اهمية الاجتهاد الجماعي
كاتب الموضوع الأصلي: سلمان العتيبي 1
بسم الله الرحمن الرحيم
للاجتهاد الجماعي أهمية بالغة في التشريع الإسلامي، وتتجلى أهميته من خلال مجموعة الأمور التي يحققها، وأبرز تلك الأمور: أنه يحقق مبدأ الشورى في الاجتهاد، كما أنه يكون أكثر دقة وإصابة من الاجتهاد الفردي، وهو في الوقت نفسه يعوض عما قد يتعذر علينا اليوم من قيام الإجماع، ويسد إلى حد كبير الفراغ الذي يحدثه غياب المجتهد المطلق.. والاجتهاد الجماعي ييسر للأمة استمرار الاجتهاد، ويمنع أسباب توقفه أو إغلاق بابه،كما أنه يقي الأمة من الأخطاء والأخطار التي قد تنتج عن الاجتهاد الفردي، وهو أفضل نوعي الاجتهاد لمعالجة المستجدات في حياة الأمة، وهو من أنجع السبل إلى توحيد النظم التشريعية للأمة.. وأيضًا فإن الجماعية في الاجتهاد، يتحقق بها التكامل بين الساعين للاجتهاد، ويتحقق بها التكامل في النظر للقضايا محل الاجتهاد. وسنعرض لكل هذه العوامل بالتفصيل وذلك على النحو الآتي:
أولاً: يحقق مبدأ الشورى:
يتحقق في الاجتهاد الجماعي مبدأ الشورى في الاجتهاد، وذلك أن أعضاء المجلس الاجتهادي يمارسون الشورى بتبادل الآراء، وتمحيص الأفكار وتقليبها على كل الوجوه، حتى يصلوا إلى رأي يتفقون عليه أو ترجحه الأغلبية(97)، وفي هذا تطبيق لمبدأ الشـــورى الذي أمـرنا الله به(98) فـــي قولـــه تعالـى: (وأمرهم شورى بين ) (الشورى : 38)، وقوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) (آل عمران : 159).
وقد أرشدنا إلى ذلك الرسول صلى الله عليه و سلم فيما رواه سعيد بن المسيب عن عليًّ رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله! الأمر ينزل بنا، لم ينزل فيه قرآن، ولم تمض فيه منك سنة؟ قال: (اجمعوا له العالمين أو قال: العابدين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد)(99)، ولذلك كان منهج الخلفاء الراشدين إذا لم يجدوا الحكم في الكتاب أو السنة أن يدعوا رؤوس الناس وخيارهم إلى التشاور والنظر، فما اجتمع عليه أمرهم كان حكمًا شرعيًا(100). وقد اقتفى أثرهم في ذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، حيث حرص على تطبيق مبدأ الشورى في الاجتهاد، فأنشأ مجلسًا من فقهاء المدينة وصلحائها، ليستعين بهم في استنباط الأحكام والاستفادة برأيهم، وذلك عندما كان واليًا على المدينة قبل أن يصير خليفة(101)، وهذا ما سار عليه العمل في بعض عصور الدولة الأموية بالأندلس، أيــام يحيــى ابن يحيى الليثي قاضي قضاتها، فقد أنشأ مجلسًا للشورى، للنظر في المشاكل الفقهية(102).
ولا شك أن تطبيق مبدأ الشورى في الاجتهاد، يحقق الكثير من الفوائد، من أهمها: ذلك التمحيص للآراء والتلاقح للأفكار عبر مناقشات علمية تجعل الحكم النابع عن ذلك الاجتهاد أكثر دقة في النظر، وأكثر إصابة في الرأي، ويجنب الاجتهاد ما قد يكون في الاجتهاد الفردي من القصور، أو التأثر ببعض النزعات الخاصة، كما أن الشورى في الاجتهاد تقرب وجهات النظر، وتقلل مساحة الخلاف، وتعزز ثقة الأمة بالأحكام النابعة من الاجتهاد الجماعي(103).
ثانيًا: الاجتهاد الجماعي أكثر دقة وإصابة:
إن الاجتهاد الجماعي باعتباره تفاعل وتكامل ومشاركة بين مجموعة كبيرة من العلماء المجتهدين والخبراء المتخصصين، يتميز عن الاجتهاد الفردي بأنه يكون أكثر استيعابًا وإلمامًا بالموضوع المطروح للاجتهاد، وأكثر شمولاً في الفهم لكل جوانب وملابسات القضية، كما أن عمق النقاش فيه ودقة التمحيص للآراء والحجج، يجعل استنباط الحكم أكثر دقة وأكثر إصابة، (فرأي الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد، مهما علا كعبه في العلم، فقد يلمح شخص جانبًا في الموضوع لا يتنبه له آخر، وقد يحفظ شخص ما يغيب عن غيره، وقد تبرز المناقشة نقاطًا كانت خافية، أو تجلي أمورًا كانت غامضة، أو تذكّر بأشياء كانت منسية، وهذه من بركات الشورى، ومن ثمار العمل الجماعي)(104).
لذلك نجد حرص الخلفاء الراشدين على الأخذ به، وخاصة في القضايا العامة والمعقدة، حيث كان أسلوب الصحابة في الاجتهاد لتلك القضايا يغلب عليه الطابع الجماعي، فقد كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس بها نص من الكتاب أو السنة، جمع لها الخليفة رؤوس الناس وخيــارهـم واستشارهــم، فما اتفقوا عليه اعتبر حكمًا شرعيًا، ومن ذلك ما فعله عمر رضي الله عنه في جمع الصحابة للبحث في قسمة موارد العراق وغيره من الأراضي المفتوحة عنوة، وانتهى رأيهم بالاتفاق إلى إبقاء الأرض بيد أهلها وعدم قسمتها بين الغانمين)(105).
ثالثًا: يعوض عن توقف الإجماع:
الإجماع كما عرّفه علماء الأصول: هو اتفاق جميع المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه و سلم على حكم شرعي، في أي عصــــر من العصـــور، بعد وفــاة الرسول صلى الله عليه و سلم، ولا خلاف بين العلماء في كون الإجماع مصدرًا من مصادر التشريع المتفق عليها، ولكن العلماء اختلفوا في إمكانية تحقق الإجماع، كما اختلفوا في مسائل أخرى تتعلق بالإجماع، وليس هذا محل الخوض في هذا الخلاف، وإن ما نريد الحديث عنه هو أن الاجتهاد الجماعي يمكن أن يسد الفراغ الذي يحدثه غياب الإجماع، حيث إن اتفاق جمع كبير من المجتهدين أو الأغلبية منهم على حكم شرعي، لابد أن ذلك سيؤدي إلى الوصول إلى أحكام شرعية، تكون في قوتها ودقتها أقرب إلى قوة الإجماع منهــــا إلى قـــوة الاجتهـــاد الفــردي كمــــا سنفصـــل ذلك فــــي حجيــــــة الاجتهـاد الجماعي.
وعلى هذا، فإن الاجتهاد الجماعي يعوض في التشريع ما قد يتعذر تحققه، لغياب الإجماع والاجتهاد معًا، وهو بذلك يعيد للفقه حيويته وقدرته على مواجهة المشكلات بحلول شرعية صحيحة ودقيقة، فإذا كان اتفاق كل المجتهدين الذي هو أساس الإجماع متعذر فإن اتفاق أكثر المجتهدين لن يكون متعذرًا، وهذا ما جعل بعض العلماء يذهب إلى أن الإجماع بالمعنى الأصولي لم يتحقق، وإنما الذي تحقق هو الاجتهاد الجماعي، وأن ما سمي إجماعًا إنما هو اجتهاد جماعي، وسمَّى هؤلاء العلماء الاجتهاد الجماعي بالإجماع الواقعي، يعني الذي تحقق واقعًا في العصور الإسلامية، أما الإجماع بالمعنى الأصولي فلم يتم ذلك واقعًا، ودلل على هذا الرأي بأن ما روي عن الصحابة من إجماعات، لم تكن في حقيقتها إلا اجتهادات(106) جماعية، حيث كان الخلفاء إذا نزلت بهم قضية ليس فيها نص من كتاب أو سنة، يجمعون لها رؤوس الناس وخيارهم وعلماءهم، ويتشاورون في الأمر، فما انتهو إليه اعتبر حكمًا شرعيًا، وهذا في حقيقته اجتهاد جماعي، إذ أن هؤلاء الذي كانوا يُجْمَعُون لذلك لم يكونوا كل الصحابــة، ولم يُــرو أن أحد الخلفاء توقف في حكم شرعي، حتى يوافق عليه بقية علماء الصحابة الغائبين عن ذلك المجلس، أو الذين كانوا منهم في الأمصار المتفرقة(107).
وذهب بعض العلماء إلى اعتبار الاجتهاد الجماعي إجماعًا ناقصًا(108)، حيث قسّموا الإجماع إلى نوعين: إجماع كامل، وهو الذي يتم فيه اتفاق كل المجتهدين، والإجماع الناقص، وهو الذي يتم فيه اتفاق أكثر المجتهدين، والذي قد يُسمى اجتهادًا جماعيًا، ويقول أصحاب هذا الرأي: إن الإجماع الكامل لم يتحقق في واقع الأمر إلا في القضايا أو في الأمور التي هي معلومة من الدين بالضرورة، والتي لا تلقى فيها أحدًا من المسلمين إلا وافق عليها، ونقلها عمن قبله، وذلك كالإجماع على أن الجد يرث مع وجود الإخوة، وأن الجدة يحرم التزوج بها كالأم، وترث السدس إذا لم تكن هناك أم، والإجماع على عدم بيع أم الولد(109).
وأما الإجماع الناقص فإن انعقاده لا يتوقف على اتفاق جميع المجتهدين، بل يتم باتفاق الأكثرية، عملاً بما نقل عن ابن جرير وأبي بكر الرازي وأبي الحسين الخياط من المعتزلة، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه(110)، وهذا النوع من الإجماع يتم في الغالب في المستجدات الدنيوية، التي لم ينص على حكمها كتاب أو سنة، مما هو مجال للرأي من مصالح الأمة الدنيوية، التي تختلف باختلاف الزمان أو المكان، كالإجماع على إمامة شخص بعينه، أو على إعلان حرب على عدو.. وبالتأمل في هذا النوع من الإجماع، نجد أنه ينطبق على ما يسمى بالاجتهاد الجماعي(111).
وهذا النوع من الإجمـــاع هو ما ســـار عليــه الإمامـــان أبو بكــر وعمــر رضي الله عنهما، حيث كانا يستعينان عند الاستشارة في الأمور القضائية والإدارية بما يتهيأ لهما من أولي الرأي، فلم يؤثر عن أحدهما أنه كان يتوقف في الحكم حتى يستشير القضاة في الأقاليم أو قواد الجيوش في أنحاء الأرض(112).
ويرى بعض المفكرين أن الاجتهاد الجماعي يمكن أن يكون هو الجسر الذي يوصل إلى الإجماع التام، وذلك أن الحكم الذي يتوصل إليه بالاجتهاد الجماعي يمكن عرضه على بقية العلماء المجتهدين، فإن وافقوا عليه صراحة كان ذلك إجماعًا صريحًا، وإن سكتوا بعد علمهم كان إجماعًا سكوتيًا(113).
رابعًا: الاجتهاد الجماعي ينظم الاجتهاد ويمنع توقفه:
الاجتهاد أصل من أصول التشريع الإسلامي، وهو الأساس لحيوية التشريع ونمائه، واستمرار عطائه في تعريف الأمة بأحكام الله في كل نازلة، ولهذا فقد بدأ الاجتهاد منذ عهد النبي صلى الله عليه و سلم على يد الصحابة، ثم من بعدهم التابعون وتابعوهم، ثم استمر في عطائه حتى منتصف القرن الرابع الهجري، حيث نودي بتوقيف الاجتهاد وإغلاق بابه(114). وكان من أبرز الأسباب لهذه الدعوة هي تلك الفوضى والأخطاء والاختراقات، التي جاءت نتيجة الأدعياء من أصحاب الاجتهاد الفردي، ولغياب الاجتهاد الجماعي.. ولذلك كان ينبغي للحريصين على استمرار الاجتهاد، أن يدعوا إلى حمايته، عبر تنظيمه بأسلوب الاجتهاد الجماعي، حتى تدرأ تلك الأخطاء النابعة من بعض أدعياء الاجتهاد(115). فمن المعلوم أن الاجتهاد في عهد الصحابة كان يغلب عليه خصوصًا في القضايا العامة أو المعقدة الطابع الجماعي(116).
ثم أصبح الاجتهاد في العصور التالية يتسم بالطابع الفردي، فكان كل مجتهد يستقل برأيه وفهمه في اجتهاده، وتبارى المجتهدون في استنباط القواعد، وتأسيس أصول بعض النظريات، فازدهر الفقه وأثري، إلا أنه عندما ضعفت الدولة الإسلامية وفقدت سيطرتها، واضطرب الاجتهاد الفقهي، دخل في صفوف المجتهدين مَن ليس منهم، ووجدت بعض الفتاوى عن طريق الفرض والتشهي(117)، وقلّت الكفايات والورع، فتخوّف العلماء، فأفتوا بإغلاق باب الاجتهاد(118)، حتى يقطعوا الطريق على الفرق والمذاهب المنحرفة، ويحموا الأمة من الانقسام الديني. ولكن هذا المسلك أدى إلى شيوع التقليد وانتشار التعصب، وجمود الاجتهاد(119)، حتى كاد الاجتهاد أن يخلو زمنًا طويلاً، باستثناء ما كان يجري بين الحين والآخر من ظهور أئمة مجتهدين(120).
وإذا كانت الفتوى بإغلاق باب الاجتهاد قد قصد بها في بداية الأمر منع الاجتهاد الفردي، لإبعاد من ليسوا أهلاً للاجتهاد، فإن الأمر قد أسيء فهمه وروُّج أن المقصود منع الاجتهاد مطلقًا(121)، وكان الواجب أن تعالج الفوضى في الاجتهاد بتنظيمه، وجعله في يد اعة لا يد الأفراد، بدلاً من أن يعالج بإغلاق باب الاجتهاد(122).
وقد أرشدنا الرسول صلى الله عليه و سلم إلى ذلك عندما سأله عليٌّ رضي الله عنه، إذا نزل بهم أمرٌ لا يجدون له نصًا في القرآن، ولم تمض فيه سُنَّةٌ، فقال صلى الله عليه و سلم: (اجمعوا له العالمين أو قال: العابدين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد)(123).
خامسًا: الاجتهاد الجماعي يقي الاجتهاد من الأخطار:
تبين لنا من خلال ما سبق، أن الاجتهاد كان في أحسن أحواله عندما كان جماعيًا، ثم تسربت إليه الإشكالات عندما صار فرديًّا، مما دعا إلى القول بسد باب الاجتهاد.. وإذا كان استمرار الاجتهاد ضروريًا، فإن قيامه في زمننا بشكل فردي، يخشى معه أن يأتي بالإشكالات نفسها التي أدت بالعلماء في منتصف القرن الرابع الهجري إلى إغلاق باب الاجتهاد، بل إن تلك المخاوف صارت اليوم أكثر بروزًا، (حيث بدأ كل من يرى في نفسه القدرة على النظر الفقهي، يلبس ثوب الاجتهاد، ويخرج على الناس بالآراء الاجتهادية، حتى ولو لم يكن من أهل الاجتهاد، ولم تتوفر فيه أكثر شروط الاجتهاد، فتضاربت الأقوال وتبلبلت الأفكــار، وأصبـــح النـــاس في حيــرة مما يسمعون أو يقرأون)(124).
ويخشى أيضًا من المتاجرين بالدين، الذين يصدرون كتبًا وفتاوى غراره، يتزلفون بها إلى الطغاة، أو يخدمون بها أعداء الإسلام، فيهدمون دعائم الدين تحت ستار الاجتهاد وحرية التفكير، طمعًا منهم في منافع يجنونها من وراء ذلك، لا يبالون معها بسخط الله(125).
لذلك لابد أن يكون الاجتهاد جماعيًا، حتى يسد الباب على هؤلاء الأدعياء، ويحقق للأمة معرفتها بشرع الله على أكمل وجه وأدق بيان، وليس في هذا حجر على الآراء أو حكر على التفكير، وإنما هو حماية للأمة من البلبلة والتشويش في أمر دينها.
كما أن ذلك لا يمنع من وجود الاجتهاد الفردي كممهد ومثرٍ للاجتهاد الجماعي(126)، ومن حق الأفراد أن يكتبوا وينشروا أبحاثًا ودراسات، وأن يقولوا ما يرونه من اجتهادات، ولكنها تظل في نظر الأمة مجرد آراء واجتهادات فردية وأبحاث تمهيدية، ينبغي أن تخضع للنظر من قبل المجامع الاجتهادية(127)، خصوصًا إذا كانت تلك الاجتهادات الجديدة صادرة عن أشخاص لم يُعرف عنهم عمق في العلم، وقوة في التدين.
سادسًا: الاجتهاد الجماعي علاج للمستجدات:
نحن اليوم في عصر تطورت فيه أحوال الأمم تطورًا مذهلاً، نشأ عن ذلك الكثير من المستجدات والقضايا التي لم تكن موجودة من قبل، وليس لها مثيل فيما تضمنته كتب الفقه المعهودة، وهذا يتطلب منا ضرورة الاجتهاد لمعالجتها، ولابد أن يكون هذا الاجتهاد جماعيًا، وذلك لسببين:
السبب الأول: أن هذه المستجدات تكون في الغالب قضايا عامة، يهم تنظيمها كل المجتمع، ويمس أثرها كل فرد في علاقته بالآخرين، أفرادًا أو مجتمعًا أو دولة، وليست من القضايا الفردية التي تتعلق بكل فرد على حدة، وعليه فإن أي خطأ في الاجتهاد للقضايا العامة يصيب أثره عموم الناس، لذلك يجب في هذه القضايا أن يكون الاجتهاد جماعيًا، لما فيه من دقة في البحث، وشمول في النظر، وتمحيص للرأي، يتبلور ذلك من خلال اشتراك جمع من العلماء في النقاش وتبادل الآراء، فيأتي حكمهم أكثر دقة في الاستنباط، وأكثر قربًا للصواب من الاجتهاد الفردي(128).
السبب الثاني: أن الكثير من القضايا المستجدة، قد يحيط بها الكثير من الملابسات والتشعبات والصلات بقضايا وعلوم متعددة، مما يجعل القدرة على فهم كل جوانبها ومتعلقاتها لا يكتمل إلا أن يكون جماعيًا، ويصعب على فرد استيعاب كل ما تتطلبه تلك القضايا من علوم ومعارف، وتكون الرؤية الفردية في هذه القضايا قاصرة، فلربما نُظر إلى تلك القضية المعقدة والمتشعبة من زاوية وأهملت بقية الزوايا فيأتي الحكم قاصرًا.
فالاجتهاد الجماعي يكون أقدر على علاج قضايا الأمة في زمن تعددت فيه الخبرات، وتشعبت فيه العلوم، وتعقدت المعاملات أشد التعقيد، وأحاط بها الكثير من التشابك مع قضايا وعلوم أخرى، بصورة لم تكن معهودة من قبل، وطرأت أنظمة جديدة للحياة لم تكن موجودة، وأصبحت المسائل الفقهية المدونة قليلة الشبه في الحياة الواقعية، وتغيرت التصورات الاجتماعية للأنظمة القانونية(129)، وأصبح الفقيه مهما كان علمه وفقهه وجودة قريحته، لا مفر له من الاستعانة بذوي الخبرة والاختصاص في كل فن وفي كل علم، وهذا المستوى من العلم يتعذر توفره في الفرد، لذلك لابد من الاجتهاد الجماعي الذي تتنوع فيه الاختصاصات، وتتوسع فيه الخبرات والاستشارات.
ومن الأمثلة على هذا النوع من القضايا، ما تزخر به حياتنا العملية من العقود المتنوعة التي جدت، كعقد التأمين بمختلف أنواعه، وعقود البورصة، وعقود المضاربة، وعقود الكمبيالات، والشركات والمعاملات المصرفية بأنواعها، والكثير مما يتعلق بنظام الحكم والسياسة الشرعية(130).
سابعًا: الاجتهاد الجماعي سبيل إلى توحيد الأمة:
الأمة الإسلامية أحوج ما تكون إلى اجتماع كلمتها، واتحاد رؤيتها في ما يحل مشاكلها، لتبني على ذلك توحدها في المواقف والتعاملات، ولن يأتي ذلك إلا إذا كانت حلولها لمشاكلها وقضاياها العامة نابعة من رؤية جماعية تسعى إلى جمع الكلمة وتوحيد الصف، بعيدًا عن الرؤى الفردية المتنافرة، التي تأتي على الأمة بالتفرق في الأفكار والتشتت في الصف والتضارب في الأحكام، مما يجعل الناس في حيرة من أمرهم، وفيما ينبغي أن يعملوا به في القضايا العامة التي تحتاج إلى توحيد في الموقف، واتحاد في الحكم، ولعل الاجتهاد الجماعي هو السبيل إلى إيجاد ذلك. يقول الأستاذ عبد الكريم الخطيب في هذا المضمار: (ولا يجوز الاجتهاد بالرأي لفرد واحد مهما أوتي من المواهب والمؤهلات، لأن التاريخ قد أثبت أن الفوضى التشريعية في الفقه الإسلامي كان من أكبر أسبابها الاجتهاد الفردي، حيث تتشعب الآراء، وتكثر الخلافات التي تفرق وحدة الأمة إلى مذاهب وشيع)(131).
ويقول الأستاذ علي حسب الله: (ومنها [أي أفعال المكلفين] ما يتعلق بمعاملاتهم، بعضهم مع بعض، واختلاف الأحكام في هذا مجافٍ للنظام ومجانب للعدل، وخاصة في البيئة الواحدة والبيئات المتماثلة. والاجتهاد هنا إنما يفيد فائدة عملية إذا اتجه وجهة جماعية، بأن تكون هناك جماعة من المجتهدين: ينظرون فيما جد من الحوادث، ويستنبطون مستعينين بالمأثور من آراء السابقين ما يلائم أحوالهم من الأحكام، وتكون أحكامهم هذه نافذة في الناس: يلزمون جميعًا باتباعها، ويحكم القضاة بمقتضاها)(132).
ويقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: (الذين لهم الاجتهاد بالرأي هم الجماعة التشريعية الذين توافرت في كل فرد واحد منهم المؤهلات الاجتهادية التي قررها علماء الشرع الإسلامي، فلا يسوغ الاجتهاد بالرأي لفردٍ مهما أوتي من المواهب واستكمل من المؤهلات، لأن التاريخ أثبت أن الفوضى التشريعية في الفقه الإسلامي كان من أكبر أسبابها الاجتهاد الفردي)(133).
ثامنًا: الاجتهاد الجماعي يوجد التكامل:
الاجتهاد الجماعي يوجد التكامل في الاجتهاد على مستويين: مستوى المجتهد ومستوى النظر في القضية محل الاجتهاد. أما التكامل على مستوى المجتهد، فإن مما لا شك فيه أن تحقق الشروط الموضوعة لبلوغ درجة المجتهد المطلق صعبة المنال في عصرنا هذا، لذلك ففي الاجتهاد الجماعي يكمل العلماء بعضهم بعضًا، ويكونوا بمجموعهـــم في مستــوى المجتهـد المطلق. وما أحوجنا إلى هذا النوع من الاجتهاد التكاملي، خاصة وقد صار من المتعذر اليوم وجود المجتهد المطلق، وكاد أن يتعذر المجتهد الجزئي، فصار الاجتهاد الجماعي هو الممكن والمعوض لنا عن المجتهد المطلق(134)، والمسدد والمقارب بين المجتهدين الجزئيين.
أما التكامل على مستوى الموضوع، فيتجلى في أن قضايانا اليوم قد شملها الكثير من التداخل بين علوم متعددة، ولم تعد من البساطة بالشكل الذي كانت عليه من قبل، بل صارت القضية الواحدة موضوعًا لأكثر من تخصص في علوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والقانون والتربية وغير ذلك من العلوم، ولا يمكن النظر فيها من خلال علم واحد، بل لابد من النظر فيها من خلال كل العلوم المتصلة بتلك القضية، وهذا لن يقوم به إلا جماعة، ويصعب إن لم يتعذر أن يقوم به فرد، لأنه ليس بالإمكان أن يجمع شخص واحد بين المعرفة للعلوم الشرعية بالصورة التي اشترطها الأصوليون وبين المعرفة المتخصصة لمشاكل البيئة والعصر، فكان لابد من أن يكون الاجتهاد في هذه القضايا من خلال مجموعة تتكامل فيها الثقافات بحيث يضم مجلس الاجتهاد العلماء المتخصصين في العلوم العصرية إلى جانب العلماء المجتهدين في العلوم الشرعية(135)، فيكمل أعضاء المجلس بعضهم بعضًا، وتحدث الإحاطة بالمسألة من كل جوانبها وملابساتها ومتعلقاتها(136).
وإذا كان التكامل بين العلماء مهمًا ومفيدًا، فإن التكامل في شخصية المجتهد هو أمر أكثر أهمية.. ومن المفيد في هذا المقام أن نورد ما ذكره الدكتور جمال الدين عطية حول التكامل الذي يجب أن يكون عليه المجتهد، حيث يقول: ( وإذا كانت ظروف المجتهدين في الماضي قد مكنتهم من الإحاطة بعلوم عصرهم وظروف معاصريهم الحياتية وأعرافهم التجارية، فإن تعقد الحياة المعاصرة والإغراق في التخصص الذي أصبح ظاهرة عامة، يدعو إلى التنبيه إلى أهمية مرحلة تعرف المجتهد على الواقعة محل الاجتهاد، وضرورة اعتماده في ذلك على معارف وخبرات غيره من المتخصصين في كل فرع من فروع المعرفة، وذلك ريثما يتيسر تخصص المجتهدين في كل فرع من هذه الفروع، بأن يجمع بين علوم الشريعة اللازمة للاجتهاد في فرع معين، وبين التخصص في هذا الفرع، إذ إن معالجة مشكلة ازدواج الثقافتين لا يتم إلا بتوحيد الثقافتين في شخص واحد، وأن تعاون المثقفين ثقافة عصرية تخصصية مع المثقفين بالعلوم الشرعية إنما هو خطوة مرحلية مؤقتة، وليست هي الحل السليم الدائم.
والمقصود بتوحيد الثقافتين في شخص واحد، لا يعني جمع ثقافتين متنافرتين ومختلفتي الأصول والمناهج في شخص واحد، فهذا شبيه بالحل المرحلي الذي أشرنا إليه، وإنما المقصود هو تفاعل الثقافتين للخروج بثقافة واحدة متخصصة ذات أصول وضوابط إسلامية، وهو ما يعبر عنه بأسلمة المعرفة)(137).