثاق كان من باب أولى تجنب الانحياز للخيارات والتفاصيل السياسية والاقتصادية التي يتبناها أي حزب أو تيار فكري، حيث كان من اللافت أن يشير الميثاق إلى أنه من المهام الأساسية إقامة علاقات رشيدة بين الدعاة وتبني الخيارات التي تجمع ولا تفرق.
ولذلك يكون إدراج الخيارات السياسية – كاختيار مرشح الرئاسة – متعارضاً مع طبيعة “الهيئة” والتي توضحه (م42) من اللائحة الداخلية عدم الانضمام على أساس حزبي، ومن ثم فإن التحيز لخيارات حزبية سوف يؤدي لانخراط الهيئة في الحزبية السياسية وظهور مبدأ الأغلبية والأقلية والتحيز لدعم خيار الهيئة بغض النظر عن مدى حجيته وصلاحيته للدولة والجماهير.
ومن ثم، يُعدُّ ترجيح الهيئة الشرعية للمرشحين في الانتخابات والاستمرار في اتخاذ مواقف سياسية، لم تكن معبرة فقط عن التحيزات الفكرية أو السياسية ولكنها صارت تعكس اختلاف المواقف الداخلية فيما بين تيار الإخوان المسلمين والتيار السلفي، فإذا ما أخذنا الانتخابات الرئاسية كنموذج، فمع اشتداد الحملة الانتخابية، انخفض مستوى التوافق داخل الهيئة حول الموقف من انتخابات الرئاسة، وهناك العديد من المواقف الأخرى التي صارت تشكل تهديدا لكيانها.
ونظراً لتنوع العضوية وتنامي التنافس بين الحركات السلفية وجماعة الإخوان المسلمين، صارت الهيئة أمام تحدي التماسك وانبعاث الخلافات الفكرية، حيث انصرف بعض أعضائها للتعبير عن تفضيلاتهم الخاصة بتأييد أحد المرشحين لرئاسة الجمهورية، وهو ما قد يضع حداً لتطور الخبرة الوسطية التي كان ينشدها الكثير من الحركات الإسلامية، وهو ما يشكل تحدياً للفكر السياسي الإسلامي، حيث صار من المطلوب وضع إطار لإدارة النقاش العام حول الإصلاح والتعاون والتكامل كشرط لبعث نهضة جديدة تتجنب العثرات.
وفي الوقت الراهن، تواجه الهيئة الشرعية تحديات من جانبين: الأول ما يتعلق بعلاقتها مع الأزهر ومدى تعاونها وتلاقيها مع توجهاته، وخاصة بعد تعزيز وضعه الدستوري والسياسي، غير أن التحدي الأكثر أهمية، هو ما يتعلق بالخلاف السياسي بين التيار السلفي والإخوان المسلمين، فالخلاف بين هذين التيارين وحزبي “الحرية والعدالة” و”النور”، يهدد كيان الهيئة وذلك باعتبار حجم التمثيل في عضويتها وانتشارهما الشعبي.
وإذا ما كان الدور الأساسي للهيئة الشرعية يتمثل في انفتاح العلماء على كل المعارف العلمية والتلاقي بين العلوم الشرعية والاجتماعية لتطوير لدولة والمجتمع، فهذا الوضع لا يساعد على تحقيق أهدافها في تقديم اقترابات جديدة ومختلفة للمسائل الفكرية والفقهية.