أ.د. أحمد محمد وهبان

بروز الدبلوماسية الاقتصادية وتراجع التقليدية

كاتب الموضوع الأصلي: أحمد عيظه 3

بروز الدبلوماسية الاقتصادية وتراجع التقليدية

د. صلاح بن سالم جعبوب
مما لا شك فيه، أن للأزمة الاقتصادية العالمية آثارا وظواهر امتدت عبر حدودها الاقتصادية لتصل إلى عمق الدائرة السياسية لدى العديد من الدول. فنظرا لربط المصالح الاقتصادية بتوسعاتها السياسية والعسكرية، كانت النتيجة هي استقالة رؤسائها ورؤساء حكوماتها، كالذي حدث في هولندا وألمانيا وبريطانيا واليابان واستراليا. الأمر الذي يبين حجم الاشكالات التي تعاني منها جراء ذلك، والحاجة إلى ترجيح الكفة الاقتصادية على السياسية في عملية الإصلاح الاستراتيجية للفترة المقبلة. وهو ما يعني المزيد من إجراء المفاوضات والحوارات الاقتصادية للدول مع العالم الخارجي وبروز ما يعرف بالدبلوماسية الاقتصادية وتراجع الدبلوماسية السياسية التقليدية.
ومصطلح الدبلوماسية الاقتصادية ليس حديث العهد ظهر نتيجة لإفرازات هذه الأزمة فحسب، فقد كان كثيرا ما يستعان برجال الأعمال والتجار من قبل القادة في مفاوضاتهم مع قادة الدول الأخرى في العصور القديمة، والدور الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص إذا ما أرادت الحكومات تقريب المسافات فيما بينها. وهناك أيضا دور المساعدات الاقتصادية والمالية التي تتم بين الدول والتي تحقق المكاسب الاستراتيجية لها، وخاصة لاكتساب الأنظمة الموالية سواء للغرب أو للشرق أثناء فترة الحرب الباردة والتي قل استخدامها بفناء القطبية الثنائية وبروز الأحادية القطبية.
برز مصطلح الدبلوماسية بشكل لافت في تسعينات القرن الماضي نتيجة للعولمة والنظام الجديد للاقتصاد العالمي، الذي احتل دوراً مهماً لتوفير التطوير والنمو للدولة من خلال الإندماج فيه. إذ حاز ذلك على اهتمام بارز لدى الحكومات مما ظهرت الحاجة إلى الجمع ما بين العمل السياسي ومهارات التحليل والفهم الاقتصادي الجيد، وذلك من أجل ربط التعاملات الخارجية للدولة مع المنظمات والهيئات السياسية والاقتصادية الدولية، لتعزيز مكانتها والترويج لها وآلية الجذب منها وإليها.
ويلاحظ في الآونة الأخيرة – ويعود ذلك إلى السياسة العولمية – بأنه لم تعد أغلبية المفاوضات بين الدول ذات طابع سياسي، حيث تراجعت الدبلوماسية السياسية عن دورها لمصلحة الدبلوماسية الاقتصادية. كما أنه لم تعد النشاطات الاقتصادية والاستثمارية الدولية قاصرة على دور القطاع الخاص ورجال الأعمال والاقتصاديين، فقد أصبحت الحكومات تمارس النشاطات ذاتها عن طريق صناديقها السيادية وصناديق التقاعد المدنية والعسكرية الاستثمارية. بهدف تنويع مصادر دخلها، واغتنام الفرص الممكنة من الأسواق الدولية في ظل سعي الجميع إلى تعظيم الأرباح والفوائد.
وتأتي الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة لتضع الدول – بعد الترابط والتشابك العولمي – أمام عتبة الانهيار للاقتصاد العالمي، وانعكاس ذلك على أمنها القومي. ما يبرز الحاجة إلى تضافر الجهود وإجراء المزيد من المفاوضات والتنسيق الدولي في سبيل الخروج منها. وهذا عزز بدوره من دور الدبلوماسية الاقتصادية في إيجاد الآلية المناسبة لتسيير العلاقات الاقتصادية الدولية فيما بينها. وكانت للظروف التي يمر بها العالم من بروز قوى اقتصادية جديدة على الساحة الدولية مما ساعد إلى دخول تلك القوى مع مجموعة الثماني G8 إلى تشكيل مجموعة العشرين G20 في نوفمبر 2008 ، يمكن من خلالها إدارة علاقاتها التفاوضية والحوارية الجماعية فيما بينها.
وبالرغم من عدم توصل الأعضاء إلى اتفاق حول وضع سياسة معينة للاقتصاد العالمي في اجتماع العشرين مؤخرا في كندا، إلا أن ذلك لا يقلل من الدور المهم المنوط لها ككيان وكعامل أساسي للاستقرار السياسي والاقتصادي للدول في المرحلة القادمة. ذلك لأنه لا خروج للدول العظمى من المأزق دون قيام الدول الاقتصادية الناشئة بهذا الدور.
وتعد ظاهرة بروز مجموعة العشرين G20 ككيان خلفا لمجموعة الثماني G8 التي لم تستطع بمفردها حل الأزمة، كاستجابة للتطورات والتحولات على الساحة الدولية كبروز قوى اقتصادية جديدة. مثلها كمثل ظهور منظمة التجارة العالمية التي برزت ككيان لظاهرة العولمة تقوم على إدارة التجارة العالمية، ونظام بريتون وودز الذي قام على تنسيق السياسات الاقتصادية الدولية ووضع السياسات للاقتصاد العالمي للمرحلة المستقبلية عقب خروج الدول من الحرب العالمية الثانية.
واللافت أن الدول الاقتصادية الناشئة التي دخلت ضمن الدول الأكبر غنى في العالم يعود الفضل في اكتسابها هذه المكانة إلى امتلاكها القوة الاقتصادية. حيث ركزت تلك الدول طوال العقود الثلاثة الماضية على بناء قوة الدولة المدعومة بقوة الاقتصاد وبناء العلاقات الاقتصادية الدولية لها، وتحولها من العمل السياسي وممارسة الدبلوماسية الاقتصادية، وعدم الدخول في توسعات سياسية وعسكرية يمكن أن تؤدي بها إلى الوقوع في فخ الاشكالات والأزمات. الأمر الذي قد يكلفها كثيرا في سبيل الخروج فيما لو وقعت فيها. ومن الأمثلة على الدول التي تطبق الدبلوماسية الاقتصادية دول مجموعة «بريك» BRIC وهي البرازيل وروسيا والهند والصين، وكذلك دول ألمانيا واليابان. ومن الدول الأخرى التي تمارس الدبلوماسية الاقتصادية مقترنة بالعمل السياسي والعسكري الولايات المتحدة الأمريكية.
إلا أن الولايات المتحدة نتيجة لإفراطها في التوسعات السياسية والعسكرية طيلة فترة هيمنتها الأحادية القطبية على العالم كانت له آثار سلبية ليس فقط على اقتصادها، بل كانت سببا في تبدل أولويات استراتيجيتها للفترة المقبلة. وهو ما أعلنه أوباما عن الاستراتيجية القومية الجديدة، بأن الولايات المتحدة سوف ترتكز على الدبلوماسية والقوة العسكرية في سياساتها الخارجية. وبالرغم من أن ذكر القوة العسكرية هنا يقصد به الحفاظ على الهيبة وحفظ التوازن للقوى الداخلية في الولايات المتحدة فإنه لا مناص لها في أن تتجه نحو ممارسة الدبلوماسية الاقتصادية والتراجع في التوسعات السياسية والعسكرية. لأنها في أمس الحاجة اليوم إلى إنقاذ اقتصادها الذي أصبح يشكل تهديدا حقيقيا لأمنها القومي. ويمكننا أن نلاحظ ذلك من خلال سعيها إلى ترجمة تلك الأهداف عن طريق عقد اللقاءات والحوارات الدولية المكثفة حول آلية الشراكة والتعاون للشركات الأمريكية مع الدول والشركات الأجنبية. ولاسيما من خلال مجموعة الثنائي G2 «الحوار الاستراتيجي الصيني الأمريكي» الذي بدأ في 2005 وتحول فيما بعد إلى «الحوار الاقتصادي الاستراتيجي الصيني الأمريكي».
ومن هنا نستطيع القول إن الدبلوماسية الاقتصادية ستلعب دورا مضطلعا أكبر في المرحلة القادمة لتعويض ما تكبدته الدبلوماسية السياسية التقليدية من أضرار موجعة باقتصادات الدول طوال الفترة الماضية. وحاجتها إلى ترجيح سياستها الخارجية وفق الحالة الاقتصادية الداخلية الملحة ولاسيما الخروج من مأزق الأزمة الاقتصادية العالمية، والأهم هو إيجاد سياسة متوازنة للعلاقات الاقتصادية الدولية للحفاظ على المصالح المشتركة للدول في المرحلة القادمة.
ولكن يبقى السؤال هو في ظل التحولات القادمة في العلاقات الدولية التي اصطبغت بتأثير الدور الاقتصادي المتنامي وتراجع تأثير الدورالسياسي، هل تتحدد السياسات الدولية من منظور العلاقات الاقتصادية الدولية وليس العكس من منظورالعلاقات السياسية الدولية في المرحلة القادمة؟
:joker: :joker: :joker:

Leave a Comment