انقلاب نظام الحكم في بريطانيا
كاتب الموضوع الأصلي: صالح الزهراني
صالح الزهراني
الرئيسة » الأخبار
انقلابٌ في نظام الحكم البريطاني!
الاثنين 03 جمادى الآخرة 1431 الموافق 17 مايو 2010
عمرو محمد
تنحَّى جوردون براون الذي تولى رئاسة وزراء بريطانيا وزعامة حزب العمال دون تصويت قبل ثلاثة أعوام عن منصبيه كرئيس وزراء وزعيم حزب، عقب معركة انتخابية تسببت في هزيمته خلال الانتخابات الأخيرة.
وفي المقابل أصبح زعيم حزب المحافظين ديفيد كاميرون رئيسًا جديدًا للوزراء في بريطانيا، وبذلك انتهى 13 عامًا من وجود كاميرون في صفوف المعارضة عندما دعتْه الملكة اليزابيث الثانية لتشكيل حكومة جديدة، في تجربة جديدة من تولي المعارضة في بريطانيا الحكم.
وبذلك أصبح كاميرون (43 عامًا) أصغر رئيس وزراء بريطانيا منذ نحو 20 عاما، فيما جاء رحيل براون بعد فشل حزبه في تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الديمقراطيين الأحرار الأصغر حجمًا.
ولطالما أدرك براون- الذي انضمَّ لحكومة حزب العمال الجديد بقيادة توني بلير عام 1997 كمستشار- حقيقة أنه لا يحظى بشعبية في بريطانيا، وأنه ليس المرشَّح النجم “ولست الأفضل على مستوى، العلاقات العامة، غير أن المحن كانت معلمي والأمانة دليلي، وكانت الثقة في المستقبل أقوى مصدر لقوتي”.
مخاضٌ انتخابي صعب
ولذلك كان يُنظر لمهمة الفوز بفترة ولاية رابعة للعمال على أنها مهمة بالغة الصعوبة، لا سيما بعد حالة من الركود الكبير والحربين اللذين لا تحظيان بدعم الشعب البريطاني في العراق وأفغانستان والفضيحة المدوِّية بسبب النفقات البرلمانية.
غير أن شهرته على الصعيد العالمي كسياسي محنَّك وخبير اقتصادي له باع طويل لم يكن لها صدى على المستوى المحلي، حيث كان كثيرون يرون أن سياسة “أنفق أنفق أنفق” في سنوات الرخاء هي التي ساهمت في بناء جبل الديون الذي ترزح بريطانيا تحت وطأته الآن.
وأدَّى تراجعُ شعبية الرجل في استطلاعات للرأي وحالة السخط تجاه طريقة إدارته للأمور داخل الحزب إلى ثلاث محاولات انقلاب داخلية على الأقل، ولم تهدأْ حالةُ التمرُّد داخل أروقة حزب العمال إلا قبيل الانتخابات بعدة أشهر مع تحذيرات النقاد من كارثة وشيكة تنتظر حزب العمال.
وفي الواقع، فقد أسفرت الانتخابات البريطانية عن مأزق حقيقي، ووجدت الملكة البريطانية نفسها في حرج، فحزب المحافظين حقَّق انتصارًا ولكنه انتصار ناقص وأعرج.
إلا أنه ووسط أجواء الترقب التي خلفتها الانتخابات بدا المشهد مربكًا، فانتصار المحافظين وحده لم يكن ليؤهلهم للعودة إلى السلطة، وهم إن عادوا فسيكون ذلك من باب الرضوخ لشروط الحزب الليبرالي الديمقراطي، الذي خسر قليلًا من مقاعِدِه البرلمانية، ولكن قوته على إرباك المشهد السياسي البريطاني، وعلى لعب دور الحكم لم تتأثر، حتى كانت خسارة حزب العمال للكثير من مقاعده وأصبح في المرتبة الثانية، مما كان فرصةً لتولي المحافظين الحكم.
والغريب في الأمر أن الأحزاب الثلاثة المهمة خسرت في هذه الانتخابات، فالليبراليون الديمقراطيون كانوا يصدقون استطلاعات الرأي التي كانت تمنحهم مقاعد تفوق ما كانوا يمتلكونه من قبل، ولكنهم خسروا، والمحافظون اقتربوا من الانتصار ولكنهم حُرموا منه، في حين خسر حزب العمال وإن كان حافظ على بعض “الأثاث”!
وأظهر حزب العمال أنه منهك، تمزّقه الفضائح والأخطاء السياسية، بما فيها كذبة حرب الخليج وأسلحة الدمار الشامل، فيما جاء انتصار ديفيد كاميرون، زعيم حزب المحافظين، ناقصًا، وإن كان يتوقع أن ينتصر، ولكن ليس بهذه الطريقة الكابحة، أي من دون الأغلبية المطلقة الضرورية للاستفراد بالسلطة وتنفيذ البرامج الانتخابية في هدوء.
وفي الوقت نفسه تلقَّى حزب العمال صفعة كبيرة، ولكنها لم تكن قاضية، والصحافة البريطانية التي أجمعت، تقريبًا، على دعم ديفيد كاميرون وحزب المحافظين، بسبب أخطاء وترهُّل وفساد الكثيرين من أعضاء حزب العمال.
وإذا كان العمالي توني بلير، رئيس الوزراء الأسبق، قد استعان بسياسات مارجريت تاتشر الليبرالية، لسحب شرائح كانت تصوت تقليديًّا لصالح حزب المحافظين، فإن كاميرون انتقل إلى الوسط، وأظهر دفاعًا عن الخدمات الصحية الوطنية العمومية، وهو ما اعتبر ثورة حقيقية في حزب كانت تقوده يومًا مارجريت تاتشر، والتي قامت بخصخصة البلد بأكملها، ودخلت في مواجهة مع نقابات العمال، قادت إلى ترويض الحركة النقابية، وخلق جو ليبرالي ثقيل، يلقي بظلِّه على الاقتصاد البريطاني منذ أكثر من عقد ونصف العقد، فرغم العافية النسبية التي تمتع بها الاقتصاد البريطاني في عهدها الطويل، فإن جملةَ المكاسب والإنجازات الاجتماعية التاريخية تراجعت بصورة كبيرة.
عدوى الأزمة اليونانية
ورغم أن الاتصالات بين المحافظين والليبراليين بدأت فورَ ظهور النتائج الأولية، فقد كانت صعبة مؤلمة، فكثيرٌ من الأشياء تفرق ما بينهما، وخصوصًا أوروبا والعملة الأوروبية والهجرة والإصلاحات الانتخابية، فالمحافظون لا يزالون حذِرين من الاتحاد الأوروبي ويعبِّرون عن خشيتهم من العملة الأوروبية، التي جاءت الكارثة اليونانية لتدعم مواقفهم.
ولكن الشيءَ الجوهري والعامل الأساسي الذي ترتَّب عليه نجاح أو فشل مساعي حكومة تضمُّ الليبراليين الديمقراطيين والمحافظين، تتعلق بمسألة إصلاح النظام الانتخابي البريطاني، والذي لا يترك مكانًا لحزب ثالث ينافس القطبين الرئيسيين: العمال والمحافظين.
ومقابل أي تنازلات من قِبل الليبراليين فإن هؤلاء كانوا مصرِّين على ضرورة تعديل القانون الانتخابي، ورغم أن التباينات كثيرةٌ بين الحزبين فقد طغى موضوع الإصلاحات الانتخابية على النقاش، ليصبح العنوان الرئيسي للخلاف، فالمحافظون يعارضونها، ولذا قدَّموا عرضًا لليبراليين الديمقراطيين لكي يتخلوا عن مطلبهم بإدخال إصلاحات انتخابية.
مستقبل غامض
والواقع فإن المحافظين وإن تمكَّنوا من تشكيل حكومة أقلية، إلا أنها لن تستطيع التصدي للمهمات الرئيسية: مواجهة الأزمة الاقتصادية والديون البريطانية، وهو ما طالبت به الصحافة البريطانية، ورأت صحيفة “دايلي تليغراف” أنه “يتوجَّب على كاميرون ونائبه نيك كليج أن يعملا معًا من أجل مصلحة البلد، في حين على جوردون براون أن يهيئ حقيبته”، في حين نصحت صحيفة “جارديان” اليسارية الليبراليين الديمقراطيين بالتحالف مع حزب العمال، وهذه الصحيفة المؤثرة معروفةٌ بمواقفها المؤيدة للعمال، لكنها اختارت هذه المرة دعم الليبراليين الديمقراطيين، لأنها ترى فيهم كما قالت إصلاحيين.
وبدورها دعَّمت صحيفة “إندبندنت” المستقلة ذات الميول اليسارية، الحزب للأسباب نفسها، ولذا ركَّزت في افتتاحياتها وتعليقاتها، على حثّ كليج على عدم التخلي عن مطلبه بتعديل القانون الانتخابي، مقابل إغراءات المشاركة بالسلطة.
وتتلخص وجهة نظرها بأن “نظامنا الانتخابي قلَّما يفرِز برلمانا معلقًا، وهذه المرة فعل، ولن يفعل ذلك مرة جديدة قبل وقت طويل، نيك كليج لديه الفرصة اليوم لكي يغتنم اللحظة ويغير النظام الانتخابي، هناك خطورةٌ أنه قد يتخلَّى عن ذلك، وهو خطأٌ يتماشى مع نهج حزبِه بالسعي البراجماتي نحو السلطة”.
ويتشارك في الرأي مع الصحيفة قطاع واسع من الرأي العام البريطاني، والذي يرى أن حزب الليبراليين الديمقراطيين أمام فرصة تاريخية اليوم لتعديل النظام الانتخابي في بريطانيا، وهذه الفرصةُ قد لا تسنح لهم مرة جديدة في المستقبل القريب.
وفي هذا السياق، فإن المأخذ الأساسي على القانون الانتخابي أنه غير عادل، ويحدُّ من حركة القوى السياسية الصغيرة الحجم، ولا يعطي المجتمع هامشًا واسعًا لكي يعكس نفسه على نحو تمثيلي، على أسس مرنة تعتمد على التنوع.