الولايات المتحده وحفظ السلام في افغانستان
كاتب الموضوع الأصلي: سليمان الناصر 8
لم يكن الحادث المروع الذى تعرض له قوات حفظ السلام الدولى فى أفغانستان فى 7 يونيو الماضى والذى راح ضحيته أربعة جنود ألمان كما أصيب 29 آخرون هو الحدث الأول فى سلسلة الهجمات التى تتعرض لها قوات حفظ السلام والقوات الأمريكية فى أفغانستان والتى ينسب أغلبها إلى بقايا حركة طالبان وتنظيم القاعدة وهذه الحوادث تثير عدة تساؤلات ترتبط بعملية تحقيق الأمن والاستقرار فى أفغانستان فى ظل الوجود العسكرى الأمريكى تتركز فى:
أولا: ما هى طبيعة الدور الذى تقوم به قوات حفظ السلام فى أفغانستان ومدى ارتباطه بالوجود العسكرى الأمريكى ثانيا: ما هى حقيقة الأوضاع السياسية والأمنية فى أفغانستان عقب الحرب الأمريكية ومدى انعكاسها على عملية السلام
ثالثا: الرؤية الأفغانية للوجود الأجنبى فى أفغانستان
أولا: قوات حفظ السلام والمصالح الأمريكية:
عقب نجاح الحملة العسكرية الأمريكية فى القضاء على حكم طالبان فى أفغانستان ودخول قوات تحالف الشمال إلى العاصمة الأفغانية كابول فى 14 نوفمبر عام 2001 وجه السفير الأخضر الابراهيمى ـ المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى أفغانستان ـ الدعوة إلى الأمم المتحدة لتشكيل قوة أمنية بسرعة فائقة تتمتع بدعم المنظمة الدولية فى محاولة لإحداث ضبط إيقاع التطور السياسى فى أفغانستان فى ضوء المتغيرات العسكرية والمتلاحقة التى وقعت فى هذه الدولة وفى 15 نوفمبر عام 2001 صوت مجلس الأمن الدولى بالإجماع على قرار يدعم جهود الأمم المتحدة لإقامة سلطة مؤقتة فى أفغانستان ويمهد الطريق لنشر قوات دولية متعددة الجنسيات لحفظ الأمن فى هذه الدولة وفى 20 ديسمبر 2001 أقر مجلس الأمن بالإجماع وطبقا للقرار رقم (1386) مبدأ إرسال قوة أمنية دولية متعددة الجنسيات لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد إلى كابول والمناطق المحيطة بها تتولى المملكة المتحدة البريطانية قيادتها فى المرحلة الأولى (1) وبالفعل تم تشكيل قوات حفظ السلام لتضم نحو 4700 جندى من 22 دولة وهى مكلفة بمساعدة السلطات الأفغانية على حماية الأمن فى العاصمة كابول وضواحيها وقد تولت قيادتها فى البداية بريطانيا ثم أعقبتها تركيا بعد ستة أشهر من تشكيل القوات وفى فبراير عام 2003 أصبحت قوات حفظ السلام تحت قيادة ألمانية هولندية مشتركة أما موقف الحكومة الأمريكية من قوات حفظ السلام فى أفغانستان والمعروفة باسم (إيساف) فقد عكس التناقض والازدواجية التى تعانى منها إدارة الرئيس بوش فمن ناحية أدرك المسؤولون الأمريكيون أن المهام التى ستوليها قوات حفظ السلام فى أفغانستان مهام فى غاية الصعوبة ولكنها ضرورية فى ظل الأوضاع المضطربة فى هذه الدولة وتأكدت الولايات المتحدة أن قوات حفظ السلام على الرغم من أنها قوة صغيرة إلا أنها مختارة بشكل جيد من قبل المنظمة الدولية فهذه القوات تتميز بالتدريب الجيد والقوة خاصة القوات المسلحة التابعة للدولة القائدة لقوات حفظ السلام ولكن من ناحية أخرى أبعدت الولايات المتحدة الأمريكية قواتها عن عمليات حفظ السلام وذلك لاستخدام هذه القوات فى مهام تراها الإدارة الأمريكية أكثر حيوية وفى مقدمتها الحفاظ على الأمن القومى الأمريكى كما أن جميع المسئولين فى الإدارة الأمريكية وعلى رأسهم وزير الدفاع الأمريكى دونالد رامسفيلد يرون أن القوات الأمريكية مجهزة ومدربة للاشتراك فى الحرب أكثر من قدرتها على المشاركة فى عمليات حفظ السلام وبالتالى ليس من الضرورى مشاركة هذه القوات فى أعمال غير عسكرية مثل حفظ السلام والتى تستطيع قوات دول أخرى القيام بها كما يرى هؤلاء المسئولين فى نفس الوقت ضرورة امتلاك القوات الأمريكية داخل أفغانستان لحرية الحركة بحيث تستطيع التدخل لتحديد مهام حفظ السلام فى كابول، وأن تقوم قوات حفظ السلام بتنفيذ هذه المهام فى إطار الحرب الأمريكية ضد الإرهاب وفى المقابل تمد القوات الأمريكية قوات حفظ السلام بالدعم المادى والاستخباراتى والاتصالات كما تستطيع حمايتها فى حالة تعرضها لأية هجمات مفاجئة ومع مرور الوقت يزداد الضغط على إيساف للعمل على نشر قواتها خارج العاصمة الأفغانية كابول فى ظل تأكيد كل من:
حامد قرضاى رئيس الحكومة المؤقتة فى أفغانستان والأخضر الإبراهيمى الممثل الخاص للأمم المتحدة فى أفغانستان والمنظمات غير الحكومية التى تقدم مساعدات للدولة الأفغانية على قدرة قوات حفظ السلام على إيصال المساعدات الإنسانية للأنحاء المختلفة فى البلاد وإمكانية تدخلها للحد من الصراع الدائر بين أمراء الحرب وفى مايو عام 2002 اقترح بعض أعضاء الكونجرس من الديمقراطيين أن تعيد الإدارة الأمريكية تفكيرها فى دورها فى حفظ السلام داخل أفغانستان وأن تقوم بالدور الأكبر فى تحقيق الأمن والاستقرار فى جميع أنحاء هذه الدولة كما أيدوا تعهد الولايات المتحدة بإرسال موارد ضخمة لمساندة توسيع مهمة حفظ السلام فى أفغانستان فالمسئولين الأمريكيين يؤيدون فكرة انتشار قوات حفظ السلام خارج العاصمة الأفغانية كابول ولكن دون تورط الولايات المتحدة فى مهام هذه القوات هذا على الرغم من قيام الإدارة الأمريكية مؤخرا بسحب عرضها بدعم انتشار قوات حفظ السلام خارج العاصمة كابول بعد التقرير الذى أعدته وزارة الدفاع الأمريكية وقدمته للكونجرس وتناولت فيه الطبيعة الجغرافية الوعرة التى يصعب معها انتشار عمليات حفظ السلام وقد دعم هذا التقرير ما أعلنته وزارة الدفاع الأمريكية سابقا من أن الانهيار الذى وقع فى عام 2001 داخل أفغانستان يمكن أن يورط قوات حفظ السلام فى القتال الدائر داخل الدولة (2) وعلى الرغم من رفض الإدارة الأمريكية مشاركة القوات الأمريكية بصورة رسمية فى عمليات حفظ السلام فى أفغانستان إلا أن هذه القوات شاركت فى تنفيذ مهام تدعم عملية السلام حيث تنتشر هذه القوات فى عدد من المناطق داخل الريف الأفغانى ومنذ بداية الحرب والجنود الأمريكان يقومون بتحديد الاحتياجات الإنسانية للقرى الأفغانية وتنظيم عملية وصول هذه المساعدات إليها كما أن عدد من الجنود الأمريكان اندمجوا مع السكان الأفغان للحصول على معلومات خاصة بالعنف السياسى والأسلحة المخبأة حيث صادرت القوات الأمريكية عدد من هذه الأسلحة وشاركت فى التدريبات الأولية للجيش الوطنى الأفغانى الجديد ثانيا:ـ الوضع السياسى ما بعد الحرب:
شنت الولايات المتحدة حربها ضد أفغانستان داخل إطار واسع أطلقت عليه الحرب ضد الإرهاب الدولى ونجحت فى أن تحشد لهذا الهدف تحالفا دوليا دعم حملتها العسكرية ضد أفغانستان وساعدها فى تعقب أعضاء تنظيم القاعدة فى دول العالم المختلفة وبمساعدة فعالة من الجبهة الموحدة لتحالف الشمال الأفغانى المناوئ لحركة طالبان واستطاعت الحملة الأمريكية إسقاط نظام طالبان وإقامة حكومة مؤقتة مكانه وبالرغم من أن القوات الأمريكية استطاعت تحقيق قدر كبير من أهدافها فى أفغانستان إلا أنها لم تستطع حتى الآن القبض على زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن أو زعيم حركة طالبان الملا محمد عمر وقد انتشرت قوات التحالف الغربى بقيادة القوات الأمريكية المتواجدة فى أفغانستان (غير قوات الأمم المتحدة) فى كل المناطق الأفغانية من الشمال إلى الجنوب والوسط والجنوب الغربى فتمركزت فى مزار الشريف (المنطقة الشمالية) ومطار باجرام الجوى (شمال كابول) وفى (كابول العاصمة) وولاية ننجرها (المنطقة الشرقية) وفى ولاية باميان (المنطقة المركزية) وولاية لوجر (المنطقة الجنوبية الغربية) (3) وبذلك أحكمت السيطرة الأمريكية على أفغانستان وقد أنشأت القوات الأمريكية بعض مراكز التدريب فى مختلف مناطق أفغانستان يدرب فيها بعض الأفغان على جمع المعلومات ويساعدهم فى ذلك الشيعة أكثر من غيرهم وتقوم قوات التحالف بمهمتين أولهما هى البحث عن أفراد طالبان وأتباع تنظيم القاعدة فى المناطق الشاسعة غير الآهلة وفى هذه الولايات يستأجرون بعض الأفراد المحليين يتجولون فى المناطق الجبلية والصحراوية والطائرات الحربية والهليوكوبتر تحلق عليهم لمساعدتهم فى حالة شعورهم بالخطر أما المهمة الثانية فهى تدمير الأنفاق والمغارات والمراكز التى كان المجاهدون قد أنشئوها فى فترة الجهاد ضد القوات السوفيتية، لئلا يأوى إليها عناصر من القاعدة أو حركة طالبان كما وزعت القوات الأمريكية تليفونات (ستالايت) للمرتبطين بها فى مختلف الولايات الأفغانية ويتعرض للقصف الأمريكى كل من يزعم من هؤلاء أنه من أتباع القاعدة أو من حركة طالبان وكثيرا ما يستغل ذلك فى مناطق مختلفة فتدمر قرى بأكملها بسبب نزاعات فردية وبالنظر للخريطة السياسية التى ظهرت بعد انتهاء الحرب نجد أن أفغانستان رجعت إلى حالة ملوك الطوائف القديمة التى كانت عليها قبل ظهور طالبان وأصبحت أفغانستان موزعة بين الحكومات المحلية التى تدين بولائها إلى القوات الأمريكية أما الحكومة المركزية فهى موزعة بين جهات مختلفة أقواها شورى النظار المسيطرة على الوضع العسكرى والسياسى حتى الآن وقد شكلت كيانا سياسيا جديدا باسم النهضة القومية لأفغانستان ولكنها تعانى من الانقسامات والجهة الأخرى التى تشاطر شورى النظار النفوذ السياسى هى مجموعة يطلق عليهم الأفغان الأمريكيين الذين عاشوا فى الغرب وعادوا لتولى بعض الوزارات وبعض المناصب الهامة فى الدولة الأفغانية والصراع بين شورى النظار والأفغان الأمريكيين صراع على المصالح والنفوذ كما يستخدم الدين فى بعض الأحيان كوسيلة لكسب التأييد الشعبى عند الحاجة إليه كما أن شورى النظار تربطه علاقة وطيدة بروسيا وتوجد فئات أخرى تشارك فى الحكومة مثل الشيعة وبعض الأحزاب القومية اليسارية وبعض المستقلين من القادة الذين يسعون إلى بسط نفوذهم وكل هذه الفئات تستمد قواتها من القوات الأمريكية التى تتعاون مع كل جهة بشكل مستقل دون إشراك لما يسمى بالحكومة المركزية فى هذا التعاون أو الرجوع إليها ووصل الأمر إلى وجود قادة ميدانيون من المتعاونين مع القوات الأمريكية يرفضون التعامل مع الحكومة المركزية ولا يسمحون للولاة المعينين من قبل كابول بأن يدخلوا الولايات التى عينوا فيها وبرغم هذا يتمتعون بتأييد أمريكى واسع ويبدو من تعامل القوات الأمريكية أنها لا تريد حكومة مركزية قوية فى أفغانستان بل تتبع سياسة استخدمتها حليفتها بريطانيا قبل ذلك أثناء احتلالها لأفغانستان وهى سياسة فرق تسد، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد حددت مجموعة من الأهداف لتدخلها فى أفغانستان كان من بينها بناء دولة حديثة بمؤسساتها بعد فوضى طالبان حسب رأيهم ـ وقد حددوا لذلك برنامجا فى بون إلا أن الملاحظ بعد مرور ما يقرب من عامين على الحملة الأمريكية على أفغانستان وبعد المرحلة الثانية لبناء الدولة التى بدأت بعقد لوياجيركاـ المؤتمر القومى الاضطرارىـ لم تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق هذا الهدف ففشلت فى تشكيل حكومة متوازنة تمثل الشعب الأفغانى بعرقياته المختلفة بل إن الحكومة التى شكلت فى لوياجيركا كانت لا تمثل مختلف طوائف الشعب الأفغانى، وبقى الوضع كما كان قبل انعقاد هذا المؤتمر فقد احتفظ تحالف الشمال وبالتحديد شورى النظار بنصيب الأسد فى الحكومة إلى جانب مشاركة الموالين المخلصين للولايات المتحدة وقد سلمت الحقائب الوزارية المهمة لهؤلاء فى حين ظلت هذه الحكومة تعانى من الضعف إزاء الحكومات المحلية وقد وضح هذا بصورة جلية فيما نشرته الصحف الأفغانية فى مايو الماضى عن إعلان الرئيس الأفغانى حامد قرضاى فى كلمة ألقاها أثناء حضوره لإحدى المناسبات الدينية عن تعهده بتقديم استقالته إذا فشل فى فرض النظام أثناء الشهور القليلة القادمة على أقاليم قال أنها تقوض سلطة الدولة واعترف بأن الأفغان العاديين فقدوا الثقة فى حكومته التى نصبت بعد أن أطاحت الولايات المتحدة بحركة طالبان وقال:
أن بعض الأقاليم تجمع إيرادات الجمارك الحكومية لحساب ماليتها وجيشها وأضاف الرئيس الأفغانى أنه أبلغ مجلس لوياجيركا بهذا القرار وقد جاءت هذه التصريحات لمواجهة التصرفات التى يقوم بها اثنى عشر حاكما من الحكام المحليين حيث يسيطرون على إيرادات الجمارك التى تحتاجها الحكومة فى عملية إعادة الاعمار ودفع مرتبات موظفى الدولة وقد حصلوا على نصف مليار دولار من الجمارك خلال العام الماضى لم يصل منها إلى الحكومة إلا 80 مليون دولار فقط مما يقوض جهود الحكومة لتعزيز سلطاتها وتحقيق الاستقرار كما شهدت الفترة الأخيرة تحركات قام بها الرئيس حامد قرضاى لكسب تأييد سكان الجنوب المؤيدين لحركة طالبان عبر فتح باب الحوار مع قيادات معتدلة فى الحركة حيث أعلن الرئيس الأفغانى فى اجتماع للعلماء الأفغان عن إعطاء مجال لممارسة الحياة السياسية لهذه القيادات ووقف أى أعمال انتقامية تجاه مؤيدى الحركة تحت ذريعة محاربة الإرهاب ومتابعة فلول طالبان والقاعدة ويرى المراقبون أن قرضاى بدأ يستميل قيادات الباشتون الدينية والقبلية فى الولايات الجنوبية والشرقية التى تشهد باستمرار عمليات عنف متفرقة على المراكز الحكومية وتجمعات الجنود الأمريكان والقوات الدولية حيث يشتكى هؤلاء من السيطرة الكبيرة لغيرهم على مقاليد الحكم فى العاصمة واستهدافهم بأعمال استفزازية من قبل الحكومة والقوات الأمريكية والدولية بحجة مطاردة بقايا تنظيم القاعدة وطالبان (4) وقد أرجح البعض الفشل الذى تعانى منه الحكومة المركزية فى أفغانستان إلى اعتمادها على المساعدات الخارجية وعدم قيامها بتنمية مواردها الخاصة إضافة إلى استخدام هذه المساعدات فى تمويل جهود الإغاثة وعدم توجيهها لإعادة بناء البنية الأساسية والمشروعات التى تدر دخلا على الدولة هذا بالإضافة إلى عدم وجود تجانس فى العناصر المكونة للحكومة المركزية حيث لا يوجد تساوى فى نصيب كل عنصر من العناصر الثلاثة وهم عنصر المجاهدين (تحالف الشمال) وعنصر الغربيين (وهم الأفغان الذين عاشوا فى الغرب وتسلحوا بثقافته واعتادوا على قيمه وأخلاقه) وعنصر الشيوعيين الأفغان وبالتالى فإن المؤسسات الحكومية فى كابول تعانى من انقسام فى الولاءات الحزبية والعرقية كما توجد معارضة للحكومة الانتقالية فى مناطق مختلفة من أفغانستان ظلت تهدد الحكومة الأفغانية وقوات المساعدة الدولية (إيساف)