أ.د. أحمد محمد وهبان

بلال بن رباح .. مؤذن رسول الله

كاتب الموضوع الأصلي: هاجر القوسي

بلال بن رباح الحبشي ، هذا الرجل شديد السمرة ، النحيف الناحل ، المفرط الطول ، الكث الشعر ، لم يكن يسمع كلمات المدح والثناء توجه اليه ، الا ويحني رأسه ويغض طرفه ويقول وعبراته على وجنتيه تسيل:
( انما أنا حبشي … كنت بالأمس عبدا )

ذهب يوما -رضي الله عنه- يخطب لنفسه ولأخيه زوجتين فقال لأبيهما :( أنا بلال وهذا أخي ، عبدان من الحبشة ، كنا ضالين فهدانا الله ، وكنا عبدين فأعتقنا الله ، ان تزوجونا فالحمد لله ، وان تمنعونا فالله أكبر )ا

* * *

نسبه واسلامه

انه حبشي من أمة سوداء ، عبدا لأناس من بني جمح بمكة ، حيث كانت أمه احدى امائهم وجواريهم … ولقد بدأت أنباء محمد تنادي سمعه ، حين أخذ الناس في مكة يتناقلوها ، وحين كان يصغي الى أحاديث سادته وأضيافهم ،وذات يوم يبصر بلال نور الله ، ويسمع في أعماق روحه الخيرة رنينه ، فيذهب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسلم

ولا يلبث خبر اسلامه أن يذيع ، وتدور الأرض برءوس أسياده من بني جمح ،وتجثم شياطين الأرض فوق صدر أمية بن خلف الذي رأى في اسلام عبد من عبدانهم لطمة جللتهم بالخزي والعار ، ويقول أمية لنفسه : (… ان شمس هذا اليوم لن تغرب الا ويغرب معها اسلام هذا العبد الآبق …)ا

* * *

العذاب و الحرية

لقد كانوا يخرجون به في الظهيرة التي تتحول الصحراء فيها الى جهنم قاتلة ، فيطرحونه على حصاها الملتهب وهو عريان ، ثم يأتون بحجر متسعر كالحميم ينقله من مكانه بضعة رجال ويلقون به فوقه ، ويصيح به جلادوه : ( اذكر اللات والعزى )ا

فيجيبهم : ( أحد … أحد )ا

واذا حان الأصيل أقاموه ، وجعلوا في عنقه حبلا ، ثم أمروا صبيانهم أن يطوفوا به جبال مكة وطرقها ، وبلال رضي الله عنه لا يقول سوى: ( أحد … أحد )ا

ويذهب اليهم أبوبكر الصديق وهم يعذبونه ، ويصيح بهم : ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ؟ ؟ ) … ثم يصيح في أمية :( خذ أكثر من ثمنه واتركه حرا ) … وباعوه لأبي بكر الذي حرره من فوره ، وأصبح بلال من الرجال الأحرار

* * *

غزوة بدر

و بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين الى المدينة ،يشرع الرسول للصلاة آذانه … ويختار بلال رضي الله عنه ليكون أول مؤذن للاسلام

وينشب القتال بين المسلمين وجيش قريش وبلال هناك يصول ويجول في أول غزوة يخوضها الاسلام ، غزوة بدر ، تلك الغزوة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون شعارها ( أحد … أحد )ا

وبينما المعركة تقترب من نهايتها ، لمح أمية بن خلف ( عبد الرحمن بن عوف ) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتمى به وطلب اليه أن يكون أسيره رجاء أن يخلص بحياته … فلمحه بلال فصاح قائلا: ( رأس الكفر ، أمية بن خلف … لا نجوت ان نجا ) … ورفع سيفه ليقطف الرأس الذي طالما أثقله الغرور والكبر فصاح به عبدالرحمن بن عوف: ( أي بلال .. انه أسيري )ا

ورأى بلال أنه لن يقدر وحده على اقتحام حمى أخيه في الدين فصاح بأعلى صوته في المسلمين: ( يا أنصار الله ، رأس الكفر أمية بن خلف … لا نجوت ان نجا )ا

وأقبلت كوكبة من المسلمين وأحاطت بأمية وابنه ، ولم يستطع عبد الرحمن بن عوف أن يصنع شيئا ، وألقى بلال على جثمان أمية الذي هوى تحت السيوف نظرة طويلة ثم هرول عنه مسرعا وصوته يصيح: ( أحد … أحد )ا

* * *

يوم الفتح

وعاش بلال مع الرسـول صلى الله عليه وسلم يشهد معه المشاهـد كلها ، وكان يزداد قربا من قلب الرسـول الذي وصفه بأته ( رجل من أهل الجنة )ا

وجاء فتح مكة ، ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم الكعبة ومعه بلال ، فأمره أن يؤذن ، ويؤذن بلال فيا لروعة الزمان والمكان والمناسبة

* * *

بلال من المرابطين

وذهب الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى ، ونهض بأمر المسلمين من بعده أبوبكر الصديق ، وذهب بلال الى الخليفة يقول له: يا خليفة رسول الله ، اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله”ا

قال له أبو بكر: فما تشاء يا بلال ؟
قال: أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت
قال أبو بكر: ومن يؤذن لنا ؟؟
قال بلال وعيناه تفيضان من الدمع: اني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله
قال أبو بكر: بل ابق وأذن لنا يا بلال

قال بلال: ان كنت قد أعتقتني لأكون لك فليكن ما تريد ، وان كنت أعتقتني لله فدعني وما أعتقتني له

قال أبو بكر : بل أعتقتك لله يا بلال

ويختلف الرواة في أنه سافر الى الشام حيث بقي مرابطا ومجاهدا ، ويروي بعضهم أنه قبل رجاء أبي بكر وبقي في المدينة فلما قبض وولى الخلافة عمر ، استأذنه وخرج الى الشام

* * *

الآذان الأخير

وكان آخر آذان له ،أيام زار الشام أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وتوسل المسلمون اليه أن يحمل بلالا على أن يؤذن لهم صلاة واحدة ، ودعا أمير المؤمنين بلالا ، وقد حان وقت الصلاة ورجاه أن يؤذن لها ، وصعد بلال وأذن

فبكى الصحابة الذين كانوا أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن ، بكوا كما لم يبكوا من قبل أبدا ، وكان عمر أشدهم بكاء

* * *

وفاته

ومات بلال في الشام مرابطا في سبيل الله كما أراد ورفاته تحت ثرى دمشق

2 Comments

Leave a Comment